خالد الحروب… ضفة ثالثة
أنتجت الثورة الفرنسية وأورثت تغيّرًا جذريًا، حمل لاحقًا ادعاءً كوني الطابع، إزاء تحولات الموقع الاجتماعي والسياسي للفرد الفرنسي، ومن ثم الأوروبي. تحوّل الفرد من “تابع” (sujet) لا يتمتع بأية حقوق وخاضع للملك صاحب السلطة المطلقة، إلى “مواطن” (citoyen) حرّ ذي حقوق عديدة، منها موقعه الجديد كجزء من إرادة شعبية تتحكم بسلطة الحاكم ذاته. ليس ثمة شك في أهمية هذا الانتقال الموقعي (والتاريخي) للفرد سياسيًا وفكريًا، وفي مركزية هذا الانتقال الذي احتل قلب فكرة الحداثة السياسية برمتها، معززًا فلسفتها “الخطية”. المجتمعات، مؤسسات وأفرادًا، تنتقل خطيًا من مرحلة إلى أخرى وفق تسلسل متلاحق موضوعيًا ومُحقب زمنيًا: من التقليد إلى الحداثة، من “تابعية” الأفراد وعموم الناس للسلطة، إلى “مواطنين” ذوي حقوق وفعالية سياسية واجتماعية قصوى. في هذا “الخط الحداثي”، هناك تحولات جوهرية أخرى: نشوء القومية كمجال هوياتي وسيادي مُتغلب على غيرها من مجالات إمبراطورية عريضة، أو جهوية قبلية ضيقة؛ تكرّس العقلانية مقابل الميتافيزيقا؛ ترسّخ علاقة الأفراد بالدولة الحديثة على حساب الروابط القبلية والطائفية؛ تحول الإنتاج إلى تراكمي السمة ورأسمالي التوجه على حساب الاقتصاد المتفتت وشبه العشوائي؛ وانتقال التواصل والإعلام من فردي محدود إلى جماهيري واسع مرتبط بالدولة أساسًا.
في حقب مديدة، سادت هذه النظرة الخطية الحداثية في تفسير تحولات المجتمعات والدول، وخلعت على نفسها سمة كونية. في أزمان لاحقة وجغرافيات متنوعة، انتفضت سوسيولوجيات عالمية ومحلية ضد حشر دينامية التاريخ في نظرية واحدة، تطورت في تاريخ أوروبي مُحدد وتجربة ذات خصائص مُحددة. السياقات المختلفة، والتواريخ، ووظائف الجماعات، وتداخل الفاعلين وأدوارهم، وعودة الدين والتدين في مناطق عديدة من العالم، حجّمت ادعاء الكونية لدى “الحداثة الخطية” وأعادتها إلى سياقها الغربي الخاص.
هذه إحدى خلفيات النقاش الذي ينخرط فيه عبد الحميد هنيّة، المؤرخ والأكاديمي التونسي، في كتاب “‘الأخ’ و’الرعية’ والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة مصطفى التليلي)، ومن خلاله يحفر عميقًا في ولادة مفهوم “الفرد – المواطن” في التاريخ والسياق التونسيين. المجادلة المركزية في الكتاب تقول إن القابلة التاريخية لتبلور “الفرد – المواطن التونسي” هي سيرورات الاجتماع السياسي المحلي على مدار قرون (العثماني المديد، ثم النضالات ضد الاستعمار الفرنسي، يليه السياق الاستقلالي)، بعيدًا من التجربة الأوروبية، ولكن ليس على الضد منها. السيرورة الكلانية الناظمة لذلك التبلور هي الحراك الاجتماعي والموقعي للفرد بين حالات ثلاث: “الأخ” (في الولاءات القَبَلية والدينية والجهوية)، و”الرعية” (في علاقات السلطات العثمانية مع أهل البلاد)، ثم “المواطن” (وهي المُنتزعة مع مفهوم الشعب خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، ومن بعده الاستقلال). للوهلة الأولى تتبدى لنا السيرورة “الحداثية الخطية”، برغم افتراق نقطة الانطلاق، بيد أن الوهلات التالية تؤسس لمسارات مختلفة أهلية من ناحية، وكأن لها سمة التعايش في الحقب الزمنية المختلفة. مثلًا، تدفعنا قراءة الكتاب للتساؤل فيما إن كنا أمام خط حداثي صارم تجاوز “الأخويات” رغم تكرس مفاهيم المواطن والمواطنة، أم أن أنماطًا وبقايا من “الأخ” و”الرعية” تحيا جنبًا إلى جنب مع “المواطن”، إن في تونس أو في البلاد العربية عمومًا. وربما كانت هذه الفكرة مدعاة للتوسع، أو قد توفر مساحة لقراءة جديدة. فالمواطنة ظلت عسيرة على الولادة التامة حتى في حقبة الاستقلال، لأنها أُنجزت في ظل رئيس جمهورية (الحبيب بورقيبة) قوي الحضور وحداثي النزعة إلى درجة الهوس، ومال مُبكرًا إلى الاستهانة بـ”الشعب الجاهل”، وآمن بامتلاكه قدرة خارقة على قيادة تونس نحو ما يراه الأفضل لها. ارتبكت المواطنة في تشكلها التونسي الأولي بين الولاء للوطن المُستقل الذي غنّى أبو القاسم لإرادة شعبه، والولاء لرئيس الجمهورية الذي ماهى ذاته مع الوطن والدولة.
يرحل عبد الحميد هنيّة في قرون تاريخ تونسي طويل أشعلت كوامنه “الفردية” الثورة التونسية التي أطلقت الربيع العربي في أواخر 2010 وأوائل 2011. وعلى هوامش ثورة الخبز والكرامة والحرية، اندفعت أسئلة بحثية عديدة إلى السطح، منها دور الفرد – المواطن والطاقة الهائلة التي تفجرت فوق وبعد كل تقديرات البلادة والسكون إلى الاستبداد التي خلعها كثيرون على المجتمعات العربية في سنوات ما قبل الربيع. أراد المؤلف أن ينقب في مسائل الفرد وفاعليته وتحولاته في “البلاد التونسية”، في ضوء الثورة التي صدمت السلطة ومعها العالم. يقول إن الكتاب يهدف “… إلى أن يكون عملًا نضاليًا، وفي الوقت نفسه علميًا وسياسيًا، بتقديمه توضيحات في شأن مسائل أساسية جدًا كحركية وضع الفرد ونضاله في سبيل اكتساب صفة المواطن، وفي شأن التمييز التراتبي بين الجنسين، ونضال المرأة – الفرد للتحرر من سيطرة الرجل، واكتساب صفة المواطنة الكاملة”.
قراءة الكتاب تُثير أسئلة من خارجه، وهذه فضيلة لأي كتاب يوفرها، منها إعادة النظر في ميكانيكية الافتراض الحداثي بأن “الرعية” في السياق الأوروبي الغربي، وبعد رحلة طويلة الكفاح، وصلت إلى ما يمكن وصفه بـ”الصيغة النموذج” للفرد – المواطن الحر والمتحرر من الولاءات الجماعاتوية (الدينية والإثنية والجهوية وغيرها). هل هذا ما حدث، وما استمر، وما نراه؟ ابتداءً، ثمة جدل مشروع حول بعض المبادئ المؤسسة لفكرة “الفردانية” الغربية وتمردها على “الجماعاتوية” وتحريرها للفرد من قيود الجماعة. بعض هذا الجدل مرتبط بالسؤال التالي: أين ذهب الفرد “الغربي” بعد أن تحرر من “الجماعة” (العائلة الممتدة، الطائفة، الدين…)؟ ذهب إلى منظومة العمل بالغة التنظيم والبيروقراطية والصرامة… والإخضاع، اقتصاديًا في القطاع الحكومي، أو شبكات الإنتاج الاقتصادي الخاص، وسياسيًا في الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو التكتلات المهنية وغيرها. هذه الهيئات هي الأخرى “جماعاتوية” في طبيعتها وتقمع فردانية الفرد بأشكال مباشرة أو خفية. صحيح أن نمط علاقة الفرد ببعضها شبه طوعية ولا تقوم بناءً على “الدم والقرابة”، لكنها تمارس ضبطًا وإكراهات لا تقل في كثير من الأحيان عن إكراهات الجماعاتوية القرابية والدموية والدينية.
هناك جدل آخر راهن يمكن رصده. نظريًا، يتجاور افتراض الانتقال إلى حالة الفرد – المواطن مع آخر يفترض سيطرة بيئة ليبرالية عقلانية تكون هي المجال التداولي السياسي والاجتماعي للأفراد. ينتقل الفرد من ولاءاته الجزئية، الأخوية والرعائية، إلى الانتماء لمجتمع ومجال حر ودولة تستجيب لتطلعاته وحقوقه على قدم المساواة، ويتنافس مع الآخرين اقتصاديًا واجتماعيًا على قواعد عقلانية. بيد أن هذه الافتراضات، وإن اشتغلت هنا أو هناك بفعالية مُدهشة ولحقب لافتة، تواجه اليوم تحديات جذرية في قلب الغرب. منها تحدي صعود الشعبويات واليمين العنصري المتفلت من الليبرالية العقلانية، والذي تعيد أحزابه تشكيل الفرد في تمثلات متعددة من “الأخ” و”الرعية”، حيث العلاقات تقوم على الغريزة والعاطفة اللاعقلانية على حساب ما تفترضه حالة “المواطن”. مئات الملايين في الغرب، إن في الولايات المتحدة أو أوروبا، يؤيدون أحزابًا يمينية لا تتعدى كونها كيانات عنصرية أو إثنية أو دينية، وهي في الجوهر نظير الطوائف والإثنيات الأولية في حقبة ما قبل الحداثة الأوروبية. ما الذي يحدث هنا بالضبط في مسار “الفرد – المواطن” الحر والمتحرر والعقلاني، في السياق الغربي؟ أين نموضع فردانية وحرية وعقلانية “الفرد – المواطن اليميني”، في أميركا مثلًا، المتماهي تمامًا مع كل ما يقوله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتماهي بدوره مع عنصرية مذهلة ضد المهاجرين والملونين في أميركا؟ أسئلة عديدة تطرحها تمثلات “الشعبوية” في الغرب والتي تأخذ طابعًا جماعاتيًا، يحول التهمة الاستشراقية المُعتادة حول “مجتمعات شرقية جماعاتية بلا أفراد” إلى نكتة سمجة.
في السياق التونسي، يعود بنا عبد الحميد هنيّة إلى القرن السابع عشر وكيف تطور منطقان وعالمان في ظل الحماية العثمانية: منطق الدولة، ومنطق الجماعة القبَليَة؛ عالم المدينة (الساحلي)، وعالم القبائل (الداخلي). تعايش منطق الدولة مع عالم المدن التي تحالفت مع السلطات العثمانية، مُقادة بمصالح التجارة والموقع، فيما تمرد عالم القبائل عليهم ورفض الاندراج في صيغ “الرعية”. بقي عالم القبائل ومنطقه على ذلك الوضع إلى ستينيات القرن التاسع عشر وانتفاضة الوسط الغربي للبلاد ضد قوانين الجباية ومقاديرها. مثلت تلك الانتفاضة، سنة 1864، نقطة مفصلية في التاريخ التونسي التكويني لما صار لاحقًا الوطن والدولة التونسية الاستقلالية، إذ تجاوزت الحدود الإثنية والقبلية وأسست مجالًا سياسيًا موحدًا، تطور لاحقًا كقاعدة ترابية وحدودية للوطن التونسي. في النصف الثاني من ذلك القرن، ساوت السلطة بين الجميع، مسلمين وغير مسلمين، عرب وأتراك، بدو ووجهاء، وصار الجميع “رعايا”. يتابع هنيّة تفاصيل دور السياسة العثمانية، خاصة في مسائل فرض قوانين الجباية والضرائب وإحصاء السكان، في تكريس المجال السياسي التونسي الذي ساهم في تعزيز ما يسميه “مسار التفريد”، أو بروز وتكرس “الفرد”.
مع سيطرة الفرنسيين على تونس، تسارع تشكل “مسار التفريد”، “الفرد – المواطن”، مدفوعًا بفعالية النضال ضد المستعمر فرديًا وجماعيًا وحزبيًا، وتبلورت أفكار الوطن والشعب على نحو أكثر وضوحًا وصلابة. الاستعمار القادم من “فرنسا الأنوار”، سليلة الثورة التي نادت بـ”الحرية، والمساواة، والإخاء”، ترك شعارات الاستنارة في باريس، وعوضًا عنها مارس القمع والعنصرية. لم يتبن أية مقاربة تنظر إلى الأفراد التونسيين من منظور المساواة مع الفرنسيين (تمامًا كما هي ذات الحال في الجزائر والمغرب والعديد من المناطق في أفريقيا وآسيا).
“مواطن” الدولة المستقلة… وثورته
في دولة ما بعد الاستقلال (1956)، تحرر الشعب والأفراد من الاستعمار، وضمن لهم الدستور الحديث حقوقًا ومكاسب مُتقدمة، وكرس الانتماء إلى “الأمة التونسية” على حساب الولاءات الأخرى. على صعيد المرأة، منحت “مجلة الأحوال الشخصية” إطارًا قانونيًا لتحرر المرأة لم تحلم به نساء بعض الدول الأوروبية. أُعطيت المرأة التونسية حق التصويت في الانتخابات سنة 1957، بينما لم تحظ به المرأة في سويسرا إلا سنة 1971. لكن سريعًا ما ارتبكت سيرورة تكرس “الفرد – المواطن” بسبب تسارع تقاليد “عبادة الرئيس”، وإقصائية دوائر ممن يسميهم هنيّة “النخب الحداثية” التي تعالت على “المواطن” و”الشعب”، ونحّت النخب الأخرى، خاصة اليسارية والإسلاموية. ما حدث في تونس وقع في معظم، إن لم يكن كل، البلدان العربية. وهكذا أُعيق نضوج مفهوم المواطن إزاء مفهوم الدولة التي ينتمي لها، لأن السلطة الحاكمة دخلت بين الاثنين وأرادت أن يتوجه ولاء “الفرد – المواطن” لها وليس للدولة أو للأمة أو للشعب. أدى هذا إلى تشوهات بنيوية عميقة كان من بعض نتائجها استدعاء حالات “الأخ” و”الرعية” كي يحتمي بها “الفرد – المواطن” وتؤمّن له الدفء والرعاية التي فشلت الدولة وسلطتها في تقديمها. سادت حالة الفشل عقود ما بعد الاستقلال العربية، وطورد فيها “الفرد” طويلًا وحُصر من قبل سلطة طاغية، إلى أن جاءت لحظة الثورات العربية التي اندلعت من الوسط الغربي في تونس، حيث انطلقت انتفاضة الجباية في القرن التاسع عشر والتي أنتجت المجال السياسي التونسي. الثورة الجديدة أنتجت “الفرد – المواطن” الفعال المغرم بالحرية والكرامة. استنشق التونسيون وكثير من العرب معهم هواءً آخر لفترة قصيرة من الزمن، ثم تحالفت قوى كثيرة حرصت على أن تعيد الجميع إلى حالة “التابعين” و”الرعايا”، يتلقون الأوامر وينفذونها بعصا السمع والطاعة.