تتجه تركيا إلى المصادقة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، فيما يجري حزب “العدالة والتنمية” الحاكم مشاورات مع الكتل البرلمانية، المعارضة منها أيضاً، لتأمين الأغلبية المطلوبة. وبحسب معلومات “أساس ميديا”، يُرجَّح أن تتم المصادقة خلال أيام، وعلى الأرجح الأسبوع المقبل، في وقت تتباين فيه مواقف الأحزاب من التحالف الجديد ومن الالتزامات العسكرية التي قد تترتب عليه.
وُقّعت الاتفاقية في 7 آب/أغسطس 2026، وتنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، بهدف تعزيز الردع والدفاع المشترك. غير أنّ تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية سرّع البحث في تنفيذ هذه الالتزامات. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر، عقدت الدول الثلاث اجتماعاً طارئاً في الرياض، أعلنت بعده اتفاقها على خطوات لتفعيل الدفاع المشترك، تشمل تسريع نشر القوات والقدرات العسكرية في السعودية وفق التشريعات الوطنية لكل دولة. وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أنّ حكومته ستحيل الاتفاقية إلى البرلمان خلال الأيام المقبلة.
حاول وزير الخارجية هاكان فيدان تحديد سقف الدور التركي، فأكد أنّ الاتفاقية دفاعية لا هجومية، وأنّ أنقرة تدرس تقديم دعم للسعودية في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والمساعدة التقنية، من دون المشاركة في عمليات هجومية.
لماذا الإحالة إلى البرلمان، وما أهميتها؟
تعود الإحالة إلى مسألة دستورية قبل أن تكون إجراءً سياسياً. فاتفاقية مكة معاهدة دولية، والمادة 90 من الدستور التركي تنظّم المصادقة على مثل هذه الاتفاقيات، ومن ثم لا تدخل الاتفاقية حيز الالتزام القانوني لأنقرة إلا بعد أن يقرّها البرلمان. لذلك تأتي الإحالة خطوة لازمة لإضفاء الصفة القانونية على التحالف، لا مجرد إجراء شكلي.
تتضاعف أهمية الإحالة لأنّ الاتفاقية تنص على اعتبار الهجوم على أي من الدول الثلاث هجوماً على الجميع. فأي التزام بهذا الحجم يمس قرار الحرب والسلم، وهو قرار تتقاطع فيه صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهنا تبرز المادة 92 التي تنظّم إرسال القوات إلى الخارج وفق شروط واستثناءات محددة، فتبقى المصادقة والتفويض العسكري مساريْن مختلفين، ولا تعني الأولى بالضرورة الثانية.
للإحالة بعد سياسي أيضاً. فسعي الحزب الحاكم إلى تأمين أغلبية مطلقة، وفتح مشاورات مع المعارضة، يهدف إلى توسيع التأييد لاتفاقية يثير مضمونها أسئلة، منها حدود الالتزام وكيفية التوفيق بينه وبين عضوية تركيا في «الناتو». وتمنح الإحالة الحكومة شرعية دستورية وسياسية، وتتيح للمعارضة مساءلتها قبل أن تتحول الاتفاقية إلى التزام فعلي.
يحظى مسعى المصادقة بدعم حزب “الحركة القومية” بقيادة دولت بهتشلي، حليف أردوغان، الذي دعا علناً إلى تقديم الدعم العسكري اللازم للسعودية. وفي المقابل، يعارض حزب “الجيد” القومي المعارض المصادقة، بينما لم تُحسم مواقف بقية قوى المعارضة. ويسود التردد والانقسام بين نواب “الشعب الجمهوري” ونواب “الحزب الجديد” بزعامة أوزغور أوزال، الذي انشق عن “الشعب الجمهوري” في تموز/يوليو الماضي وأسس حزباً ضم عدداً من نوابه السابقين، ما أعاد رسم خريطة المعارضة في البرلمان.
الجدل: النص وحدود الالتزام
لا يدور الخلاف على التعاون العسكري مع الرياض وإسلام آباد وحده، بل على مضمون الاتفاقية وحدود ما تفرضه على تركيا. ففي 13 تشرين الأول/أكتوبر، طلب “الشعب الجمهوري” فتح نقاش برلماني حول الاتفاقية وتداعياتها الأمنية والدستورية، لكن الطلب سقط بعدما عارضه نواب “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية”. وطالب نواب الحزب بنشر النص الكامل وتوضيح الحالات التي قد تستدعي تدخلاً عسكرياً تركياً. وانتقد أوزال عدم استكمال الإجراءات البرلمانية، داعياً الحكومة إلى احترام صلاحيات البرلمان الدستورية في الاتفاقيات الدولية وإرسال القوات إلى الخارج.
أيّد أحد نواب حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب” (ديم)، المؤيد للحقوق الكردية، طلب المناقشة، وانتقدت رئيسته المشاركة تولاي حاتم أوغولاري احتمال إرسال قوات تركية إلى السعودية، داعية إلى اعتماد الدبلوماسية. غير أن هذه المواقف لا تعني بالضرورة أن المعارضة حسمت تصويتها ضد المصادقة، فالاعتراض على طريقة إقرار الاتفاقية يختلف عن رفض مضمونها.
تكتسب المصادقة أهمية إضافية لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ما يطرح أسئلة عن كيفية التوفيق بين التزاماتها القائمة ودورها في التحالف الجديد. ومع ذلك، لا تعني المصادقة تلقائياً دخول تركيا الحرب في اليمن، إذ تبقى طبيعة أي مشاركة عسكرية مرتبطة بنص الاتفاقية وبالقرارات والإجراءات القانونية اللازمة.
تتجه الأنظار إلى البرلمان التركي في الأيام المقبلة لمعرفة ما إذا كانت مشاورات الحزب الحاكم ستفضي إلى مصادقة سريعة، أم أن التباينات داخل المعارضة ستطيل النقاش. فالمسألة تتجاوز إقرار اتفاقية دفاعية إلى تحديد الإطار القانوني والسياسي لدور تركيا في تحالف إقليمي جديد، في مرحلة تتسارع فيها التحولات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
