بعد حلقتين أولى وثانية من كتاب “غازي كنعان صانع دولة الدمى” لمؤلفه نقولا ناصيف، هنا ثالثة تنفرد بها “أساس ميديا” عن انهيار علاقته بالرئيس إميل لحّود ودوافع إنهاء انتدابه إلى لبنان وإعادته إلى سوريا ضابطاً عادياً، إيذاناً ببدء هبوط دوره قبل الوصول به إلى الخاتمة السوداء.
منذ سني قيادته الجيش ارتاب إميل لحّود في رئيس فرع الأمن والاستطلاع: تارة بمحاولته من بُعد التدخّل في شؤون المؤسّسة العسكريّة مرّة تلو أخرى دونما نجاح ذي مغزى بما يتجاوز التنسيق والتعاون الأمنيَّين مع مديريّة المخابرات، وطوراً التطوّر المطّرد في علاقته برفيق الحريري منذ منتصف التسعينيّات مع الوصول إلى موعد انتخابات رئاسة الجمهوريّة عام 1995. كان قائد الجيش أحد المرشَّحين الرئيسيّين الجدّيّين لها دونما أن يكون الوحيد، ومن غير أن يكون انتخابه قاطعاً، وجذب إليه تأييد كتل وشخصيّات بارزة من بين الحلفاء الكثيري التأثير. فرصته متقدّمة على سواه ما خلا ما كان بدأ يشيع عن احتمال تمديد ولاية الرئيس الحالي (الياس الهراوي).
حين بدأ لحّود يشكّ بكنعان
على أنّ واقعة ذات أهمّيّة خرَّبت حينذاك علاقة إميل لحّود بغازي كنعان دونما أن تظهر إلى العلن. وصل إليه تقرير تنصّت رفعه الفرع الفنّيّ في مديريّة المخابرات الذي كان يرأسه غسّان الطفيليّ، متضمِّناً مكالمات هاتفيّة متقاطعة بين عبدالحليم خدّام ورفيق الحريري وغازي كنعان تدور من حول فكرة رئيسيّة لم تعنِ سوى إبعاد قائد الجيش عن رئاسة الجمهوريّة، بغية تعزيز حظوظ تمديد ولاية الياس الهراوي. قالت الفكرة إنّ من الواجب في انتخابات الرئاسة المقبلة أن لا يكون رئيس الجمهوريّة على اتّفاق مع قائد الجيش على صورة ما رافق العهد الحاليّ. مؤدَّى انتخاب إميل لحّود رئيساً، وهو القائد السابق للجيش، الإبقاء على تأثيره داخله وتعيين قائد ينصاع له، ما يمكّنه من الإمساك بالمؤسّستين معاً. ما أورده تقرير التنصّت عن فحوى المكالمات أنّ فرصة الترئيس لا تزال متاحة أمامه فيما بعد، بغية الاستفادة مدّة أطول من نجاحه في إعادة بناء الجيش في المرحلة الحاضرة، وقد لا يُعثر على مَن يُكمل دوره.
مذّاك بدأ تنافر علاقة قائد الجيش برئيس فرع الأمن والاستطلاع يتّخذ أنماطاً مختلفة، قلّلَ من وطأته انعدام تواصل الرجلَيْن. في السنوات الثلاث التالية (1995 ـ 1998) تولّى جميل السيّد إدارة علاقة متحفّظة مع غازي كنعان بتأنٍّ، وفق قاعدة فصلت الأمن الواجب التنسيق بين الطرفَيْن عن الرئاسة الموكولة إلى بشّار الأسد الصاعد في نظام والده.
ما إن حَسَم خياره تمديد ولاية الياس الهراوي ثلاث سنوات، أقرنه حافظ الأسد للفور بتمديد مماثل بمدّة موازية تبقي قائد الجيش على رأس المؤسّسة العسكريّة، مساوياً بينهما كي يستمرّا معاً إلى موعد الاستحقاق التالي عام 1998.
قبيل موعد الانتخابات الرئاسيّة، وصل إلى قائد الجيش بعض المعلومات التي عزَّزت شكوكه في غازي كنعان مجدَّداً، في المرحلة التي بدأ يشيع فيها تفاقم مرض حافظ الأسد وقرب وصوله إلى حافة متقدّمة من التدهور. مصادرها شتّى أبرزها أهمّيّة مديريّة المخابرات، ومفادها أنّ أحاديث وفيرة في سوريا داخل السلطة والجيش تتحدّث عن خلافة الرئيس المريض كما لو أنّه موشك على الموت دونما التيقّن من خلافة ابنه له، في حقبة نمت في خلالها علاقة إميل لحّود ببشّار الأسد.
في مرحلة ما بعد انتخابه، مقدار وثوقه من انتقال السلطة في سوريا إلى الابن، وهو يرافق السنتيْن الأخيرتيْن من حياة حافظ الأسد وعلى تواصل هاتفيّ مباشر وشخصيّ به، توالت شكوك الرئيس اللبنانيّ في غازي كنعان: أبرز العلويّين المخضرمين في النظام المحتملين لخلافته على نحو ما قيل أيضاً في أحد آخر رجال الحرس القديم السنّي عبد الحليم خدّام. في حال كهذه تتزعزع الاقتناعات والولاءات ما إن تطأ طموح الوصول إلى السلطة.
واقعة مهمّة شهدها الرئيس بنفسه أثارت اهتمامه وأحالت ريبته في رئيس فرع الأمن والاستطلاع يقيناً. كانا معاً في الطريق برَّاً إلى القرداحة في اللاذقيّة غداة وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران 2000. إلى جانبه في السيّارة تلفّظ غازي كنعان، مُعبِّراً عن حزنه ذارفاً الدموع على موت الأب، بعبارة فاجأت الرئيس اللبنانيّ بأن حملته على التزام الصمت دونما التعليق عليها. صادمة يصعب تبريرها، على أنّها تبعث على القلق: “خلص ما عاد في سوريا. راحت سوريا”.
رغم وطأة الحدث الجسيم، لم يفُت إميل لحّود المغزى المضمر في العبارة التي سمعها، سواء تعمَّد غازي كنعان الإفصاح عنها أو كانت زلّة لسان: فقدان الثقة بالمرحلة الجديدة التالية لسوريا المحسوب أنّ بشّار الأسد سيكون على رأسها.
لحّود يضع كنعان أمام الأسد
مرّتين راجع إميل لحّود بشّار الأسد في ما اعتبره دوراً سلبيّاً يضطلع به غازي كنعان في عهده. تذمّر منه أمام زوّار خاصّين ممَّن يبوح أمامهم بما لا يجهر به، قائلاً إنّه “يعرقل كلّ ما أريد القيام به، ويتدخّل في ما لا شأن له به في الدولة”، قبل أن يضيف: “لن أصبر طويلاً”. مُلمّحاً ضمناً إلى رغبته في التخلّص منه، فاتح الرئيس السوريّ بداية بتململه هذا عام 2001 في مناسبة زيارة سرّيّة خاصّة لدمشق، لبّى في خلالها دعوة نظيره إلى غداء عائليّ يشارك فيه أفراد أسرتَيْهما كان درج عليه الرئيسان من حين إلى آخر. لدى انتقالهما من مائدة الغداء، انتهز إميل لحّود الفرصة للاختلاء بمضيفه بعيداً من عائلتَيْهما، فراحا يتحدّثان لبعض الوقت في مرحلة تعاونهما بين عامَيْ 1998 و2000، قبل أن يختم لحّود بالقول: “لم يعد جائزاً أن يبقى غازي كنعان في لبنان. يجب أن يغادر”.
أجاب بشّار الأسد، الذي بالكاد انقضت أشهر قليلة على تسلّمه منصبه، بعدما أصغى إلى شكاوى نظيره اللبنانيّ من ممارسات ممثّله في لبنان، وتدخّله في شؤون السلطات: “هل تمهلني بعض الوقت حتّى يستتبّ الأمر لي في الداخل”. ردَّ: “كلّ الوقت”.
مذّاك طُوي الموضوع بضعة أشهر. في خلالها أوعز الرئيس السوريّ إلى غازي كنعان مراعاة نظيره اللبنانيّ والتنسيق معه، والوقوف على رأيه وتفادي أيّ ردّ فعل سلبيّ له.
مع إدراكه أنّه لا يكفّ عن التدخّل، والتأثير تالياً على قدراته على اتّخاذ قرارات تجبهها عراقيل مفتعلة من داخل الحكم، قبل أن يتكشّف له استمرار غازي كنعان في التأليب عليها، طلب رئيس الجمهوريّة من صهره وزير الداخليّة الياس المرّ منتصف أيلول 2002 الذهاب إلى دمشق، موفداً خاصّاً منه، وإبلاغ بشّار الأسد رسالة مفادها أنّه لم يعد يحتمل وجود الرجل في لبنان. ومختصرها عبارة مقتضبة: “أنا أو غازي كنعان”.
جواب الصهر متنصِّلاً من المهمّة: “لا أفهم في مسائل كهذه. أبو إلياس ]والده ميشال المرّ[ أقدر منّي”.
أرسل الرئيس في طلبه وكلّفه إيّاها مرفقة بموقف هو الآتي: “لا يمكن العمل معه ولا بقاؤه هنا”.
قصد دمشق وقابل بشّار الأسد، وعاد من عنده إلى قصر بعبدا بجواب مقتضب: “أنت مَن يقرِّر في لبنان”.
لم ينقضِ أسبوع حتّى خابر غازي كنعان دوائر القصر الجمهوريّ طالباً موعداً عاجلاً من الرئيس، مع إبداء رغبته في عدم إبلاغ وسائل الإعلام باستقباله. الثالثة بعد ظهر اليوم نفسه استقبله في الطبقة العليا في قصر بعبدا، وهو الجناح الشخصيّ لرئيس الجمهوريّة. دخل عليه متأخّراً دقائق بسبب مواعيد سابقة، فوجده على شرفة الصالون العلويّ الفسيح المطلّ على العاصمة. بالتفاته إليه بعدما أظهر له ترحيبه، لاحظ إميل لحّود دموعاً مكتومة في عينيّ زائره المهمّ الذي بادره بالقول: “فخامة الرئيس تعرف كم أحترمك”.
ردَّ: “أعرف”.
قال: “هل طلبتَ فخامة الرئيس من الرئيس بشّار أن أترك لبنان؟”.
سأله: “مَن قال لك ذلك؟”.
أجاب: “أريد أن أسمع منك أنّك طلبتَ مغادرتي لبنان”.
كرَّر الرئيس سؤاله، فأجابه: “طه ميقاتي”.
قال: “إذن إسأله هو”.
ردَّ غازي كنعان: “أردتُ أن أعبّر عن احترامي لك”.
قال الرئيس: “وجودك أو عدم وجودك هنا مرتبط بقرار قيادتك وليس بنا. نريد في لبنان الأفضل لنا”.
ردَّ أنّه عمل بإخلاص لسوريا ولبنان في آن.
قال إميل لحّود: “ذلك كلّه أصبح وراءنا. لا مشكلة شخصيّة معك، لكن إلى أين أوصلتنا اليوم الممارسات الخاطئة؟ لستَ وحدك تتحمّل المسؤوليّة. نحن أيضاً نتحمّلها. علينا كلّنا تحمّلها وتصحيح الأحوال. أنا رئيس الجمهوريّة وتقع على عاتقي مسؤوليّة التصحيح لئلّا أضرّ ببلدي. هذا الموضوع قرار سوريّ يعود إلى قيادتك”.
عقّب غازي كنعان: “أحببتُ أن أبدي لك احترامي”.
وغادر للفور في مقابلة لم تستغرق دقائق.
من عرّابٍ إلى خصمٍ في بعبدا
افترض غازي كنعان في مقابلته رئيس الجمهورية مكاشفة شخصيّة من شأنها تصويب علاقته به، ومنحه فرصة عدم فقدانه منصباً صنع له طوال عقدَيْن مملكته في هذا البلد. للمرّة الأولى الرجل المتغطرس المهاب المعتدّ بقوّته أنّه فوق الرؤساء وأقوى من الحصانات، غير المُستغنى عنه، غدا مكسوراً منحنياً مهزوماً، مستسلماً لثمن لم يتحسّب لأوانه. لم يعد لحظتذاك سوى ضابط فحسب، كأيّ ضابط آخر. يقف أمام مَن يُسائِله ويُشعِره بمعاقبته أكثر ممّا كان اعتاد هو أن يكون مُسائِلاً ومعاقِباً.
ما لم يكن في الإمكان توقُّعه في ظلّ حافظ الأسد، ولا خطر في بال ولا وَرَدَ في الأوهام حتّى، أضحى أخيراً حقيقة: إنهاء دور مَن يُعزى إليه صنع دولة الدمى في لبنان، ومن لم تملك سوريا يوماً في تاريخها أن تحظى بمَن فعل مثله.
نُسِبَ فضل إقصائه، ناهيك برئيس الجمهوريّة صاحب القرار، إلى جميل السيّد. على غرار غازي كنعان، تصرّف المدير العامّ للأمن العامّ على أنّه عرَّاب الدولة. هو أقرب المستشارين إلى إميل لحّود الذي لم يستجب لرغبته في تعيينه مديراً للمخابرات، وأرغمه على القبول برئاسة الأمن العامّ. مذّاك أصبح كلّ ما يدور في قصر بعبدا يبدأ من عند جميل السيّد وينتهي كذلك: قرارات الأمن والسياستان الداخليّة والخارجيّة، العلاقة مع سوريا ومع “الحزب”، رعاية المقاومة، جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء، شؤون الإدارة والاقتصاد والدبلوماسيّة والاتّصال بالدول والمفاوضات السرّيّة، القمم التي يحضرها الرئيس يكون لصيقه وعقله. لا تقرير يصل إلى قصر بعبدا لا يمرّ به، ولا موقف يدلي به الرئيس لا يكون صائغه.
تدريجاً توسَّع خلاف رجلَيْن احترفا الأمن والقوّة طوال 19 عاماً. وُصِفا في العهد المنصرم بأنّهما صانعا نظام أمنيّ سوريّ ـ لبنانيّ يديرانه ويتحكّمان من خلاله بالحياة السياسيّة واستحقاقاتها. ربّما أفضل ما يُقال فيهما أنّهما جَعَلا دورَيْهما أقوى من وظيفتَيْهما. إذاً هما أخيراً وجهاً لوجه في الولاية الحاليّة. أضحيا أقرب إلى خصمَيْن يصعب تعايشهما: فيما لم يعُد غازي كنعان في حسبان إميل لحّود ممثّل بشّار الأسد في لبنان ما دام يتواصل هو ونظيره أسبوعيّاً، غدا جميل السيّد الرجل الأقوى في العهد والأقرب إلى الرئيس. تفاقم تأثيره بالتزامن مع تراجع ملموس لذاك في قرارات افترض أنّ في وسعه إملاؤها على الرئيس اللبنانيّ، فإذا هي بين يدَي المدير العامّ للأمن العام، فأفضت إلى انهيار علاقتهما. اختلفا في الآراء والتقويم وفي التفاصيل حتّى. انقطعا عن التواصل. تصالحا ثمّ تباعدا مرّة بعد أخرى بتنازلات متبادلة، دونما أن يبدو أحدهما فقد الحاجة الملحّة إلى الآخر، في مرحلة نسج جميل السيّد علاقة مباشرة ببشّار الأسد الذي صار يستقبله في قصر الرئاسة السوريّة، ما لم يُعطَ من قبل لموظّف لبنانيّ كبير.
اللحظة الذكيّة الاستثنائيّة انتهزها جميل السيّد كي يغلب ندَّه. شارك إميل لحّود في التذمّر من غازي كنعان والتحريض عليه، في مرحلة تنامي شكوك القيادة السوريّة الجديدة به. كان من بين قلّة أوائل ممَّن عرفوا بمغادرته لبنان لأيّام قليلة سبقت إعلان النبأ. أسرَّ إلى رئيس مكتب المعلومات في الأمن العامّ نبيه صهيونيّ أنّ الرجل عائد إلى بلاده كاشفاً بارتياح لم يخلُ من ابتسامة أنّ رستم غزالي “هو الذي سينتقل إلى عنجر ويحلّ محلّه”.
غداً في الحلقة الرابعة: الشهابي لعدنان بلول؛ أنت البديل الطبيعي من هذا الأزعر
