في 27 سبتمبر/أيلول 2026 أعلن مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا قراره باستمرار الجماعة، كمؤسسة وطنية مستقلة، تتمسك بالمنهج الإسلامي الوسطي، ودعا في بيانه إلى التمسك بالوحدة الوطنية والتعددية والحوار، مرحباً بانطلاق مجلس الشعب، ومطالباً بدستور دائم مؤيد باستفتاء شعبي.
بداية لا بد من الإشارة إلى أن بيان مجلس شورى الإخوان بيان سياسي بامتياز، يوجه رسائل سياسية في اتجاهات متعددة، مستهدفاً على وجه الخصوص الدول التي تملك نفوذاً وتأثيراً في الشأن السوري، مما يشير بوضوح إلى إصرار الجماعة على الاستمرار في ممارسة العمل السياسي.
لا شك بأن الحديث عن حركة الإخوان المسلمين في سوريا من موقعها الحالي، مختلف جذريًا عن مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الجماعة الذي لا يتوقف عند قوتها التنظيمية فحسب، بل يعتمد على سؤال أعمق بكثير، يتعلق بهوية الجماعة وتوجهاتها المستقبلية، وما إذا كانت ستبقى جماعة دعوية إصلاحية ذات حضور اجتماعي، أم تتخذ منحى سياسياً، فتتحول إلى كيان سياسي. أم تعيد تشكيل نفسها في إطار جديد يجمع بين الدعوي والسياسي، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام سؤال أكبر وأكثر أهمية، هل تملك جماعة الإخوان السوريين حالياً القدرة والقابلية على القيام بتحول تاريخي بهذا الحجم؟
الجدير بالذكر هنا، أن حركة الإخوان المسلمين من لدن انقلاب البعث عام 1963 وإلى يوم التحرير 8 ديسمبر / كانون أول 2024، كانت تتعرض لجميع أنواع الضغوط والتضييق والتشويه، والمنع والاعتقال والتنكيل، مما اضطرها إلى ممارسة عملها ونشاطها تحت عباءة السرية. والسرية وإن كانت حالة اضطرارية، لجأ إليها أصحاب المبادئ على مدار العصور، إلا أنها شرّ محض، وما ينتج عنها يبقى ضعيفاً غير قادر على إصلاح نفسه فضلاً عن إصلاح غيره.
ومما يجب ذكره أيضاً، أنّ فكر الإخوان تحول إلى مدرسة شعبية، ولم يعد حكراً على التنظيم ذاته. والمقصود بفكر الإخوان هنا، فكرة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأن الإسلام دين إنساني لا مكان فيه للتشدد والعنف والتطرف.
وكما هو معلوم، فقد خاضت الجماعة في ثمانينيات القرن الماضي صراعاً عسكرياً دموياً مريراً ضد النظام البائد، امتد لما يقارب خمسة عقود، كان من نتائجه إبعادها عن سوريا جغرافياً، وابتعادها عن مركز التأثير في الساحة السورية، سياسياً واجتماعياً ودعوياً، وهذا ما انعكس بشكل جلي على حضورها في مؤسسات المرحلة الانتقالية، الذي امتاز بالضعف إلى درجة الغياب، وخصوصاً في تشكيلة مجلس الشعب.
كما أن غياب الجماعة عن الساحة السورية، وتوزعها على رقعة جغرافيا واسعة، في بلدان مختلفة، ومكوثها سنوات طويلة تحت ظروف الغربة، قد تسبب في حصول فجوة كبيرة بين الأجيال، وبقاء جزء كبير من البنية القيادية القديمة في موقع القرار، كما عزز المحاصصات المناطقية، بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى، مما جعل عملية التغيير والتجديد والتطوير داخل الجماعة شبه مستحيلة.
وقد تسببت حالة الجمود لدى الجماعة في قصورها عن استشراف وتحليل ومتابعة التطورات المتسارعة في المنطقة، حيث لم تعد البيئة الإقليمية التي كانت موجودة عام 2011 نفسها، فهناك دول عربية باتت تنظر بحذر شديد إلى التنظيمات المرتبطة بالإخوان، وتحولت الأولويات الإقليمية الحالية بالنسبة إلى سوريا نحو التركيز على استقرار الدولة وتوحيدها وتقوية مؤسساتها، وبناء الجيش من جديد وإرساء الأمن، ودعم إعادة الإعمار، وهذا ما يبدو جلياً في نهج السياسة التركية، حيث تركز أنقرة في تعاملها الحالي مع دمشق على دعم الدولة المركزية والتعاون معها في المجال الأمني والاقتصادي.
رغم ذلك لن يقبل الرئيس أردوغان بحل جماعة الإخوان في سوريا، ولن يسمح بالانقسام السني فيها، حيث الأمن الاستراتيجي في تركيا مرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن الاستراتيجي في سوريا.
انتقال مركز الثقل السني إلى السلطة الجديدة
بعد سقوط نظام الأسد، لم يعد الإخوان يمثلون تلقائيًا التيار الإسلامي السني المعارض، كما كان يُنظر إليهم في مراحل سابقة، فقد أصبحت السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع هي صاحبة النفوذ السياسي والأمني والعسكري الأكبر داخل البيئة السنية.
وهنا تضاعفت المشكلة بالنسبة للإخوان، فقد أضيف إلى صراعهم مع العلمانيين والقوى المناهضة الأخرى، حالة من المنافسة داخل المجال الإسلامي نفسه، حيث السلطة الجديدة جاءت من بيئة إسلامية مختلفة تاريخيًا وفكريًا عن الإخوان، وأصبحت حركة تحرير الشام (النصرة سابقاً) تتربع على عرش الدولة ممسكة بزمام السلطة، وأصبح لديها أجهزة أمنية وقوة عسكرية، وشبكة واسعة من الكوادر، حيث ما تزال مرحلة إدلب ترفد مؤسسات الدولة الجديدة بالكوادر الشابة في مختلف المجالات.
أما بالنسبة لحركة تحرير الشام، التي أعلنت حل نفسها رسمياً، بينما هي مستمرة عملياً، فلا تبدو في عجالة من أمرها؛ لأن لديها فترة انتقالية طويلة نسبياً، تستطيع خلالها بلورة هيكلتها السياسية، والعمل على تشكيل حزب سياسي يكون بمنزلة حزب الدولة، ثم بعدها تقوم بتشريع قانون الأحزاب، بشكل يضمن لها الاستمرار والبقاء في السلطة.
خطورة التنافس على زعامة المكون السني
في أغسطس/آب 2025، طرح مستشار الرئيس الشرع أحمد موفق زيدان، فكرة حل الجماعة وإنهاء كيانها التنظيمي، مبرراً ذلك، بضرورة تقديم كيان الجماعة لصالح مشروع الدولة السورية الجديدة. لكن رد الجماعة لم يتأخر، حيث جاء على لسان مراقبها العام عامر البو سلامة، أن طرح زيدان كان اجتهاداً شخصياً ولا يمثل موقفاً رسمياً للسلطة السورية. كما ذكرت مصادر الجماعة أن مجلس الشورى ناقش يومئذ مسألة حل التنظيم وتغيير الاسم، وأن الأغلبية أصرت على الاستمرار بالاسم نفسه، وهذا ما قرره المجلس نفسه في بيانه الأخير، ما يعني أن قرار الحل لم يُعتمد.
لكن دعوة مجلس شورى الجماعة إلى الحوار، يعني أنها منفتحة على خيارات أخرى غير حل التنظيم، فقد تقرر الجماعة مستقبلًا أن الاسم التنظيمي التاريخي أصبح عبئًا سياسيًا، على حين أن الأفكار والكوادر والخبرة التنظيمية يمكن أن تستمر في إطار سياسي جديد.
وقد تحتفظ الجماعة بهويتها الإسلامية والاجتماعية، ولكن تخفف من كونها تنظيمًا سياسيًا منافسًا للسلطة، فتصبح أقرب إلى كيان دعوي، ربما يكون على شكل منظمة مجتمع مدني، تعنى بالتربية الدينية وإصلاح المجتمع، وهذا ما يبدو الآن حاجة ملحة، بعد سنوات الحرب التي أنهكت المجتمع السوري، وتركته نهباً للجهل والفوضى، ويتلاءم أيضاً مع الخطاب الذي ظهر في بيان مجلس الشورى الأخير، حول الوسطية والوحدة الوطنية والحوار.
يبقى الخطر الكبير الذي من شأنه تهديد الدولة السورية الوليدة، هو التنافس على المجال الإسلامي السني، خصوصاً إذا تحول إلى صراع مفتوح.
من طرفهم، فقد أعلن الإخوان في بيانهم الأخير موقفًا تصالحيًا نسبيًا تجاه المرحلة الانتقالية، حيث أشادوا بالتحركات الدبلوماسية للحكومة السورية ورحبوا بمجلس الشعب، مع المطالبة بالتعددية والدستور.
مقابل ذلك، لا تبدو السلطة الجديدة راغبة في السماح بظهور مركز إسلامي سياسي مستقل وقوي، ينافسها على تمثيل الشارع السني. لذلك تكتسب العلاقة بين الطرفين أهمية استثنائية قصوى، خصوصاً إذا تحولت من حالة التعايش ضمن إطار المنافسة السياسية، إلى حالة المواجهة والصدام.
بالتأكيد، لن يختفي الإخوان المسلمون في سوريا كتيار فكري واجتماعي، لكن عودتهم كتنظيم سياسي مركزي، ستكون مجازفة لا تبدو آمنة العواقب.
في السياق ذاته، تسعى السلطة إلى حل المؤسسات التي لا تخضع لسيطرتها المباشرة. من ذلك حل المجلس الإسلامي السوري، وهو مؤسسة علمائية لم تمارس أي دور سلبي تجاه الدولة والسلطة !.
إن تجربة سنة العراق قريبة العهد، تؤكد أن حل مؤسسات أهل السنة، وحصر كيانهم ضمن نطاق واحد، قد تسبب في كارثة استراتيجية، أضحى سنة العراق على إثرها، كالريشة في مهب الريح، لا وزن لهم ولا حول ولا قوة ولا حضور.
والعاقل من اتعظ بغيره..
