احتلّت أخبار فرنسا، السبت الماضي، واجهات الإعلام الدوليّ. وللمفارقة، جرى الحدث الصاخب في 17 تشرين الأوّل، بما يذكّر اللبنانيّين بصخب ذلك اليوم من عام 2019. لكنّ فرنسا شهدت يوماً أسود لا تُقارن فظائعه باليوم اللبنانيّ الشهير. ومن راقب المشهد من بعيد، خال أنّ فرنسا سقطت في يد “غزاة” الشوارع الذين عاثوا في المدن فساداً. غير أنّ الوجع الفرنسيّ غطّى على أوجاع في بلدان أوروبيّة أخرى.
رغم أنّ تحرّكات صاخبة شهدتها ميلانو وبروكسل ولشبونة وتيرانا، بتوقيت شبه متزامن، سبقتها تحرّكات في مدن إسبانيّة، فإنّ هذه الوقائع لا تشي بانطلاق “ربيع أوروبيّ”، حتّى الآن على الأقلّ. فلا رابط يدفع إلى الاعتقاد بوجود وحدة موقف وخطاب بين أحداث تتباين ظروفها وخلفيّاتها ومبرّراتها، وإن كانت تعبّر عن غضب وتستخدم الأدوات نفسها. ومع ذلك، فإنّ للحدث في فرنسا، التي سبق تاريخيّاً أن صدّرت ثوراتها، تلك القديمة عام 1789 وتلك الحديثة عام 1968، احتمالات تأهيله ليكون، من جديد، صدى ومثالاً ومرجعاً لكلّ الغاضبين.
فرنسا تحتضر في قبضة رفاهيتها
قد يطول تحليل يوم “17 تشرين” الفرنسيّ. لكنّه مزيج من تعفّن الماكرونيّة التي تحتضر بعد عقد بانتظار مغادرة إيمانويل ماكرون “الإليزيه” العام المقبل من جهة، مروراً بجمود تقاليد فرنسيّة عصيّة على الإصلاح، انتهاءً بالعجز عن الإقرار بأنّ العالم قد تغيّر.
يتمسّك الفرنسيّون بدولة الرفاه ومكاسبها الاجتماعيّة، ويواصل كثيرون منهم الاعتراض على رفع سنّ التقاعد القانونيّ من 62 إلى 64 عاماً مقابل اتّجاه بعض الدول الأوروبيّة إلى رفع سنّ التقاعد نحو 67 عاماً وربّما ما فوق ذلك، وإن اختلفت القواعد من بلد إلى آخر. ومن هذا المثال، تطلّ الأرقام لتفضح عجز فرنسا عن تحمّل كلفة رفاهيتها، وعبث الاستمرار في التعويل البليد على الاستدانة، التي رفعت حجم الدين إلى مستوى 4 تريليونات دولار (112 في المئة من الناتج المحلّيّ الإجماليّ).
ككرة الثلج، تدهورت الأوضاع في فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة، بدءاً من احتجاجات مطلبيّة لطلّاب المدارس الثانويّة، مروراً بسلوك حكوميّ ركيك وعنيف، تُضاف إليه حسابات اليمين واليسار وأطرافهما الراديكاليّة الزاحفة نحو الانتخابات الرئاسيّة العام المقبل، وانتهاءً باحتلال اللصوص مشهد النهايات.
غضبٌ أوروبيّ بوجوه متناقضة
للحراك في أوروبا حكايات أخرى:
– في بلجيكا، تتركّز الشكوى على رسوم التسجيل الجامعيّة.
– في إيطاليا، خرجت تظاهرة ضدّ الحروب وغلاء المعيشة، فتحوّلت في ميلانو إلى مواجهات وأعمال نهب.
– في البرتغال، أدّى الارتفاع الكبير في أسعار المساكن إلى جعل السكن عنواناً للغضب الاجتماعيّ، وسط صعوبة متزايدة في الحصول على مساكن بأسعار ميسورة كانت تضاعفت أكثر من مرّتين منذ عام 2017.
– في ألبانيا، وهي من خارج الاتّحاد الأوروبيّ، يتّخذ الاحتجاج طابعاً سياسيّاً أكثر منه معيشيّاً. وتعود جذوره إلى “ثورة الفلامنغو” التي بدأت مطلع حزيران الماضي ضدّ مشروع منتجع مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركيّ ومستشاره، ثمّ التحق بها الطلّاب مطالبين برحيل إيدي راما، رئيس الوزراء الاشتراكيّ الذي يشغل المنصب منذ عام 2013، بعدما فاز بولاية رابعة متتالية العام الماضي.
– في ألمانيا، يأخذ الغضب طابعاً آخر. فقد حاصر آلاف الأشخاص مؤتمر حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليمينيّ المتطرّف في إرفورت، فيما يتصدّر الحزب استطلاعات الرأي بنسب تصل إلى 29 في المئة.
– في بريطانيا التي تُظهر حنيناً إلى الاتّحاد الأوروبيّ بعد عقد على استفتاء “بريكست”، لا يزال التحرّك محدوداً، لكنّه يكرّر موجات مناهضة للهجرة، تتّخذ طابعاً شعبويّاً ذا ميول عنصريّة، يقودها تومي روبنسون، الذي باتت أنشطته تشوّش حتّى على شعبويّة نايجل فاراج، زعيم حزب “Reform UK” (إصلاح المملكة المتّحدة).
أوروبا بين أزماتها وخصومها
يوحي الحدث الفرنسيّ بأنّ الأمور خرجت عن السيطرة، بما يدعو موسكو إلى الابتسام، ويثير في واشنطن شيئاً من الشماتة. تلتقي البوتينيّة الروسيّة والترامبيّة الأميركيّة، للمفارقة، عند كراهية تكاد تكون عقائديّة لأوروبا و”بدعة” اتّحادها. وفي المقابل، فإنّ في أمراض أوروبا عللاً ضُخّت من البلدين، سواء عبر الحرب التي فرضها الزعيم الروسيّ فلاديمير بوتين على أوكرانيا، وبالتالي على أوروبا، أو عبر الحرب التي ارتجلها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ضدّ إيران، والتي تدفع أوروبا والعالم أثمانها.
رفعت الحربان الأسعار، وضغطتا على الميزانيّات، في سياق يضاف إلى تقادم السياسات الاقتصاديّة التي انتهجتها أوروبا، في ظلّ ظهور نماذج اقتصاديّة منافسة ووازنة، تتصدّرها الصين، وتشتدّ ضراوة التنافس معها في الصراع مع الولايات المتّحدة. وفيما قد تمثّل الهجرة جانباً من الجلبة، فإنّها فرع للمشكلة وليست أصلها، على الرغم من أنّها حجّة أساسيّة وتكاد تكون وحيدة على قلب اليمين المتطرّف الصاعد، لسهولة تسويقها واستدراج عصبيّات حولها.
مع ذلك، فإنّ حراك الشوارع، لا سيما في نسخته الفرنسيّة التي كادت تكون دمويّة، يكشف أعراض تحوّلات ما فتئت صناديق الاقتراع تكشف عن مؤشّرات إليها. وما أظهرته نتائج بعض الانتخابات الإقليميّة في ألمانيا من تقدّم ليمين متطرّف، قبل أسابيع، قد يتكرّر في إسبانيا بعد أسابيع، وفي فرنسا بعد أشهر.
حتّى الآن، يقوم كلّ بلد بالكنس أمام “دكّانه”. فلا أحد يتحدّث عن ظاهرة أوروبيّة تستدعي مواجهة مشتركة شاملة. لكنّ بعض الخبراء، ومنهم الأميركيّ بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، الذي رأى في ديون فرنسا تكراراً لما جرى في اليونان عام 2010، رأوا أيضاً أنّ “لُقمة” فرنسا أكبر من فم أوروبا، وأنّ أزمتها قد تخنق القارّة واتّحادها.
