ملخص
عشية الانتخابات وحمى الحملات الدعائية والانشغال باستطلاعات الرأي والتوقعات ونصائح محللي الانتخابات “الاستراتيجيين” في الحزبين الجمهوري والديمقراطي واستعادة نتائج الدورات السابقة، تبرز أسئلة عن إمكان ما يسمى “مفاجأة أكتوبر”.
أميركا تذهب إلى الانتخابات الرئاسية كما إلى الانتخابات النصفية للكونغرس وحكام الولايات في موعد دستوري ثابت، أول ثلاثاء من نوفمبر (تشرين الثاني). لا تأجيل بحجة الظروف والحروب وخوف الحزب الحاكم من الخسارة، كما تلجأ دول أخرى مثل لبنان إلى تمديد الولاية الرئاسية أو ولاية المجلس النيابي باختراع “ظروف قاهرة” لتأجيل الانتخابات، لأنها ليست ملائمة لحسابات أطراف معينة. ولا مهرب من المعركة، وإن كانت القاعدة، مع استثناءات نادرة، هي خسارة الحزب الذي رئيسه في البيت الأبيض، ولا سيما في الولاية الثانية.
وعشية الانتخابات وحمى الحملات الدعائية والانشغال باستطلاعات الرأي والتوقعات ونصائح محللي الانتخابات “الاستراتيجيين” في الحزبين الجمهوري والديمقراطي واستعادة نتائج الدورات السابقة، تبرز أسئلة عن إمكان ما يسمى “مفاجأة أكتوبر”. والمقصود هو وقوع حدث بالغ التأثير داخل أميركا أو خارجها يفرض نفسه بقوة الأشياء أو يصنعه الطرف الخائف من الخسارة، بحيث تتبدل المواقف والعواطف والحسابات لدى الناخبين وتتغير النتائج المفترضة. فهل هناك اليوم فرصة لحدوث هذه المفاجأة في أكتوبر (تشرين الأول)؟ الوقت ضيق والخيارات محدودة لكن ساكن البيت الأبيض هو ملك المفاجآت.
ولا جدال، على كثرة الجدال حول سياسته، في كون الرئيس دونالد ترمب محظوظاً جداً. ولعل ما انطبق عليه هو قول الإمام علي بن أبي طالب، “اجعلني من أصحاب الحظوظ ليخدمني أصحاب العقول، ولا تجعلني من أصحاب العقول لأخدم أصحاب الحظوظ”. فهو اكتفى بأن يخدمه أصدقاؤه وأقرباؤه من أصحاب الثروات، وهو أفاد مما أظهره استطلاع للرأي أجرته جامعة دنيسون خلاصته أن “ربع الأميركيين يؤمنون بالمعجزات في العصر الحديث”، ومن “الحركة الرسولية” القوية التي من أنصارها مايك جونسون رئيس المجلس النيابي حالياً والمؤمنة بأن “ترمب مختار من فوق ليكون رئيساً”. وهو في كل تاريخ أميركا الرئيس الثاني بعد الرئيس غروفر كليفلاند الذي عاد للبيت الأبيض بعد خسارة الولاية الثانية، ثم الفوز بها في نهاية ولاية خصمه. وهذا ما سمي في الإعلام الأميركي “عامل العازار”، أي أعجوبة إقامة العازار من الموت، على ما جاء في الكتب.
والسؤال بعد الحظ هو عن نوع “مفاجأة أكتوبر” والقدرة على تغيير النتائج، ترمب فعل حتى اليوم ما في إمكانه على أمل أن تستمر سيطرة حزبه الجمهوري على مجلس الكونغرس: الشيوخ والنواب. طلب تعديل خرائط المقاعد النيابية في الولايات التي حكامها جمهوريون لمصلحة مرشحي حزبه، ووعد كل أميركي بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون على رغم أن المبلغ رشوة تتجاوز تريليون دولار في بلد وصل دينه العام إلى 40 تريليون دولار. تجاوز كل ما قرره مع شركاته في الغرب من عقوبات على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، وطلب من الرئيس فلاديمير بوتين إرسال ملايين الأطنان من الديزل إلى أميركا وأوروبا، في محاولة لخفض أسعار الطاقة قبل الانتخابات.
وحين احتج الرئيس فولوديمير زيلينسكي، رد ترمب بأن أوكرانيا في حاجة إلى رئيس جديد يوافق على صفقة مع بوتين. طلب من بنيامين نتنياهو مهاجمة إيران من دون مشاركة أميركا، بعدما منعه في الأشهر الماضية من “استفزاز” طهران. ولا أحد يعرف إن كان هو يعد “مفاجأة أكتوبر” بمعاودة الحرب على إيران، وسط استمرار التفاوض.
لكن كل هذا يبقى من دون القدرة على التوصل إلى ما تفعله “مفاجأة أكتوبر” كبيرة، فالاهتمامات لدى الناخبين هي، بحسب استطلاع “إيسبوس”، “الاقتصاد واللجوء والهجرة والجريمة والتغير المناخي”، وقد أضيف إليها وتقدمها اليوم هم ارتفاع الأسعار عامة تبعاً لارتفاع أسعار الطاقة، بعد حرب ترمب وأزمة مضيق هرمز وتعثر انسياب البضائع بين القارات والبلدان.
وبحسب روبرت بابي، فإن مصدر الخطر على الولايات المتحدة ليس الإرهاب بمقدار ما هو “العنف السياسي الآتي من صدام ثقافي حول طبيعة أميركا وهويتها”، فأميركا تتقدم على بلدان عدة في تسجيل مئات حوادث العنف وإطلاق النار على الأبرياء في المطارات والقطارات والمدارس والباصات ومراكز التسوق.
والعامل الأهم هو التحول الديموغرافي، كما تنقل آن ماري سلوتر رئيسة “أمیرکا الجديدة” عن قول “العظيم جورج شولتز لها إنه يجب دائماً التركيز على الديموغرافيا لفهم العالم والقوى التي تشكل المستقبل”. وبحسب الإحصاءات، فإن أميركا ستتحول خلال العقدين المقبلين “من أمة أكثرية بيضاء إلى أمة تعددية: بلد لا مجموعة إتنية أو أعراق تشكل أكثرية”. واليوم “أقل من نصف الأميركيين تحت الـ18 هم من البيض، وعام 2027 سيكون ذلك صحيحاً على من هم تحت الـ30، أما في الأربعينيات فلا أكثرية”. والكل يعرف أن ترمب ربح في الرهان على البيض الذين ما عادوا أكثرية. وليس أمراً عادياً تشديد ترمب الحرب على المهاجرين غير الشرعيين وهم بالملايين، واعتبار المدن المحكومة من ديمقراطيين “مناطق حرب”.
واللعبة مكشوفة، حيث كل سياسات ترمب مفاجآت، من غزو فنزويلا إلى الاتفاق على غرينلاند. ومن حرب إيران، إلى شيء من الحسابات الجيوسياسية وشيء من الحسابات التجارية. وجي دي فانس تراجع عن القول إن ترمب هو “هتلر الولايات المتحدة”، وصار نائباً للرئيس. لكن مايكل سولوكوف يؤكد “أن ترمب الذي يؤمن بأن القوة الحقيقية هي الخوف يخاف من أن يراه الآخرون خائفاً”، ولا شيء يخيفه ويغضبه أكثر من الخسارة.
