ملخص
تواجه الولايات المتحدة منافسة تكنولوجية متصاعدة مع الصين، فيما بات أمنها القومي يعتمد بصورة متزايدة على ابتكارات القطاع الخاص، في وقت تواصل فرض حظر على استخدام التجسس الاقتصادي لمنح شركاتها ميزة تجارية. رفع هذا الحظر قد يتيح، ضمن قواعد ورقابة صارمة، مشاركة الأسرار التجارية الأجنبية مع شركات التكنولوجيا الأميركية الرائدة لتعزيز قدرتها التنافسية، على رغم مخاطر المحاباة والفساد وإشعال سباق تجسس جديد.
على مدى عقود من الزمن، تجسّس كل من خصوم واشنطن وحلفائها على الشركات الأميركية بهدف استكشاف ما تحرزه الولايات المتحدة من تقدم في مجال الابتكار، فخلال الحرب الباردة، سعى جواسيس جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) بصورة منتظمة إلى سرقة الأسرار التجارية من الصناعات الأميركية، وفي ثمانينيات القرن الـ 20، كانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية تتعقب شركات التكنولوجيا الأميركية، وفي الأعوام الأخيرة، كانت الصين أكثر شراسة على هذا الصعيد، فقد سجل “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” 224 حادثة تجسس برعاية صينية، استهدفت الولايات المتحدة بين عامي 2000 و2023، طاول أكثر من نصفها تقنيات تجارية. والهدف من هذا النوع من التجسس، في جميع الأحوال، هو مساعدة القطاعات الرئيسة في الدولة المتجسّسة على محاكاة الإنجازات الأميركية بسرعة أو التفوق عليها. وكما قال مدير وكالة الأمن القومي السابق كيث ألكسندر، في وصف لافت، فإن السرقة الإلكترونية للتقنيات الأميركية تعادل “أكبر عملية نقل للثروة في التاريخ”.
ومع ذلك، وفي خضم عمليات السرقة السافرة هذه، دأبت أجهزة الاستخبارات الأميركية منذ زمن طويل على الالتزام بسياسة تمنع التجسس على الشركات الأجنبية بغرض منح الشركات الأميركية ميزة تجارية، وقد أعيد التأكيد مراراً على هذا الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على نفسها، طوال الحرب الباردة والعقود التي تلتها، وكان من بين الذين أكدوه الرئيس باراك أوباما، الذي أضفى عليه طابعاً رسمياً عام 2014، وسعى إلى إقناع الصين ودول أخرى باتباع النهج نفسه.
وفي ذلك الوقت، كان هذا الموقف منطقياً، فقد تجنبت السياسة الاقتصادية الأميركية منذ زمن طويل التدخل الحكومي في السوق الخاصة، وكان تزويد شركات مختارة بمعلومات استخباراتية سرية سيؤدي حتماً إلى إحداث اختلالات في الاقتصاد. وعلى أي حال، خلال معظم أعوام الحرب الباردة والمرحلة الأولى التي أعقبتها، كانت معظم الابتكارات التكنولوجية ذات الأهمية للأمن القومي تنشأ في إطار البرامج الحكومية وليس في السوق التجارية، وفضلاً عن ذلك كان التفوق الأميركي في كثير من التقنيات يعني أن الولايات المتحدة ستخسر أكثر مما ستكسب إذا أضفت شرعية على التجسس لأغراض تجارية.
لكن هذه المبررات لم تعد صالحة اليوم، فالأمن القومي الأميركي بات يعتمد، بوتيرة متزايدة، على الابتكارات التي يطورها القطاع الخاص. ففي مجالات متباينة، مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والعلوم الكمومية، والهندسة الحيوية، وتقنيات الطاقة المستقبلية، والفضاء، تأتي الإنجازات البالغة الأهمية لقوة البلاد ونفوذها من شركات خاصة.
وفي الوقت نفسه، ومع تزايد الأهمية المحورية للتفوق التكنولوجي بالنسبة إلى الأمن القومي، باتت الصين تنازع الولايات المتحدة تفوقها في كثير من التقنيات المتقدمة والحيوية، بل إنها أزالت هذا التفوق في بعض المجالات. ومن خلال امتناعها من ممارسة التجسس الاقتصادي، جعلت الولايات المتحدة كفة المنافسة تميل ضدها، وزادت حجم التهديد الصيني.
ولإعادة التوازن ينبغي ألا تكتفي الولايات المتحدة بالسماح لوكالات الاستخبارات الأميركية بجمع الأسرار التجارية من الشركات الأجنبية وحسب، بل أيضاً بإيصال تلك المعلومات إلى حيث يمكن أن تحقق أكبر أثر، أي إلى الشركات التي تطور تقنيات متقدمة ورائدة ستكون حيوية للأمن القومي الأميركي خلال الأعوام المقبلة. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، بدا أن إدارة ترمب اتخذت خطوة في هذا الاتجاه عندما كشفت أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وغيرها من الأجهزة الاستخباراتية بدأت توسيع نطاق جهودها التجسسية المستمرة منذ زمن طويل ضد الصين، بما في ذلك استهداف القطاع الصناعي الصيني.
لكن وضع إستراتيجية شاملة يتطلب من الولايات المتحدة أن ترفع رسمياً الحظر المفروض حالياً على التجسس الاقتصادي. ويتعين على الحكومة أيضاً إرساء قواعد صارمة وآليات رقابة فعالة لضمان أن تخدم المعلومات الاستخباراتية ذات القيمة التجارية، عند إتاحتها للقطاع الخاص، المصلحة الوطنية، وتحافظ على المنافسة، والأهم من ذلك، ألا تستخدم لتحقيق طموحات حزبية أو سياسية أو شخصية. وعلى رغم أن التجسس الاقتصادي لا يخلو من الأخطار، فإن التخلي عنه من جانب واحد في ظل الظروف الدولية الراهنة أشد خطورة بكثير.
باريس تتنصت
على رغم أن الولايات المتحدة تجنبت عموماً التجسس لأغراض تجارية، فإن تاريخها لا يخلو من سوابق في هذا المجال، فخلال مرحلة تأسيس الولايات المتحدة، دفعت بعض الولايات، وكذلك الجمهورية الناشئة، مكافآت مالية لمواطنين عاديين لتشجيعهم على سرقة تقنيات حيوية من بريطانيا، وبالنسبة إلى ألكسندر هاميلتون، أول وزير للخزانة الأميركية، كان الحصول على الأسرار الصناعية المسروقة وسيلة أساسية لدفع البلاد نحو الاستقلال الاقتصادي عن القوة الاستعمارية السابقة، لكن مع تراجع نهج التدخل الاقتصادي الذي تبناه هاميلتون، وصعود نهج توماس جيفرسون، القائم على عدم تدخل الدولة في السوق، تلاشت برامج المكافآت تدريجاً.
وتعود أولى النقاشات الأميركية الحديثة في شأن التجسس الاقتصادي لحقبة الحرب الباردة، ففي أوائل سبعينيات القرن الـ 20، عندما بدأت الشركات اليابانية المصنعة تشكل تهديداً لصناعة السيارات الأميركية، درست إدارة نيكسون إمكان أن تزود الحكومة شركات صناعة السيارات في ديترويت بمعلومات استخباراتية لتعزيز فرصها التجارية، لكن المجلس الاستشاري للاستخبارات الخارجية التابع للرئيس رفض الخطة، معتبراً إياها “غير مناسبة”. وخلال إدارة كارتر، أعاد مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ستانسفيلد تيرنر، طرح فكرة التجسس الاقتصادي داخل الوكالة، لكنه واجه أيضاً معارضة شديدة. وكما روى تيرنر لاحقاً، فإن ضباط وكالة الاستخبارات المركزية “لم يروا أن مساعدة الشركات تندرج ضمن مهمتهم المتمثلة في تعزيز الأمن القومي”.
وفي نهاية الحرب الباردة، ومع تحول اهتمام مجتمع الأمن القومي بعيداً من المنافسة الأيديولوجية والعسكرية مع الاتحاد السوفياتي، اكتسب الأمن الاقتصادي أهمية جديدة، وفي مقالة نشرت عام 1991 في صفحات “فورين أفيرز”، دعا تيرنر، الذي غادر وكالة الاستخبارات المركزية في نهاية إدارة كارتر، أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى السعي وراء “المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية”، لتجنب أن تفاجأ البلاد بإنجازات تكنولوجية تتحقق في أماكن أخرى، وتساءل “إذا كان ينبغي الآن الاعتراف بالقوة الاقتصادية بوصفها عنصراً حيوياً من عناصر الأمن القومي، شأنها شأن القوة العسكرية، فلماذا ينبغي لأميركا أن تبدي تحفظاً إزاء سرقة الأسرار الاقتصادية واستخدامها؟”.
وفي عام 1996، أبلغت وكالة الاستخبارات المركزية لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ بأنها رصدت عدداً كبيراً من الحكومات الأجنبية التي كانت تمارس هذا النوع من النشاط التجسسي على وجه التحديد، ولم يقتصر الأمر على خصوم مثل الصين وكوبا وإيران وروسيا، بل شمل أيضاً حلفاء مثل فرنسا وإسرائيل. ووفقاً لتقارير إخبارية، زرعت الاستخبارات الفرنسية ميكروفونات في مقاعد الدرجة الأولى على متن طائرات الخطوط الجوية الفرنسية للتنصت على محادثات المديرين التنفيذيين الأميركيين، وأقر بيير ماريون، الذي ترأس جهاز الاستخبارات الفرنسي أوائل ثمانينيات القرن الـ 20، بأن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أصدر أمراً صريحاً إلى جهاز الاستخبارات الحكومي بسرقة أسرار شركات التكنولوجيا الأميركية.
ومع ذلك، واصلت واشنطن امتناعها الطوعي من ممارسة هذا النوع من التجسس، فتزويد الحكومة شركات مختارة بمعلومات سرية ذات قيمة تجارية كان يتعارض مع العقيدة الراسخة في الولايات المتحدة، والقائمة على حرية السوق، وكان يتعارض أيضاً مع الثقافة المؤسسية الراسخة داخل تلك الوكالات. وكما قال أحد ضباط العمليات لمدير وكالة الاستخبارات المركزية، روبرت غيتس، في أوائل تسعينيات القرن الـ 20: “أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجل بلدي، لكنني لست مستعداً لذلك من أجل شركة”.
وفي مراجعة لممارسات الاستخبارات الأميركية عام 1996، دعت لجنة مستقلة غير حزبية إلى تحسين جودة المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية، لكنها أيدت أيضاً بشدة السياسات القائمة التي تحظر “الجمع السري للمعلومات المملوكة لشركات تجارية أجنبية” بغرض مساعدة الشركات الأميركية، ولخصت اللجنة المنطق السائد آنذاك فكتبت، “يتمثل دور مجتمع الاستخبارات في تقديم الدعم للحكومة، لا للقطاع الخاص”.
مشكلة الصين
في مطلع القرن الـ 21، ومع صعود الصين السريع لتصبح قوة اقتصادية عالمية، ساور المسؤولين الأميركيين القلق من أن بكين كانت تسرق الملكية الفكرية من الشركات الأميركية بصورة منهجية. وفي عهد أوباما، كثف مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات أخرى جهودهم لمكافحة التجسس الصيني، ولكن بعد أن سرّب إدوارد سنودن، المتعاقد مع وكالة الأمن القومي، عام 2013 وثائق كشفت معلومات محرجة، تضمنت معلومات قيل إنها تظهر أن وكالة الأمن القومي جمعت معلومات استخباراتية عبر اعتراض الإشارات في شأن عدد من الشركات الأجنبية، لم تبد إدارة أوباما أية رغبة في إعادة فتح النقاش حول التجسس الاقتصادي، وبدلاً من ذلك سعت إلى ترسيخ الحظر الأميركي من خلال إضفاء طابع رسمي عليه، ومحاولة إقناع بقية دول العالم باتباع النهج نفسه.
وفي توجيه رئاسي للسياسة صدر عام 2014 وعُرف باسم”PPD-28″، قررت إدارة أوباما أن جمع الأسرار التجارية الأجنبية بغرض “منح الشركات الأميركية ميزة تنافسية” لا يندرج ضمن الأغراض المسموح بها لأنشطة الاستخبارات الخارجية أو مكافحة التجسس، ثم خلال قمة عقدت عام 2015 مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، أعلن أوباما أن البلدين توصلا إلى “تفاهم مشترك” بألا “يمارس أي منهما أو يدعم عن علم سرقة الملكية الفكرية باستخدام الوسائل الإلكترونية، بما في ذلك الأسرار التجارية أو غيرها من المعلومات التجارية السرية، بهدف تحقيق ميزة تجارية”.
وبعد شهرين من قمة شي، نجحت الإدارة الأميركية أيضاً في الحصول على بيان صادر عن مجموعة الـ 20 يعيد تأكيد ذلك الحظر، موسعاً نطاقه ليشمل أكبر 20 اقتصاداً في العالم، لكن هذه الالتزامات لم تغير سلوك الدول الأخرى، وبالتأكيد لم تغير سلوك الصين، ولم يدم الهدوء الذي أعقب قمة عام 2015 طويلاً، فبعد بضعة أشهر عادت بكين للتجسس على الصناعات الأميركية.
وعلى رغم أن إستراتيجية أوباما لم تلقَ قبولاً دولياً يُذكر، فقد أيدت إدارة ترمب الأولى التوجيه الصادر عام 2014، وفي عام 2022 أعادت إدارة بايدن تأكيده رسمياً بموجب أمر تنفيذي، واليوم، وعلى رغم إعلان وكالة الاستخبارات المركزية في سبتمبر الماضي أنها باتت تركز بدرجة أكبر على جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالشركات الصينية، فإن إدارة ترمب الثانية لم تلغ الأمر التنفيذي، في الأقل ليس علناً.
وأحد التفسيرات لاستمرار هذا المبدأ هو أن نطاقه لا يشمل سوى شريحة ضيقة من الأنشطة الاستخباراتية. فعلى رغم أنه يحظر مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الشركات الأميركية بهدف منحها ميزة تجارية، فإنه لا يمنع مشاركة هذه المعلومات لأسباب أمنية، وبالتالي، وفقاً للمعايير الحالية، يمكن للحكومة أن تحذّر شركة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي من أن جواسيس صينيين قد يحاولون سرقة القيم الرقمية الداخلية السرية التي يتعلمها أحدث نماذجها المتقدمة أثناء التدريب، أو إبلاغ أحد المصارف بأن طرفاً يعمل على نشر الأسلحة يسعى إلى فتح حساب لديه، ويسمح أيضاً لأجهزة التجسس الأميركية بجمع طيف واسع من المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية، لدعم المفاوضات حول المعاهدات التجارية والضريبية، وتحديد الشركات الأجنبية المتورطة في الرشوة والعمولات غير المشروعة، وتعقب تمويل الإرهاب، وتنفيذ العقوبات، ومكافحة انتشار الأسلحة، وكما رأيت بنفسي خلال أعوام عملي في وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخزانة، فإن كل ذلك يشكل عملاً استخباراتياً بالغ الأهمية، لا يقيده المبدأ القائم.
لكن هذا المبدأ استمر أيضاً لأن تطبيق التجسس الاقتصادي عملياً ليس بالأمر السهل، ويثير ذلك جملة من التساؤلات: أي شركات ينبغي أن تحصل على المعلومات الاستخباراتية التجارية؟ وكيف ينبغي اتخاذ القرار؟ ومن يملك صلاحية اتخاذه؟ وما الشركات التي ستكون مؤهلة للحصول على هذه المعلومات؟ وما المعايير التي ستوجه عملية اتخاذ القرار؟ وكيف يمكن للشركة استخدام المعلومات الاستخباراتية التي تتلقاها؟ وأياً كانت الإجابات عن هذه الأسئلة، فإن قدراً من المحاباة سيكون أمراً لا مفر منه، لأن المعلومات لن تعود بالفائدة على جميع الشركات، ومن دون قواعد محايدة ومحددة بوضوح وتطبق بصورة صارمة، يمكن بسهولة أن تتحول هذه الممارسة إلى أداة مسيسة أو أن تنحرف نحو فساد صريح، إذ سيكون المسؤولون الحكوميون هم من يقررون الشركات التي تحصل على معلومات استخباراتية ذات قيمة تجارية من الحكومة.
وعلى رغم ضرورة التعامل بجدية مع هذه المخاوف، فإنها لم تعد تبرر الإبقاء على هذا المبدأ، فالأمن القومي الأميركي يعتمد على نحو متزايد على قدرة شركات التكنولوجيا الأميركية الرائدة، التي تطور منتجات ذات استخدام مزدوج تخدم العملاء التجاريين والحكوميين على السواء، على الابتكار بوتيرة أسرع من منافسيها الصينيين، وطرح ابتكاراتها للاستخدام الفعلي في وقت أقرب، ومن الضروري تحذير هذه الشركات من تعرض أسرارها التجارية للسرقة، لكن ذلك وحده لن يحمي ريادة الولايات المتحدة التكنولوجية، وكذلك فإن تخفيف القيود المفروضة على جمع المعلومات، ليتمكن مجتمع الاستخبارات من استهداف نطاق أوسع من الأهداف في الصين، لن يكون كافياً. وللتعامل مع التحديات الهائلة التي تواجهها البلاد اليوم في مجال الأمن القومي، والتي باتت التكنولوجيا عنصراً محورياً فيها، تحتاج واشنطن إلى إعادة صياغة قواعد التجسس الاقتصادي، مع تحديد هدف صريح يتمثل في مساعدة الشركات الأميركية الرائدة في التكنولوجيا على المنافسة، حتى لو استلزم ذلك منح بعضها ميزة تجارية.
جاسوس في مواجهة جاسوس
يتلاءم اعتماد نهج جديد للتجسس الاقتصادي إلى حد كبير مع التوسع في استخدام الحكومة للسياسة الصناعية من أجل تحقيق أولويات الأمن القومي، ففي وقت باكر من عام 1999، أسست الحكومة شركة “إن-كيو-تيل” (In-Q-Tel)، وهي شركة لرأس المال الاستثماري مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية، وقد مُولت في البداية، ولا تزال تمول جزئياً، بأموال فيدرالية. وتستثمر الشركة في شركات تعمل على تطوير تقنيات متقدمة ورائدة ذات استخدام مزدوج، مثل الملاحة الدقيقة والاستشعار والحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي، التي تعد بالغة الأهمية لقطاعي الدفاع والاستخبارات.
وفي الآونة الأخيرة، استخدمت الحكومة مبررات الأمن القومي في مسعى أكثر طموحاً بكثير إلى دعم القطاعات الرئيسة في الاقتصاد التجاري الأميركي، وهكذا جرى تبرير الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب الأولى على الصين، فضلاً عن تشديد ضوابط التصدير والتدقيق في الاستثمارات الوافدة بموجب تشريعات، استناداً إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وبالمثل استند التشريعان الأساسيان اللذان أقرتهما إدارة بايدن، وهما “قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم” و”قانون خفض التضخم”، إضافة إلى سياسة الإدارة المتعلقة بضوابط التصدير المعروفة باسم “ساحة صغيرة ذات سياج مرتفع”، إلى ضرورات الأمن القومي لتقييد التدفق الحر للتجارة، وقد ذهبت إدارة ترمب الثانية إلى مدى أبعد في توظيف هذه السياسة الصناعية لخدمة الأمن القومي، ويذكر أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة في ما سمته تعرفات “يوم التحرير”، وروّجت لها بوصفها أداة رئيسة في السياسة الاقتصادية، استندت بالكامل، من الناحية القانونية، إلى تشريع يتعلق بالأمن القومي.
وكذلك استثمرت إدارة ترمب الثانية 28 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب في نحو 40 شركة أميركية تعمل في قطاعات أشباه الموصلات والمعادن الحيوية والتكنولوجيا الكمية والطاقة، وغيرها.
وفي الوقت نفسه، تغيرت طريقة تطوير التقنيات الأمنية الجديدة، فخلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، لم يكن لمعظم الابتكارات الرئيسة التي طورها المتعاقدون مع الحكومة، مثل الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية وتكنولوجيا التخفي، أي سوق تجارية، وفضلاً عن ذلك، فإن التقنيات الجديدة التي أعادت في نهاية المطاف تشكيل الاقتصادين الأميركي والعالمي، بما في ذلك أنظمة المعلومات الآمنة، وأقمار الاتصالات والاستطلاع، والمحركات النفاثة، والدوائر المتكاملة، والحواسيب الرقمية، لم تكن في البداية قابلة للاستمرار إلا بفضل الطلب الحكومي، لا بفضل تسويقها تجارياً، ونتيجة لذلك كان بإمكان أجهزة الاستخبارات الأميركية تزويد المتعاقدين بمعلومات سرية لتحفيز التطوير، وقد فعلت ذلك في كثير من الأحيان، من دون أن يثير ذلك مخاوف كبيرة من تعزيز فرص تلك الشركات في السوق، فعلى سبيل المثال، ساعدت المعلومات الاستخباراتية التقنية التي جمعت عن قدرات الاتحاد السوفياتي، في مجال الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، المتعاقدين التجاريين على تصميم صواريخ باليستية أميركية قادرة على التغلب على الدفاعات السوفياتية، لكن هذه الابتكارات لم يكن لها أي تطبيق تجاري.
أما اليوم، فعلى النقيض من ذلك، يعتمد العمل الدفاعي والاستخباراتي اعتماداً كبيراً على تقنيات ذات استخدام مزدوج تنتجها شركات تجارية، وينطبق هذا على مجالات مثل الحوسبة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، وأشباه الموصلات، وتقنيات الطاقة المتقدمة، والبطاريات، والتخزين، واتصالات الجوال من الجيل السادس (6G)، والحوسبة عالية الأداء.
ولننظر إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها مختبرات تجارية ممولة من القطاع الخاص، فهذه النماذج ضرورية للأمن القومي في مجالات مثل التعرف إلى الأهداف، وتنسيق أسراب الطائرات المسيّرة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، والحرب السيبرانية، لكن النماذج نفسها، أو نماذج مشابهة لها، تستخدم بالفعل في الشركات وبين المستهلكين في مختلف قطاعات الاقتصاد، بما يعزز الكفاءة والإنتاجية الشخصية، وتوفر أجهزة الاستشعار الكمية ساعات ذرية وأنظمة تتبع بالقصور الذاتي للغواصات والطائرات والأقمار الاصطناعية، بينما تستخدم التقنية نفسها في اكتشاف رواسب النفط والغاز، وكذلك تعِد ابتكارات الهندسة الحيوية بتوفير دفاع بيولوجي موضعي، أي القدرة على رصد تهديد بيولوجي ونشر تدبير مضاد مصمم خصوصاً لمواجهته بسرعة، في الوقت نفسه الذي تُستخدم هذه الابتكارات لإنتاج أدوية جديدة وعلاجات طبية ومحاصيل مقاومة للجفاف.
وأظهرت دراسات حديثة أيضاً أن الصين تتصدر، أو تلحق بالركب سريعاً، في كثير من هذه التقنيات، ففي يونيو (حزيران) 2026، أعلن مختبر صيني أنه بنى أقوى حاسوب فائق في العالم، منتزعاً الصدارة من منافس أميركي، لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان أن الحاسوب الفائق حقق أداء أفضل بنسبة 20 في المئة من أقرب منافسيه الأميركيين، على رغم اعتماده على بنية تقليدية ومعالجات دقيقة تقليدية، بدلاً من وحدات معالجة الرسومات المتقدمة باهظة الثمن والنادرة نسبياً، وفي عام 2025، كشفت شركة “كاتل” (CATL) الصينية لصناعة البطاريات عن بطارية سيارة تعتمد على تركيبة كيماوية تقليدية وتشحن في خمس دقائق فقط، وكذلك أتقنت الشركة الإنتاج الضخم لبطاريات أيونات الصوديوم من الجيل الجديد، فيما تتخلف الشركات الأميركية بفارق كبير في كلا المجالين.
إن العامل الأهم في هذه المنافسة هو أداء قطاع التكنولوجيا المتقدمة الأميركي مقارنة بمنافسيه الصينيين، وبكين تدرك ذلك، ولهذا السبب دأبت أجهزة الاستخبارات الصينية طوال أعوام على سرقة الأسرار التجارية من الشركات الأميركية وغيرها من الشركات الغربية بصورة منهجية، ثم مشاركة تلك الأسرار مع الشركات الصينية، ولهذا السبب أيضاً أعلن “مجلس الدولة” الصيني عام 2015 مبادرة “صنع في الصين 2025″، مستنداً إلى الأساس الذي أرساه التجسس الاقتصادي، ومثلت المبادرة سياسة صناعية متكاملة إلى حد بعيد، وممولة بسخاء استثنائي، تهدف إلى دفع البلاد بسرعة نحو ريادة العالم في مجال التصنيع المتقدم في 10 تقنيات أساسية بحلول ذلك العام، ولهذا السبب أيضاً، وبعد أن أحرزت بكين تقدماً كبيراً في تحقيق عدد كبير من هذه الأهداف، واصلت تنفيذ المبادرة ضمن خطتها الخمسية الـ 15 للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030.
وقد أدرك القادة الأميركيون أيضاً القيمة الإستراتيجية للحفاظ على التفوق في الابتكار التجاري، فاستخدمت الإدارات الأميركية المتعاقبة خلال الأعوام الأخيرة مجموعة متنوعة من الأدوات الاقتصادية لحماية الصناعات التكنولوجية الأميركية الحيوية وتعزيزها، مع احتواء المنافسين الصينيين الشرسين، وتشمل هذه الأدوات الرسوم الجمركية، والدعم المالي لشركات أميركية مختارة، والقيود على الصادرات والواردات، والحواجز المفروضة على الاستثمارات الوافدة والصادرة، وحظر التعاقدات والمشتريات، وتوجيه اتهامات جنائية، وفرض عقوبات مالية، وكذلك أوفدت واشنطن دبلوماسيين أميركيين لإقناع حلفائها وشركائها بالعمل معها لتقييد انتشار التكنولوجيا الصينية، وبالمثل خصص مجتمع الاستخبارات الأميركي موارد كبيرة لفهم طبيعة تبني الجيش الصيني للتقنيات الجديدة والوتيرة التي يعتمدها في ذلك.
ومع ذلك، تغيب أداة واحدة بصورة لافتة عن هذا النهج القائم على استخدام “جميع الأدوات المتاحة”، وهي التجسس الاقتصادي، فعلى رغم أن مشاركة المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالشركات الصينية مع القطاع الخاص الأميركي لن تُغير، في حد ذاتها، المشهد التنافسي تغييراً جذرياً، فإن الاستثمارات في حصص الملكية وضوابط التصدير وسائر الأدوات التي تستخدمها الحكومة لتعزيز الموقع التنافسي النسبي لشركات التكنولوجيا المتقدمة الأميركية لن تفعل ذلك هي الأخرى، فالولايات المتحدة تستخدم هذه الأدوات لأن كل واحدة منها تسهم تدريجاً في تحسين الوضع، وإذا أضيف التجسس الاقتصادي إلى هذه المعادلة، فستزداد الفاعلية التراكمية لهذه الجهود بدرجة كبيرة.
الأخذ والعطاء
السؤال الجوهري في بشأن التجسس الاقتصادي لا يتمحور حول ما إذا كانت هناك مبررات قوية، بما يكفي، تقتضي اللجوء إليه لأسباب تتعلق بالأمن القومي، بل حول كيفية تنفيذه بطريقة تساعد الشركات الأميركية الرائدة فعلاً، من دون أن تتجاوز أضراره منافعه، وأفضل طريقة للتعامل مع هذا التحدي هي وضع بروتوكولات رسمية تنظم التجسس الاقتصادي من خلال إجراءات تتخذها السلطة التنفيذية وأخرى يقرها الكونغرس، وينبغي للرئيس إصدار أمر تنفيذي يجيز مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع القطاع الخاص، حتى لو أدى ذلك إلى منح الشركات المعنية ميزة تجارية، وكذلك ينبغي للكونغرس سنّ أحكام تشريعية مكملة ضمن قانون تفويض الاستخبارات السنوي، ويجب تصميم الأمر التنفيذي والتشريع المصاحب له ليضمنا أن جمع الأسرار التجارية الأجنبية ونشرها يخدمان أولويات الدفاع والاستخبارات، وألا يشوها السوق الحرة على نحو مفرط. وكذلك يجب أن يضمنا اتخاذ القرارات المتعلقة بمشاركة المعلومات الاستخباراتية الحساسة على أسس موضوعية، بعيداً من الاعتبارات الحزبية أو السياسية أو الشخصية.
وعلى وجه التحديد، ينبغي للأمر التنفيذي أن يحدد الدول التي يجب استهداف قطاعاتها التجارية بعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، ومن الواضح أن شركات الصين وغيرها من الدول الخصمة، مثل إيران وكوريا الشمالية وروسيا، ينبغي أن تكون أهدافاً مشروعة لهذه العمليات، وبالدرجة نفسها من الوضوح، ينبغي استبعاد شركات الحلفاء الوثيقين من هذه العمليات، إذ إن الضرر الذي سيلحق بجهود التعاون الاستخباراتي سيفوق الفائدة الناجمة عن استهداف شركات الحلفاء بالتجسس التجاري، وبعيداً من هذه الحدود الواضحة، فإن تحديد نطاق التجسس الاقتصادي سيتطلب مداولات حساسة وقدراً من التقدير، وينبغي للأمر التنفيذي أن يترك هذه المهمة لمجتمع الاستخبارات، مع رقابة مستمرة من لجان الاستخبارات في الكونغرس.
واستكمالاً لذلك، يجب أن يشترط الأمر التنفيذي أيضاً ألا تشارك المعلومات المستخلصة من التجسس الاقتصادي إلا مع قطاعات محددة بوضوح، في مجال التكنولوجيا المتقدمة والرائدة، ولإتاحة المجال أمام تغير أولويات الأمن القومي خلال الأعوام المقبلة، ينبغي أن يسمح الأمر التنفيذي للإدارة بإضافة قطاعات جديدة بعد التشاور مع لجان الاستخبارات، شرط استيفائها معايير صارمة، وعلى رغم أن السياسة الصناعية التي تدعم القدرة التنافسية العالمية للشركات الأميركية قد تخدم الأمن القومي عموماً، فإن المستفيدين من التجسس الاقتصادي ينبغي أن يقتصروا على الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة الرائدة، التي لها غرض واضح يمكن إثبات صلته بالأمن القومي.
وينبغي أن ينص الأمر التنفيذي على وجوب مشاركة المعلومات الاستخباراتية على نطاق واسع، بما يكفي داخل القطاع الصناعي المستهدف، بما في ذلك مع الشركات الأصغر حجماً والأحدث عهداً والشركات غير المدرجة في البورصة، وكذلك الشركات التي لم تحصل على أشكال أخرى من الدعم الحكومي الخاص، وسيساعد ذلك في ضمان ألا تؤدي الميزة التنافسية الممنوحة إلى ترسيخ هيمنة الشركات القائمة، أو عرقلة الشركات الناشئة ذات الموارد المحدودة، التي قد تكون ابتكاراتها حاسمة في المستقبل، وينبغي أن تكون المعايير المحددة لاختيار الشركات، التي ستتاح لها المعلومات الاستخباراتية، مرنة بما يكفي لمراعاة تنوع الأسواق والقطاعات والشركات، مع بقائها موضوعية ومحايدة بما يكفي لضمان إمكان التحقق بصورة موثوقة من الأسباب التي يستند إليها في اختيار شركة لتلقي المعلومات الاستخباراتية. وينبغي للأمر التنفيذي أيضاً اشتراط أن تكون أية شركة تتلقى المعلومات الاستخباراتية، قادرة على استخدامها لتعزيز الأمن القومي الأميركي، وأن تمتلك تدابير حماية كافية في ما يتعلق بالموظفين والأمن السيبراني وغيرها من المجالات، بما يكفل حماية المعلومات التي تتلقاها.
وفي السياق نفسه، ينبغي للأمر التنفيذي أن يحدد ما إذا كان تلقي الأسرار التجارية المسروقة وغيرها من المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية سيقتصر على الشركات الأميركية بالكامل، أي تلك التي أُسست وتعمل داخل الولايات المتحدة، وتتألف مجالس إدارتها حصراً من المواطنين الأميركيين، أم سيشمل أيضاً شركات من دول حليفة أو شريكة، ولا سيما الدول الحليفة التي تتبادل واشنطن معها المعلومات الاستخباراتية بصورة منتظمة، وإذا تقرر السماح للشركات غير الأميركية بالاستفادة من تلك المعلومات، فينبغي أيضاً أن يترك لمجتمع الاستخبارات، بالتشاور مع اللجان المعنية، تحديد البلدان التي يمكن لشركاتها أن تكون من بين المستفيدين المحتملين.
وينبغي أن يتضمن الأمر التنفيذي تدابير رقابية محددة لضمان التنفيذ السليم، إذ يجب أن يلزم وكالة الاستخبارات المعنية بإطلاع أعضاء لجان الاستخبارات في الكونغرس وموظفيها، بانتظام، على أنشطة التجسس التجاري، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية التي جرت مشاركتها، والجهات التي تلقتها، والأسس التي استندت إليها القرارات المتعلقة بمشاركتها، ويتعين على الكونغرس أن يدرج هذا الشرط المتعلق بالإحاطة في قانون تفويض الاستخبارات السنوي، وأن يكلّف المفتشون العامون في مجمع الاستخبارات الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية، وأية وكالة استخبارات حكومية أخرى مشاركة في البرنامج، بإجراء تدقيق سنوي للتحقق مما إذا كان برنامج التجسس الاقتصادي يحقق أهداف الأمن القومي، ولا يستخدم لخدمة أجندات سياسية أو شخصية. ومرة أخرى، ينبغي للكونغرس أن يدرج هذا الشرط في نص تشريعي ملزم.
وينبغي للكونغرس، والإدارة الأميركية أيضاً، الاتفاق على أن تعتمد جهود التجسس الاقتصادي الرامية إلى مساعدة الصناعات الأميركية الرائدة، بصورة أساسية، على استخبارات الإشارات التي تجمعها وكالة الأمن القومي، لا على الاستخبارات البشرية التي تجمعها وكالة الاستخبارات المركزية، وهذا خيار منطقي من الناحية العملية، فالأسرار المراد جمعها ستشمل مواصفات تقنية دقيقة، وتفاصيل التصميم، والعمليات، وهي معلومات توجد في معظمها ضمن البنى التحتية الرقمية، مما يجعلها عرضة بصورة خاصة للجمع بوسائل تقنية، وعلاوة على ذلك فقد يكون من الأسهل تحديد التطورات المتقدمة والرائدة من خلال جمع المعلومات على نطاق واسع، ثم غربلتها وتضييق نطاقها للوصول إلى معلومة جوهرية، وهي عملية تعد فيها استخبارات الإشارات مصدراً أفضل بكثير من المعلومات المستقاة من مصادر بشرية جرى تجنيدها، وكذلك فإن الاعتماد على جمع المعلومات التقنية عن بعد قد يجنب إثارة معارضة الضباط الميدانيين، الذين قد لا يكونون مستعدين لتحمل أخطار شخصية كبيرة، من أجل مساعدة القطاع الخاص.
ولأن القائمين على جمع المعلومات يحتاجون إلى معرفة ما يهم المستفيد منها فعلاً، حتى يحقق أي برنامج لجمع المعلومات قيمة حقيقية، فينبغي للكونغرس والإدارة اتخاذ خطوات لتسهيل التواصل بين مجتمع الاستخبارات وشركات التكنولوجيا المتقدمة الرائدة العاملة في القطاعات الحيوية للأمن القومي. وببساطة، يجب أن تكون عملية تحديد الأهداف دقيقة إلى حد معقول، وهذا لا يقل أهمية في مجال الاستخبارات الاقتصادية عنه في أي نوع آخر من جمع المعلومات. وسيتطلب تمكين هذا التدفق الحر للمعلومات والخبرات جهوداً متواصلة لتحديث إجراءات منح التصاريح الأمنية وتبسيطها، بما في ذلك تسريع الجهود المبذولة لتقليل العوائق أمام انتقال الموظفين بين قطاعات التكنولوجيا المتقدمة ومجتمع الاستخبارات.
وأخيراً، في وقت يجري العمل على بناء إطار رسمي للتجسس الاقتصادي، يتعين على الكونغرس منع أي تآكل تدريجي للحظر القائم، من خلال توزيع المعلومات الاستخباراتية على شركات تحظى بتفضيل خاص، في ممارسة قد تفتح الباب أمام الفساد، وكخطوة أولى أساسية، ينبغي للجان الاستخبارات أن تبدأ تحقيقاً رقابياً شاملاً في كيفية تطبيق هذا المبدأ عملياً، ومدى التزام الإدارة الحالية بالمحظورات المفروضة بموجبه، وبما أن الإدارة الحالية لم تعلن علناً تخليها عن هذا المبدأ، فمن الضروري إطلاع صانعي السياسات بصورة كاملة على الوضع الراهن، قبل المضي قدماً، ولا سيما في ضوء التساؤلات المتعلقة بتضارب المصالح في المشاريع التجارية التي يشارك فيها الرئيس دونالد ترمب، وأعضاء إدارته وأفراد عائلاتهم.
حماية التفوق التكنولوجي
إن إقرار استثناء من الحظر الأحادي الذي فرضته الولايات المتحدة على نفسها، في مجال التجسس الاقتصادي، لن يكون خالياً من الأخطار، فعلى الصعيد الدولي قد يؤدي التخلي عن المبدأ المناهض للتجسس الاقتصادي إلى إشعال سباق تجسس مع دول أخرى، ولا سيما الصين، لكن لا توجد أدلة على أن أجهزة الاستخبارات الصينية كانت تمتنع من هذه الممارسات حتى الآن، بسبب ضبط النفس الأميركي، ومن شبه المؤكد أن أي قدر من ضبط النفس ربما كان قائماً قد تلاشى الآن، بعدما أعلنت إدارة ترمب علناً عن مضاعفة جهودها لجمع المعلومات الاستخباراتية من الشركات الصينية.
وعلى الصعيد المحلي، حتى مع وجود أمر تنفيذي مصاغ بعناية وتدعمه أحكام إضافية في قانون تفويض الاستخبارات، فمن المرجح أن يكون لتبني التجسس الاقتصادي أثر مشوّه في منظومة الابتكار التي خدمت الولايات المتحدة على نحو ممتاز، وكذلك يظل احتمال تسييس هذه الممارسة أو استغلالها لأغراض فاسدة قائماً، حتى مع التزام أجهزة الاستخبارات الأميركية التزاماً دقيقاً بالقواعد، وخضوعها لرقابة لجان كونغرس يقظة.
ومع ذلك فإن إرساء عملية مدروسة لمشاركة المعلومات الاستخباراتية ذات القيمة التجارية، مع القطاع الخاص، أفضل بكثير من الانزلاق إلى هذه الممارسة تدريجاً، نتيجة التراخي الفعلي في تطبيق الضوابط القائمة، بالتزامن مع تبادل المعلومات بصورة ارتجالية، ومن دون إطار منظم.
يمكن للولايات المتحدة أن تجني فوائد بالغة الأهمية من مشاركة الأسرار التجارية الأجنبية مع شركات تكنولوجية مختارة، وليس المقصود من ذلك التقليل من شأن ما تستطيع شركات التكنولوجيا الأميركية الرائدة تحقيقه بجهودها الذاتية، فابتكاراتها موضع إعجاب العالم، وهي تستحق ذلك بحق، لكن المشكلات التكنولوجية التي تواجهها صعبة، والحلول بعيدة المنال، والاكتشافات النوعية نادرة ومتباعدة، ولهذا تحديداً يطلق على التقنيات التي تعمل هذه الشركات على تطويرها تسمية التقنيات المتقدمة الرائدة. ونظراً إلى الترابط المتزايد بين الأمن القومي والاقتصاد التجاري، فلم يعد بإمكان الولايات المتحدة حجب أكثر معلوماتها الاستخباراتية تطوراً عن الشركات التي قد ترسم ملامح أمن البلاد، وقوتها خلال الأعوام المقبلة.
مترجم عن “فورين أفيرز” في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2026
ديفيد كوهين مستشار أول في شركة “ويلمر هيل”، شغل منصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بين عامي 2015 و2017، ثم بين عامي 2021 و2025، وشغل منصب وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية بين عامي 2011 و2015، والآراء الواردة هنا تعبر عن وجهة نظره الشخصية.
