محرر بموقع السفينة
ليس التحدّي السوري اليوم أن نختار بين دولة موحّدة ومجتمع متعدّد، وكأنّ الوحدة لا تتحقّق إلا بإلغاء الاختلاف، أو كأنّ التعدّد لا يستقيم إلا بتفكيك الدولة. فالمعضلة الحقيقية تكمن في بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سلطتها، وقادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، من دون أن تجعل المواطنة امتيازًا مشروطًا بالهوية القومية أو اللغة أو الثقافة.
منذ تأسيس الدولة السورية، لم يكن العلم في القامشلي مجرّد قطعة قماش ترفرف فوق مبنى رسمي؛ بل حمل، في مراحل مختلفة، أسئلةً معلّقة حول الهوية والانتماء والاعتراف. واليوم، يعود العلم إلى قلب النقاش في الحسكة، لا بوصفه رمزًا سياديًا فحسب، بل بوصفه اختبارًا لمعنى الدولة التي يُفترض أن يمثّلها.
فالسؤال ليس أين سيرتفع العلم السوري، ولا مَن سيرفعه، بل ما الذي سيعنيه لأهل المنطقة، ولجميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم؟ هل سيكون رمزًا لدولة تستعيد حضورها عبر مؤسساتها والقانون والمواطنة المتساوية، أم علامةً على عودة سلطة مركزية تطلب الخضوع قبل أن تمنح الاعتراف والحقوق؟
إنّ وحدة البلاد لا تُصان بالقوة وحدها، ولا تُبنى السيادة الحقيقية بمجرد رفع الأعلام وإعادة رسم خرائط السيطرة. فالدولة التي تريد أن تكون وطنًا لجميع أبنائها، عليها أن تجعل الانتماء إليها مصدرًا للأمان والحقوق، لا دعوةً إلى التخلي عن الخصوصيات والهويات. كما أن الاعتراف بالتعدّد لا يعني التخلي عن وحدة الأرض، بل يمكن أن يكون أحد الأسس التي تمنح هذه الوحدة معناها واستمرارها.
في الحسكة، كما في سائر سوريا، لا ينبغي أن يكون العلم نهاية النقاش، بل بدايته: بداية السؤال عن شكل الدولة، وحدود سلطتها، وحقوق مواطنيها، وقدرتهم على المشاركة في تقرير مستقبلهم.
فالقضية ليست أن يرتفع العلم السوري فوق الجميع، بل أن يشعر الجميع بأن لهم مكانًا متساويًا تحت ظله. تلك هي المسافة الفاصلة بين استعادة السيطرة وبناء الدولة، وبين وحدة تُفرض على الناس ووطن يتّسع لهم جميعًا.