الهدنة غير المعلنة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية منذ شهر حزيران الماضي لم تكن لإفساح المجال لإنهاء الحرب. اقتصارها على الضربات الانتقائيّة وتبادل الحصار البحريّ، وعلى استخدام إيران الذراع الحوثيّة ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة، حوّلها إلى “استراحة المحارب”. الوسطاء الذين سارعوا لتدارك توسعة العمليّات الحربيّة لتطال الخليج العربيّ، يتواضعون في توقّع النتائج. عاملان يؤخّران العودة إلى الحرب: إعلان الرئيس دونالد ترامب أنّه لن يضرب إيران قبل الانتخابات النصفيّة في 3 تشرين الثاني، ودخول الوساطة الروسيّة على الخطّ مجدّداً.
تأرجحت نتائج زيارة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف لطهران بين حدّين متعارضين: فقد أعلن خلال زيارته “أنّنا جاهزون لإيجاد حلّ مقبول للأزمة بين إيران وأميركا”، إلّا أنّ الخارجيّة الإيرانيّة تنكر التطرّق معه إلى المفاوضات مع أميركا حول النوويّ. وفي الأثناء، اقترح الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين عقد قمّة روسيّة ـ صينيّة ـ أميركيّة. ولم يبدِ ترامب معارضته الفكرة، على الرغم من أنّ هدفها تكريس التعدّديّة القطبيّة، مع استبعاد الرئيسين الروسيّ والأميركيّ لأوروبا واستضعافها بفعل حرب أوكرانيا.
ويتكوف – بوتين… ودعم ترامب
مصادر مطّلعة على مباحثات الموفد الرئاسيّ الأميركيّ ستيف ويتكوف مع الرئيس فلاديمير بوتين قالت لـ”أساس” إنّ النقاش بين الرجلين استغرق ثلاث ساعات، كان نصفها مخصّصاً للبحث في الحرب على إيران. وخلفيّات التحرّك الروسيّ يمكن تلخيصها بالآتي:
خلافاً لإيران، لا يريد بوتين أن يخسر ترامب الانتخابات النصفيّة لأنّه يرتاح لموقفه من حرب أوكرانيا ويصرّ على أن يقدّم الرئيس فولوديمير زيلنسكي التنازلات لوقف الحرب. في حين أنّ فوز “الحزب” الديمقراطيّ بالتجديد لنصف أعضاء مجلسَي النوّاب والشيوخ، في حال حصل، سيرجّح استمرار الدعم الأميركيّ لزيلنسكي، كما أنّه سيواصل الحرب على إيران خلافاً لاعتقاد معاكس. وهذا سيمهّد للعودة إلى التركيز على دعم كييف بوجه موسكو.
يتطلّع الجانب الروسيّ إلى تقدّم في الموقف الأميركيّ حيال أوكرانيا يقضي بـ”بتجميد الحرب” وفقاً للواقع الميدانيّ الحاليّ، أي من دون حسم مسألة الأراضي التي احتلّها الجيش الروسيّ.
رفع العقوبات عن الدّيزل والغاز والأسمدة؟
تترقّب موسكو رفعاً ولو جزئيّاً للعقوبات الأميركيّة عن تصدير الأسمدة الروسيّة لأنّ سائر دول الغرب وآسيا تحتاج إليها من أجل الزراعة وخفض أسعار الموادّ الغذائيّة. فروسيا وبلاروسيا أكبر دولتين مصدّرتين للأسمدة.
تبادل ترامب مع بوتين، في اتّصالهما، منافع “الخطوات المتبادلة” لانتخابات التجديد النصفيّة. جاء خفض أسعار النفط، لا سيما الديزل الذي بدأت موسكو توريده لأميركا بعد رفع العقوبات الأميركيّة عن روسيا في هذا المجال. وتتوقّع القيادة الروسيّة رفع العقوبات عن تصدير الغاز لإراحة السوق العالميّ بالغاز الروسيّ. وهذا يستفيد منه ترامب داخليّاً، وخصوصاً قبل الانتخابات المُزمعة في 3 تشرين الثاني المقبل.
هل مساعدة طهران تسمح بالتّأثير عليها؟
ينطلق بوتين في وساطته بين واشنطن وطهران من قناعة بأنّه يمتلك قدرة أكبر على التأثير في الموقف الإيرانيّ مقارنةً بباكستان وغيرها من الدول. وتستند هذه القناعة إلى جملة من العوامل، أبرزها المساعدات الغذائيّة التي تقدّمها موسكو لطهران لمساعدتها على مواجهة تداعيات الحصار، والتسهيلات التي تتيحها لها لتصدير النفط عبر بحر قزوين، الذي تتشاطأ معه الدولتان، في محاولة للالتفاف على العقوبات الأميركيّة المفروضة على صادراتها النفطيّة. وإلى جانب ذلك، تقدّم روسيا، بالتعاون مع الصين، دعماً عسكريّاً لإيران يشمل مكوّنات مرتبطة ببرامج الصواريخ البالستيّة والطائرات المسيّرة، فضلاً عن توفير المعلومات الاستخباريّة.
نقل لافروف إلى نظيره الإيرانيّ عبّاس عراقجي نتائج المكالمة الهاتفيّة المطوّلة بين بوتين وترامب في العاشر من الشهر الجاري، التي تناولت الحرب ضدّ إيران من بين عناوين عدّة. عادت موسكو إلى اقتراحاتها السابقة بشأن النوويّ، أي أن تسلّمها طهران اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة لتتولّى روسيا معالجته بخفض تخصيبه إلى النسبة المسموح بها أي 3.65 في المئة.
هذا سيأخذ وقتاً تمتنع فيه طهران عن التخصيب، بحيث تتمّ تلبية مطلب واشنطن وقف التخصيب، الذي لن تحتاج إليه، لا سيما بعد ردّ روسيا الكميّة (460 كيلوغرام) المخفّضة التخصيب إلى المفاعلات النوويّة الإيرانيّة التي يشرف عليها الخبراء الروس للاستخدام السلميّ.
يترافق ذلك مع صيغة تزيد من الإشراف الدوليّ على المفاعلات الإيرانيّة ومن شراكة موسكو في ذلك. بموازاة ذلك، تُبقي موسكو على تفهّمها لحاجة طهران إلى إنتاج الصواريخ لأنّها سلاح دفاعيّ ثبتت حاجتها إليه ضدّ ضربات إسرائيل. وتشمل اقتراحات موسكو امتناع طهران عن عرقلة الملاحة البحريّة في مضيق هرمز وتهديد جيرانها الخليجيّين الذين تتمتّع والصين بعلاقة جيّدة معهم.
موسكو وبكّين: إيران لن تسقط من الجوّ
ما تزال موسكو على قناعتها بأنّ الحملة الجوّيّة الأميركيّة والإسرائيليّة ضدّ إيران، إذا حصلت، لن تقود إلى سقوطها أو إلى تغيير النظام فيها. واحتلالها متعذّر وليس في حساب إدارة ترامب إرسال جنود على الأرض، خصوصاً أنّ الحشد العسكريّ الأميركيّ في المنطقة لا يدلّ على توجّه كهذا.
في هذا السياق، كرّر الجانب الروسيّ إبلاغ واشنطن بأنّه طالما تتعرّض إيران لهجوم خارجيّ سيبقى هناك حدّ أدنى من التماسك الداخليّ بوجه العدوان، علاوة على أنّ “حرس الثورة” يمسك الأمن في الشارع بيد حديديّة. يعتقد القادة الروس أنّه بمثل رفضهم أيّ هيمنة لإيران على منطقة الخليج ودعوتهم إيّاها إلى ترتيبات أمنيّة تحفظ مصالح دوله كافّة، ويشتركون مع بكّين في رفض انهيارها داخليّاً لتأثير ذلك السلبيّ على الاستقرار في آسيا الوسطى القريبة جغرافيّاً.
تحضيرات الحرب
هل تنجح وساطة موسكو حيث فشل الآخرون؟
لا يملك أيّ من المتابعين لتحرّك بوتين ولافروف “انطباعاً إيجابيّاً حاسماً” ويفضّلون انتظار النتائج. فالمواقف المعلنة لا توحي بإمكان حصول اختراق.
بعيداً عن المبالغات الكلاميّة الأميركيّة والإيرانيّة، فإنّ الترجمة العمليّة لـ “استراحة” المحارب تمثّلت بتسريع أميركا سدّ النقص في صواريخ الدفاع الجوّيّ التي استهلكت مخزونها في الحرب السابقة، وأعادت تزويد إسرائيل بها. و”حرس الثورة” الإيرانية كثّف إنتاج الصواريخ البالستيّة للتعويض عمّا خسره، ويهدّد بقصف المصالح الأميركيّة في المنطقة وخارجها.
