ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
ديانا مقلد
ترامب لا يرى حرية التعبير كحق غير مشروط، بل كأداة تُستخدم حين تخدم صورته ومصالحه. فهو يدافع عنها حين تحمي خطابه الشعبوي أو هجماته على الخصوم، لكنه يشنّ عليها حربًا ضروسًا حين تتحول السخرية نحوه.
“السخرية قد لا تقتل الطغاة، لكنها تجعلهم يبدون حمقى، وذلك كافٍ أحياناً”. عبارة كتبها الروائي الأميركي الراحل كورت فونيغت، الذي غالباً ما استخدم السخرية والعبث لتعرية النفاق السياسي والمؤسسات القمعية، مؤكداً إيمانه بقدرة الفكاهة على فضح الطغيان. فماذا كان سيقول عن أميركا اليوم؟
الولايات المتحدة تعيش اليوم على وقع غضب الرئيس دونالد ترامب من معارضيه وإصراره على إطاحة منتقديه، وفي مقدمهم الكوميديون الساخرون. فقد سحبت شبكة ABC المملوكة لـ Disney عرض Jimmy Kimmel Live من جدول البث بعدما سخر جيمي كيميل من حركة MAGA واتهمها بمحاولة استغلال مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك سياسيًا.
قرار الإيقاف لم يأتِ بسبب تدنّي نسب المشاهدة، بل نتيجة ضغط سياسي واضح، إذ هدّد رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية، المعيَّن من ترامب، بسحب تراخيص المحطات التي تعرض البرنامج إذا استمر بثه، ما وضع القناة أمام خيارين: الانصياع أو مواجهة تبعات قانونية واقتصادية. ترامب احتفل بالقرار ودعا علنًا إلى فصل مذيعين ساخرين آخرين مثل جيمي فالون وسيث مايرز.
صحيح أن باقي البرامج الساخرة، وفي مقدمها Late Night Show الذي يقدمه جون ستيوارت، أعلنت تضامنها وردّت بمزيد من السخرية والنقد، لكن هذا لا يعني أن المواجهة توقفت عند هذا الحدّ.
هذا المشهد يكشف طبيعة القيود الجديدة في أميركا. فلم تعد الرقابة بحاجة إلى مقصّ رقيب رسمي أو قانون استثنائي؛ يكفي تهديد من رئيس غاضب أو هيئة تنظيمية موالية له ليُغيّر التنفيذيون سياساتهم. كتب أحد معلقي واشنطن بوست: “الرقابة في عصر ترامب تُمارس بالتهديدات والتلميحات أكثر مما تُمارس بالقوانين”. أما منظمة PEN America فوصفت هذه السابقة بأنها “مستوى مظلم جديد من الخنوع أمام السلطة”.
المفارقة أن ترامب يقدّم نفسه حاميًا لحرية التعبير، لكنه يمارس أقسى أشكال التخويف السياسي. في الداخل، أصدر أوامر تنفيذية أوقفت سياسات التنوع والإدماج، وألغت تدريبات حول التحيّز العرقي والجندري. وهو الذي كرّس سياسات تطارد طلاب الجامعات، خصوصاً من المهاجرين، والأساتذة والمعلمين، وكل من يدعم فلسطين. وقد وصفت صحيفة الغارديان هذه الممارسات بأنها “هندسة ثقافية لإعادة تعريف ما يمكن قوله في الجامعات وأماكن العمل”.
إحدى الطبيبات الأميركيّات فقدت تمويلاً بحثيًا بعد انتقادها هذه السياسات. قالت: “هم لا يمنعونك من الكلام… لكنهم يرفعون تكلفة الكلام إلى حدٍّ يثنيك عنه”. تدخلات ترامب وصلت أيضًا إلى حدود الماضي العنصري الأميركي تجاه السود، إذ يسعى إلى إعادة صياغة هذا التاريخ ليبدو “نظيفاً”، خاليًا من عنصرية أميركا، وكأن إعادة كتابة الماضي كفيلة بتبرئة الحاضر.
الاستبداد الذي يمارسه ترامب لا يحتاج إلى دبابات أو محاكم عسكرية. يكفي تهديد مبطن ليجعل شبكة إعلامية توقف برنامجًا، أو جامعة تُنهي تدريبًا، أو موظفًا يتجنب مناقشة قضايا الجندر والعرق خوفًا على رزقه. هذا النوع من القمع أكثر دهاءً وأصعب مواجهة، لأنه يعمل من خلال الأسواق والشركات ودوائر التمويل، لا عبر البوليس السري.
ترامب لا يرى حرية التعبير كحق غير مشروط، بل كأداة تُستخدم حين تخدم صورته ومصالحه. فهو يدافع عنها حين تحمي خطابه الشعبوي أو هجماته على الخصوم، لكنه يشنّ عليها حربًا ضروسًا حين تتحول السخرية نحوه.
بالنسبة إليه، السخرية ليست مجرد مزحة؛ إنها نزعٌ للهيبة وتقويض لصورة “الرجل القوي” التي يبني عليها سلطته. لذلك تعامل مع البرامج الساخرة وكأنها “خيانة وطنية”، فوصف المقدمين الساخرين بـ”الفاشلين” و”أعداء الشعب”، في تكرار لخطاب أنظمة استبدادية عربية وروسية وصينية تعتبر النقد العلني إهانة شخصية للدولة.
هذا النمط يتكرر عالميًا: فلاديمير بوتين جرّم “إهانة المسؤولين” وأغلق مساحات الهجاء، رجب طيب أردوغان رفع مئات الدعاوى ضد صحافيين بتهمة “إهانة الرئيس”، جايير بولسونارو استخدم لغة مشابهة لترامب ضد السخرية، وناريندرا مودي في الهند واجه موجات غضب بسبب محاولاته محاصرة الهزل السياسي.
هؤلاء القادة يشتركون في إدراكهم أن الهزل يقوّض هالة القداسة التي يحيطون بها أنفسهم، ويهدد خطابهم الشعبوي الذي يتغذّى على الخوف والهيبة والولاء غير المشروط. وكما قال كورت فونيغت: “السخرية قد لا تقتل الطغاة، لكنها تجعلهم يبدون حمقى، وذلك كافٍ أحياناً”.
ترامب المهووس بجائزة نوبل لا بالسلام
تدهور المناخ السياسي الأميركي: أزمة داخلية بأبعاد عالمية
لم تعد المعركة حول تعليق برنامج ساخر حادثة عابرة، بل أصبحت مؤشّرًا إلى تصاعد الاستقطاب السياسي إلى مستويات تهدد أسس النظام الديمقراطي ذاته. حادثة اغتيال تشارلي كيرك، وما تبعها من استغلال سياسي شرس، تُظهر أن السخرية والنقد باتا في قلب صراع وجودي، لا مجرد تعبير عن رأي. منظمات مثل ACLU حذّرت من أن الضغط السياسي على وسائل الإعلام سيرسّخ سابقة خطيرة: إذا نجح رئيس أميركي في إخضاع مؤسسة كبرى بتهديد مبطن، فسيتجرأ أي رئيس تالٍ على أدوات أشدّ عنفاً.
تاريخياً، كانت الديمقراطية الأميركية تمتلك آليات مقاومة ذاتية: محاكم مستقلة، صحافة حرة، مجتمع مدني نشط. لكن هشاشتها اليوم تكشف أن أعمدة الديمقراطية يمكن أن تُقوَّض ببطء من الداخل، من دون حاجة إلى انقلاب عسكري.
بالنسبة لنا في هذه المنطقة من العالم، فإن ضعف الخطاب الديمقراطي الأميركي يُنتج فراغاً أخلاقيًا عالميًا. حين يرى زعماء مستبدون من موسكو إلى بغداد وطهران والخليج ومصر وتركيا، رئيس الولايات المتحدة يُمارس استبداداً “ناعماً”، سيشعرون بأنّ الساحة خالية لهم. في المنطقة العربية خصوصًا، حيث تُخنق الصحافة وتُجرَّم السخرية، يُستخدم المشهد الأميركي كذريعة دعائية: “إذا كانت أميركا نفسها تُسكت معارضيها، فبأي وجه تعظنا عن حرية التعبير؟”.
هذا يشرعن القمع محلياً، ويضعف موقف الصحافيين والناشطين العرب الذين كانوا يستندون إلى المثال الأميركي كرمز لحرية التعبير. كما أن تحالفات الولايات المتحدة مع أنظمة غير ديمقراطية ستصبح أقل إحراجاً وأكثر صراحة، لأن واشنطن نفسها فقدت تفوّقها الأخلاقي.
حين تتراجع قدرة أميركا على حماية نموذجها الديمقراطي، تتأثر الحركات الديمقراطية في العالم التي استلهمت خطاب الحرية والحقوق المدنية. الانتفاضات العربية عام 2011 أظهرت أن إشارات الدعم، ولو الرمزية، من الغرب رفعت معنويات المحتجين. أما اليوم، فضعف المثال الأميركي وصعود القمع الشعبوي في واشنطن يعنيان أن الناشطين قد يُتركون بلا مرجعية أخلاقية عالمية.
هذا التحول يُوصف بـ “العدوى الاستبدادية”، تبدأ بخطوات صغيرة: تعليق برنامج هنا، تهديد إعلامي هناك، لكنها تنقل رسالة قوية بأن القوة السياسية تستطيع إعادة رسم حدود المسموح والممنوع في المجال العام. ومع تزايد الترابط الرقمي والاقتصادي بين العالمين العربي والغربي، فإن هذه العدوى لا تعرف حدوداً: تكتيكات الضغط الناعم، والتخويف الاقتصادي، وشراء ولاء المؤسسات الإعلامية، قد تصبح أدوات شائعة لدى مستبدي المنطقة، مبرّرة بسابقة أميركية.
ما يحدث في الولايات المتحدة إذًا ليس شأنًا داخليًا صرفًا؛ بل معيار عالمي. إذا صمت العالم عن ترويض السخرية والإعلام في واشنطن، فبأي وجه نلوم من يسجن الصحافيين في القاهرة أو بيروت أو بغداد؟
الدفاع عن حرية التعبير هناك هو دفاع عنها هنا، والعكس صحيح.
المصدر موقع درج