تقود وسائل إعلام إسرائيليّة حرباً نفسيّة ضدّ سوريا، يتداخل فيها استعراض القوّة مع الترويج لتوسيع الحضور العسكريّ، بما يمنح خطابها نبرة إعلان حرب، مدعومةً بأسراب من مروحيّات الأباتشي والبلاك هوك، وبوثيقة الأمن القوميّ التي أعلنها بنيامين نتنياهو
في الخلفيّة، تضيء قراءة نقديّة لمدير معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ، تمير هايمان، مخاطرَ تحوّلٍ يقوم على استثمار ضعف الدول العربيّة وتوسيع المناطق العازلة ومنح الاستيطان وظيفة دفاعيّة. وبين الميدان والعقيدة، تواجه دمشق سؤالاً يتجاوز ضبط الحدود: هل تطلب إسرائيل ضمانات لأمنها أم تسعى إلى تقييد سيادة سوريا وقدرتها على إعادة بناء جيشها؟
المروحيّات واختبار الميدان
تمثّل كثافة حركة المروحيّات وتحليقها المنخفض فوق جنوب سوريا استفزازاً للسلطات السوريّة والأهالي، ومخاطرة أمنيّة تتحمّلها إسرائيل. ويمكن قراءتها بوصفها اختباراً لوجود تهديدات مضادّة للطائرات، ولقدرة دمشق على منع خلايا مسلّحة من استهداف القوّات الإسرائيليّة. لكنّ التحليق على علوٍّ منخفض وإطلاق بالونات حراريّة لا يثبتان وحدهما هذه الأهداف، ولا يؤكّدان تعرّض المروحيّات لتهديد.
قد تستفيد إسرائيل من الطلعات الجوّيّة لتقدير مخاطر توغّل برّيّ أوسع. غير أنّ تحليق المروحيّات من دون استهدافها لا يكشف ما ينتظر الدبّابات والمشاة على الأرض. فحركة القوّات البرّيّة تحكمها التضاريس ومسارات التقدّم، وتختلف ظروف مواجهتها عن الطائرات. لذلك لا تعني حرّية الحركة الجويّة القدرة على السيطرة الآمنة على الأرض.
يترافق النشاط الجوّيّ الإسرائيليّ مع تقارير وشكوك بشأن استخدام إسرائيل تلالاً في جبل العرب، بينها قليب والقينة وصحن في جنوب سوريا. يرتفع قليب نحو 1,700 متر عن سطح البحر، والقينة نحو 1,800 متر، وتفصل بينهما قرابة سبعة كيلومترات. وتفسّر هذه الجغرافيا الاهتمام بالمواقع لأغراض المراقبة، لكنّها لا تثبت وجود قوّات إسرائيليّة عليها.
يبدو احتمال نشر بطّاريّات صواريخ اعتراضيّة في السويداء مستبعَداً في الظروف الراهنة، نظراً إلى متطلّبات الإمداد والصيانة وأطقم التشغيل والحماية، وما تستدعيه من كلفة لوجستيّة. فلا تكفي حركة المروحيّات أو أخبار نقل المعدّات للاستنتاج أنّ منظومة اعتراض يجري إنشاؤها.
مناطق عازلة وسيادة مقيّدة
رغم تجنّب وثيقة نتنياهو تسمية سوريا، فإنّ أولويّة منع التهديدات قبل تشكّلها والحفاظ على التفوّق العسكريّ تضع الجنوب السوريّ في صلب دلالاتها. وتكتسب دعوتها إلى عدم التعويل على نيّات الأعداء والأصدقاء أهميّة خاصّة، فقد لا يكفي التزام دمشق بمنع الهجمات، إذا اعتبرت إسرائيل القدرات التي يمكن أن يبنيها الجيش السوريّ مستقبلاً تهديداً يستوجب المنع.
عندئذ تتجاوز المطالب الإسرائيليّة ضبط الحدود إلى تحديد سقف لقدرات الدولة السوريّة. فالتفاهم على منع الاعتداءات يمكن أن يقوم على التزامات متبادلة، وأمّا اشتراط بقاء الطرف الآخر ضعيفاً فيجعل إعادة بناء قوّاته المسلّحة موضع اعتراض محتمل في كلّ مرحلة.
تتّضح الدلالة حين تربط الوثيقة الدفاع بـ”إقامة مناطق عازلة عند الضرورة”، من دون تحديد نطاقها أو مدّة البقاء فيها. وتفتح هذه الصياغة المجال لتحويل المواقع المتقدّمة إلى ترتيبات طويلة الأمد، قد تصبح معها استعادة دمشق السيطرة على أراضيها رهناً بتقدير إسرائيليّ متغيّر للتهديد. ولا تثبت المبادئ وجود خطّة تفصيليّة للسويداء، لكنّها تفسّر منطقاً ما قد يبرّر توسّع الانتشار.
في المقابل، تكشف تصريحات المبعوث الأميركيّ توم بارّاك حدود الرهان على التدخّل الأميركيّ، فقد دعا إلى وقف العمليّات الإسرائيليّة، لكنّه أبدى عدم يقينه بشأن ما إذا كان الوقت قد حان لتدخّل أميركيّ يوقفها. وتحدّث عن تفاهم وعدم اعتداء يمهّدان للتطبيع، من دون إعلان معاهدة سلام أو موعد لتوقيعها، تاركاً التفاوض مفتوحاً بالتوازي مع الضغط العسكريّ.
هذه الموازاة تمنح الوقائع الميدانيّة وزناً في أيّ تفاهم لاحق، إذ قد تتحوّل المواقع التي تشغلها القوّات الإسرائيليّة إلى أوراق تفاوض، وتصبح المطالبة بالانسحاب منها مرتبطة بشروط إضافيّة. ولذلك يتجاوز الاختبار السوريّ الحصول على تهدئة إلى ضمان ألّا تكرّس الترتيبات الأمنيّة حضوراً دائماً أو قيوداً مفتوحة على السيادة.
الاستيطان واستثمار ضعف الدّولة
تكتسب قراءة تمير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة “أمان”، أهمّيّتها من تفكيكها لهذه الاتّجاهات. ففي ورقته “مفهوم الأمن القوميّ الجديد: بلورة المفهوم وأسئلة للنقاش”، المنشورة يوم 12 تشرين الأوّل 2026، يستخلص تحوّلاً من الممارسة الإسرائيليّة وينتقده، موضحاً أنّ عرضه يتضمّن مبالغة مقصودة لإثارة النقاش. وهي قراءة نقديّة، وليست برنامجاً حكوميّاً.
تحت عنوان “رفض الوجود المستقلّ للدول العربيّة”، يعرض هايمان تصوّراً يعتبر معظم الدول العربيّة تجمّعات قبليّة وإثنيّة، ويرى في زعزعة استقرارها وضعاً أسهل لإسرائيل من مواجهة دول قويّة. وبالنسبة لسوريا، يثير ذلك احتمال تعارض توحيد المؤسّسات والسلاح مع توجّه يجد منفعة في استمرار ضعف الدولة وتعدّد مراكز القوّة.
يمتدّ النقد إلى منح الاستيطان وظيفة أمنيّة، عبر تجمّعات وبؤر في مناطق تشمل سوريا ولبنان وغزة. ويحذّر هايمان من أنّ ذلك يحمّل الجيش مسؤوليّة حمايتها، ويوسّع الدفاع المتقدّم بما يزيد اضطراب الدول المجاورة.
هنا يتقاطع تحذيره مع خطاب حركة “رواد باشان”، التي احتفت يوم الأربعاء في 21 تشرين الأوّل بتقارير عن موقع عسكريّ جنوب سوريا، ودعت إلى إتباعه باستيطان مدنيّ، ونشرت صورة لـ”ممرّ درعا” الذي يربط الجولان السوريّ المحتلّ بالسويداء. وهذا طموح استيطانيّ لا يثبت قراراً حكوميّاً ولا تنصّ وثيقة نتنياهو صراحةً على الاستيطان داخل سوريا.
في النهاية، تظهر حدود القوّة حين تسعى إسرائيل إلى تحويل تفوّقها العسكريّ إلى ترتيب سياسيّ دائم تفرضه على جيرانها. فالتوسّع في السيطرة يضاعف أعباء الحماية والإمداد، ويولّد أسباباً جديدة للاحتكاك، وقد يغدو مصدراً للاستنزاف بدلاً من أن يحقّق الأمن الموعود. أمّا بالنسبة لسوريا، فيكمن الخطر في أن تُعامَل استعادة الدولة قوّتها وسيادتها بوصفها تهديداً يستدعي تدخّلاً إسرائيليّاً متجدّداً، فتظلّ قدرتها على النهوض رهينة شروط أمنيّة تضعها إسرائيل وتغيّرها وفق مصالحها.
