ملخص
تقدم الوثيقة صورة دقيقة للمأزق الإيراني تجاه العراق في خريف 1993، إذ كانت طهران تريد رحيل صدام حسين وترى بقاءه عاملاً مزعزعاً للاستقرار، لكنها لم تكُن واثقة من أن سقوطه قريب أو حتى مضمون. وقالت الوثيقة إن الإيرانيين كانوا يدركون قوة “غريزة البقاء” لدى صدام، بل كانوا يخشون أن يقدم في اللحظة المناسبة تنازلات تسمح بتخفيف عزلته الدولية وإعادة فتح الطريق أمام العراق نحو علاقات طبيعية مع الخارج.
تكشف وثيقة بريطانية ضمن ملف أرشيفي يحمل المرجع T 437/979 بعنوان “سياسة إيران” (Iran: country policy)، رُفع عنه الطابع السري في الثامن من سبتمبر- أيلول الجاري)، عن تفاصيل محادثات بريطانية-إيرانية جرت في طهران خلال سبتمبر 1993، تناولت مستقبل العراق وصدام حسين، والعقوبات الدولية والحظر النفطي، والعلاقات الإيرانية-العراقية، والغارات الإيرانية عبر الحدود، فضلاً عن موقف الطرفين من احتمال تقسيم العراق.
وتشير الوثيقة إلى أن هذه القضايا نوقشت خلال زيارة السير مايكل بورتون إلى طهران، حيث أبدى الإيرانيون اهتماماً واضحاً بالتقييم البريطاني للوضع داخل العراق، ولا سيما مدى قدرة صدام حسين على الاستمرار في السلطة. كما أبدوا خشيتهم من أن يكون سقوطه غير مؤكد، ومن أن تبدأ دول أخرى بإعادة علاقاتها مع بغداد إذا استمر نظامه.
وفي المقابل، نفى الجانب الإيراني تقارير عن خرقه العقوبات المفروضة على العراق، ودافع عن الغارات التي شنها عبر الحدود ضد مواقع منظمة “مجاهدي خلق” داخل الأراضي العراقية. وأكد الإيرانيون رفضهم الحازم لأي تقسيم للعراق، وهو موقف قالت الوثيقة إن بريطانيا كانت تشاركهم فيه، إذ أكدت بدورها أن سياستها تقوم على الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية.
طهران تضع العراق في صدارة المحادثات
وأوردت الوثيقة أن المسؤولين الإيرانيين وضعوا ملف العراق في موقع متقدم على جدول أعمال لقاءات السير مايكل بورتون في كل من وزارة الخارجية الإيرانية ومجلس الشورى.
ولفتت إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية طلبت تحديداً من المسؤول البريطاني تقديم تقييمه للوضع الإنساني والسياسي الراهن في العراق، فضلاً عن تقديره لفرص بقاء صدام حسين في الحكم.
وقدّم بورتون، بحسب الوثيقة، عرضاً تفصيلياً للفهم البريطاني للأوضاع على الأرض، معرباً عن قلق حكومة صاحبة الجلالة العميق إزاء المعاناة الإنسانية التي ألحقها صدام بالشعب العراقي، بحسب الصياغة التي سجلتها البرقية.
وأضافت الوثيقة أن بورتون أكد عدم إمكان تخفيف الضغط على صدام ما دام يرفض الامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي، لكن الإيرانيين أرادوا معرفة ما يمكن أن يحدث إذا اختار الرئيس العراقي في نهاية المطاف تغيير موقفه.
وذكرت الوثيقة أن وزارة الخارجية الإيرانية أوضحت أنها ليست متأكدة من الكيفية التي سيرد بها الغرب إذا امتثل صدام للمطالب الدولية، وإنها رأت أن احتمال إقدامه على ذلك لا يمكن استبعاده.
إيران: ثلاثة تنازلات قد تغير موقف صدام
تشير الوثيقة إلى أن المسؤولين الإيرانيين اعتبروا أن صدام لن يكون مضطراً، من وجهة نظرهم، إلا إلى تقديم ثلاثة تنازلات أساسية حتى يفتح الباب أمام تغيير الوضع.
وقالت الوثيقة إن هذه التنازلات هي قبول الحدود الجديدة والإفراج عن أسرى الحرب الكويتيين والسماح للجنة الأمم المتحدة الخاصة UNSCOM بمواصلة عملها.
وأضافت أن الإيرانيين أبدوا احتراماً لما وصفوه بـ”دهاء” صدام حسين و”غريزة البقاء” لديه، وبحسب ما نقلته الوثيقة عنهم، فإن صدام في التحليل النهائي سيفعل كل ما يتعين عليه فعله من أجل البقاء في السلطة، وكان هذا الاحتمال مصدر قلق كبير لطهران.
وأكدت الوثيقة أن الإيرانيين كانوا يرون أن استمرار وجود صدام، سواء امتثل للمطالب الدولية أو لم يمتثل، سيبقى عاملاً رئيساً لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
إيران تريد ترتيبات أمنية خليجية… لكن من دون صدام
تحدثت الوثيقة عن رؤية إيرانية للترتيبات الأمنية الإقليمية في الخليج العربي، قائلة إن إيران كانت تعتقد بأن ترتيبات أمنية مشتركة في الخليج العربي ضرورية، وإن هذه الترتيبات لا يمكن أن تستبعد العراق باعتباره دولة في المنطقة. لكنها أردفت أن الإيرانيين وضعوا شرطاً واضحاً، العراق يمكن أن يكون جزءاً من هذه الترتيبات، لكن ليس مع وجود صدام حسين في بغداد.
وأكدت الوثيقة أن المسؤولين الإيرانيين رأوا ضرورة اتخاذ “إجراءات أخرى” إذا بقي صدام في السلطة، إلا أن البرقية تشير بوضوح إلى أنهم لم يحددوا طبيعة تلك الإجراءات.
وتكشف هذه النقطة عن طبيعة المعضلة الإيرانية كما سجلها الدبلوماسيون البريطانيون، فطهران لم تكُن تريد استبعاد العراق بصورة دائمة من النظام الأمني الخليجي، لكنها في الوقت نفسه لم تكُن مستعدة لقبول إعادة دمجه إقليمياً مع بقاء صدام.
لندن: لا تستهينوا بغريزة بقاء صدام
وأوردت الوثيقة أن السير مايكل بورتون اتفق مع الإيرانيين على أن غريزة صدام للبقاء لا تنبغي الاستهانة بها، لكن التقييم البريطاني اختلف في نقطة أساسية، فبورتون أضاف أنه استناداً إلى تصرفات صدام السابقة وشخصيته، فإن حكومة صاحبة الجلالة ترى أنه لن يكون قادراً أبداً على الامتثال الكامل لقرارات مجلس الأمن الدولي.
وأوضحت الوثيقة أن الجهاز الأمني لصدام ظل قوياً و”قاسياً”، إلا أن المعارضة، ولا سيما من خلال المؤتمر الوطني العراقي INC، كانت تتطور تدريجاً، مضيفة أن العقوبات الدولية كانت “تؤلم” وأن الاقتصاد العراقي كان في حال محفوفة بالأخطار.
كذلك، تحدثت الوثيقة عن تزايد التقارير التي تشير إلى محاولات انقلاب في قلب منطقة تكريت التي شكلت إحدى أهم دوائر القوة المرتبطة بالنظام العراقي.
متى يسقط صدام؟ البريطانيون: لا أحد يستطيع التنبؤ
على رغم هذه المؤشرات، رفض المسؤول البريطاني إعطاء الإيرانيين موعداً متوقعاً لسقوط صدام.
وقالت الوثيقة إن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بثقة بوقت سقوط صدام، لكنها نقلت في المقابل تقديراً بريطانياً بالغ الدلالة، مفاده بأن نظامه، عندما تبدأ لحظة الانهيار، من المرجح أن “يتشقق فجأة وبالكامل”.
وتكشف هذه العبارة عن أن القراءة البريطانية في ذلك الوقت لم تكُن تتوقع بالضرورة تفككاً بطيئاً ومتدرجاً للنظام، على رغم أنها لم تدّعِ معرفة موعد سقوطه.
وبذلك كانت الرسالة البريطانية إلى الإيرانيين مزدوجة، صدام ما زال يمتلك جهازاً أمنياً قوياً وقدرة كبيرة على البقاء، لذلك لا يمكن تحديد موعد سقوطه، لكن الضغوط الاقتصادية والعقوبات ونشاط المعارضة والتقارير عن اضطرابات داخل مناطق نفوذه جعلت لندن ترى أن انهياره، متى بدأ، يمكن أن يكون سريعاً وشاملاً.
الحظر النفطي والعلاقات الإقليمية مع العراق
وانتقلت المحادثات إلى العقوبات النفطية المفروضة على العراق بموجب القرارين 706 و712، إذ طلبت وزارة الخارجية الإيرانية تقييماً بريطانياً لاحتمال رفع الحظر النفطي. لكن بورتون أكد أن موقف بغداد لا يزال بعيداً جداً من التوصل إلى اتفاق، خلافاً للتفاؤل الإيراني في شأن قرب الحل.
وفي الوقت نفسه، أبدت طهران قلقها من احتمال استئناف تركيا وروسيا وفرنسا اتصالاتها مع بغداد، خشية أن تتبعها دول أخرى، مما قد يضع إيران أمام خيار إعادة النظر في علاقاتها مع العراق إذا بدأ نظام صدام حسين باستعادة اتصالاته الدولية. وتكشف الوثيقة عن أن حسابات إيران لم تكُن مرتبطة فقط بموقفها من بغداد، بل أيضاً باحتمال بقائها معزولة إقليمياً إذا اتجه الآخرون إلى تطبيع العلاقات معها.
وناقش الجانبان أيضاً التجارة عبر الحدود، ونفت إيران وجود مرور رسمي للبضائع إلى العراق، لكنها أقرت بصعوبة السيطرة على التهريب التقليدي عبر الحدود. وطرح بورتون كذلك تقارير عن نقل نحو 6 ملايين لتر من النفط العراقي يومياً براً من كركوك إلى تركيا، من دون أن تقدم الوثيقة رداً إيرانياً تفصيلياً أو تأكيداً مستقلاً لحجم هذه الحركة.
الغارات الإيرانية داخل العراق
وكان ملف الهجمات الإيرانية عبر الحدود من أكثر مواضيع المحادثات توتراً، وقالت الوثيقة إن بورتون أثار مع الإيرانيين مسألة الهجمات المتكررة التي كانت تنفذها إيران عبر الحدود ضد معسكرات منظمة “مجاهدي” خلق داخل العراق.
وأضافت أن الرد الإيراني جاء في صورة سؤال عمّا كانت بريطانيا ستفعله لو وجدت نفسها في الموقف نفسه. وأكد الإيرانيون، بحسب الوثيقة، أن منظمة “مجاهدي خلق” كانت “منظمة إرهابية” تنفذ بصورة منتظمة هجمات على أهداف عسكرية ومدنية إيرانية من الجانب الآخر للحدود. وقالت طهران أيضاً إنها تمتلك أدلة على أن المنظمة كانت تعلن في ألمانيا تجنيد أشخاص للذهاب إلى العراق والقتال ضد إيران.
وتسجل البرقية هنا، كما في مواضع أخرى، الموقف الإيراني وحججه من دون تقديم هذه الادعاءات باعتبارها نتائج تحقيق بريطاني مستقل.
وأثار الجانب البريطاني حجة أخرى ضد الغارات الإيرانية، إذ كان يخشى أن تمنح تلك الهجمات صدام حسين ذريعة لتجاهل منطقة حظر الطيران في شمال العراق بدوره. لكن آصفي رفض هذه الحجة، وذكرت الوثيقة أنه “صرف النظر” عن القول إن الغارات الإيرانية تمنح صدام مبرراً للتعامل بالمثل مع الترتيبات القائمة في شمال العراق.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف الأولويات بين الطرفين، فالإيرانيون قدموا المسألة باعتبارها دفاعاً عن النفس في مواجهة منظمة مسلحة تعمل من الأراضي العراقية، بينما نظر البريطانيون أيضاً إلى الآثار الأوسع للغارات على النظام الأمني الذي أُقيم في شمال العراق بعد حرب الخليج.
سؤال إيراني مباشر: هل لا تزال بريطانيا ضد تقسيم العراق؟
وفي نهاية المحادثات، انتقلت الوثيقة إلى مسألة تمس مستقبل الدولة العراقية نفسها، فقالت إن وزارة الخارجية الإيرانية طلبت من السير مايكل بورتون تأكيد أن بريطانيا لا تزال تعارض تقسيم العراق، وأكد بورتون أن هذا هو بالفعل موقف حكومة بلاده.
وأضافت الوثيقة أن الدعم البريطاني للمؤتمر الوطني العراقي كان قائماً على تعهد الأخير بعدم السعي إلى أي تقسيم إقليمي إذا وصل إلى السلطة في العراق. كذلك أكدت بريطانيا، بحسب البرقية، ضرورة احترام وحدة أراضي الكويت.
وتكشف هذه الفقرة عن وجود نقطة اتفاق واضحة بين لندن وطهران في ذلك الوقت، المعارضة المشتركة لتقسيم العراق، حتى إن اختلف الطرفان في ملفات أخرى تتعلق بالعقوبات وصدام والغارات الإيرانية والسياسة الإقليمية.
إيران بين الرغبة في رحيل صدام والخوف من بقائه
وتقدم الوثيقة، في مجموعها، صورة دقيقة للمأزق الإيراني تجاه العراق خلال خريف عام 1993، إذ كانت طهران، وفق ما تشير إليه البرقية، تريد رحيل صدام حسين وترى بقاءه عاملاً مزعزعاً للاستقرار، لكنها لم تكُن واثقة من أن سقوطه قريب أو حتى مضمون.
وقالت الوثيقة إن الإيرانيين كانوا يدركون قوة “غريزة البقاء” لدى صدام، بل كانوا يخشون أن يقدم في اللحظة المناسبة تنازلات تسمح بتخفيف عزلته الدولية وإعادة فتح الطريق أمام العراق نحو علاقات طبيعية مع الخارج.
وأضافت الوثيقة أن القلق الإيراني أصبح أكثر تعقيداً بسبب التقارير عن استعداد دول مثل تركيا وروسيا وفرنسا لإعادة الاتصالات مع بغداد، لأن نجاح صدام في البقاء واستعادة علاقاته الدولية كان سيجبر إيران نفسها على إعادة النظر في سياستها.
وفي المقابل، أكدت الوثيقة أن البريطانيين لم يكونوا مستعدين للقول إن نهاية صدام باتت وشيكة، فأقر بورتون بقوة جهازه الأمني وبقدرته على البقاء، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى العقوبات والأزمة الاقتصادية وتطور المعارضة وتزايد التقارير عن محاولات انقلاب.
وكانت النتيجة البريطانية لافتة، موعد سقوط صدام غير قابل للتنبؤ، لكن نظامه قد يتشقق فجأة وبصورة كاملة عندما تبدأ عملية الانهيار.
وبالتوازي مع هذا النقاش حول مستقبل بغداد، تكشف الوثيقة عن خلاف واضح في شأن السلوك الإيراني عبر الحدود، إذ دافعت طهران عن ضرباتها ضد معسكرات “مجاهدي خلق” باعتبارها رداً على هجمات تستهدف إيران، بينما خشي البريطانيون من أن تمنح تلك العمليات صدام ذريعة لتقويض الترتيبات الأمنية في شمال العراق.
أما في مسألة العقوبات والتجارة، فنفت إيران وجود حركة رسمية مصرح بها للبضائع عبر الحدود، مع إقرارها بأنها لا تستطيع السيطرة بصورة كاملة على التهريب التقليدي. وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا تراقب تقارير عن تدفق كميات ضخمة من النفط العراقي براً من كركوك إلى تركيا، وصلت وفق ما طرحه بورتون خلال المحادثات إلى 6 ملايين لتر يومياً.
ووسط هذه الحسابات، بقيت نقطة واحدة موضع اتفاق واضح بين طهران ولندن في الوثيقة، العراق يجب ألا يُقسّم. فإيران طلبت تأكيداً مباشراً في هذا الشأن، وبريطانيا أكدت أنها لا تزال تعارض التقسيم، وأن دعمها للمعارضة العراقية مرتبط بالحفاظ على وحدة أراضي البلاد.
