ما الذي يعنيه حقًا أن تفوز بجائزة مرموقة، لكن هناك ما يمنعك من الحضور لتسلمها؟ لطالما اصطدم الفن بالسياسة، ودفع الفنان وحده ثمنا باهظًا. ربما لهذا لجأ صاحب “كليلة ودمنة” إلى إظهار مواقفه على ألسنة الحيوانات، خشية أن يُقال إن بيدبا الفيلسوف عاش في عصر الطغيان وآثر الصمت. هذه القصة تغرينا بالتساؤل عن دور الفنان، لا سيما في زمن تتزايد فيه الضغوط على الحريات، حيث ساد مبدأ البقاء على قيد الحياة بأي ثمن. فهل يكفي الفنان أن يكون صانعًا للجمال وسط عالم مليء بالقبح، أم أنّ ملكته الربانية تلزمه بتعديل الواقع؟
منذ أيام تداولت الصحف خبر فوز الروائية الأيرلندية سالي روني، بجائزة سكاي آرتس عن روايتها الرابعة “فاصل زمني” (Intermezzo). وهي واحدة من أبرز الفعاليات الثقافية في بريطانيا وأيرلندا، إذ تحتفي سنويًا بالإنجازات الاستثنائية في أحد عشر فرعًا فنيًا تشمل الأدب، والموسيقى الكلاسيكية، والكوميديا، والرقص، والسينما، والأوبرا، والشعر، والموسيقى الشعبية، والمسرح، والتلفزيون، والفنون البصرية. كما تتضمن الجوائز الخاصة البارزة، مثل جائزة ذا تايمز للاكتشاف الجديد، وجائزة الإنجاز مدى الحياة، وجائزة بطل الفنون، جميعها تكريمًا لأصحاب البصمات المتفردة والمواقف الريادية في دعم الفنون.
غير أن روني الفائزة في فئة الأدب، لم تحضر الحفل الذي أُقيم في لندن مساء الخميس 18 أيلول/ سبتمبر. وكانت قد أعلنت عن عدم قدرتها على دخول المملكة المتحدة خشية الاعتقال، إثر دعمها لحركة “فلسطين أكشن” (Palestine Action).
فمنذ متى بات دعم فلسطين جريمة تستحق الاعتقال؟ وما الذي يجعل بلدًا مثل بريطانيا يمنع كاتبًا من دخول أراضيه؟
من الاحتجاج إلى قوائم الإرهاب
يبدو أن الصراع لا يقتصر على الفنان وحده، بل يمتد إلى كل من يطمح إلى تغيير الواقع. فقد خرجت حركة “فلسطين أكشن” من رحم الغضب الشعبي في بريطانيا أوائل العقد الماضي، احتجاجًا على تورّط شركات محلية في تزويد الجيش الإسرائيلي بالسلاح، خصوصًا فرع شركة Elbit Systems UK المتخصصة في الطائرات المسيّرة التي تُستخدم في تدمير الفلسطينيين. عام 2020 أسّسها الناشط البيئي ريتشارد برنارد بالمشاركة مع الناشطة البريطانية الفلسطينية هدى عموري بوصفها مبادرة للفعل الحقيقي، لا مجرد احتجاجات تقليدية، فعمدوا إلى تعطيل مصانع السلاح وسلاسل التوريد للضغط على الحكومة البريطانية لإنهاء ما وصفوه بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي”. لكن، وكما هي العادة، لم تزد الإدانات الرسمية والتنديدات الصاخبة عن كونها طنينًا في فراغ؛ فالمصانع ما زالت تعمل، والطلاء الأحمر الذي صبغ جدرانها غُسل سريعًا بالماء، لتعود الطائرات بلا حرج إلى التحليق فوق أهل غزة.
استلهمت الحركة تكتيكاتها من تاريخ العصيان المدني في حركات الحقوق المدنية الأميركية ومناهضة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، مع تركيزها على التخريب المحدود للممتلكات كأداة ضغط، ما جعلها مثار جدل قانوني مستمر، رغم أنها تعرّف نفسها بأنها غير مسلّحة وتكتفي بالاعتصامات وإغلاق المنشآت وطلاء الجدران. من هنا صنّفتها الحكومة البريطانية في تموز/ يوليو 2025 “منظمة إرهابية”، ما يجرّم أي دعم مالي أو لوجستي لها. أما في القانون الدولي، فلم تُدرج على أي قوائم أممية أو أوروبية، وتشير منظمات حقوقية إلى أن نشاطها أقرب إلى احتجاج راديكالي يخرق قوانين الملكية منه إلى الإرهاب الذي يستهدف المدنيين.
في خضم هذا الجدل، أعلنت الروائية الأيرلندية سالي روني في آب/ أغسطس الماضي نيتها توجيه عائدات أعمالها لدعم الحركة، ما يعرّضها لمساءلة قانونية قد تصل إلى الاعتقال من دون مذكرة بموجب قانون الإرهاب البريطاني، حتى لو اقتصر دعمها على التعبير العلني في المهرجانات والفعاليات الثقافية. لهذا اضطر ناشرها أليكس باولر إلى تسلّم الجائزة نيابة عنها، وقرأ بيانها الذي قالت فيه:
“ممتنّة جدًا للحصول على هذه الجائزة، تمنيت لو كنت معكم لتسلّمها شخصيًا، لكن دعمي للاحتجاج السلمي المناهض للحرب يجعل دخولي المملكة المتحدة غير آمن، مع احتمال الاعتقال”، مؤكدة تضامنها مع الشعب الفلسطيني.
على خط المواجهة
يأتي موقف سالي روني الأخير في سياق سجلٍّ حافل بالثورية، يوازي مسيرتها الأدبية منذ بداياتها. فإلى جانب انشغال أعمالها بالعلاقات الإنسانية في الزمن السائل، والحوار المنسوخ من أحاديثنا اليومية، عُرفت روني بمواقفها السياسية والاجتماعية والأيديولوجية، ودعمها للمرأة والمهمشين. في عام 2021 تورطت في معركة ثقافية عالمية، عندما رفضت عرضًا من ناشر إسرائيلي بترجمة روايتها “أيها العالم الجميل، أين أنت؟” إلى العبرية. وهو ما ألقى عليها اتهامات بمعاداة السامية، إذ رأت غيتيت ليفي- باز، من معهد سياسة الشعب اليهودي، أن قرارها “يتعارض مع روح الأدب” لأنه يستبعد قرّاءً لمجرد هويتهم القومية، مؤكدة أن الأدب يجب أن يبقى بعيدًا عن السياسة. أما الناقدة الأميركية روث فرانكلين فاتهمتها بالكيل بمكيالين، مشيرة إلى أن كتب روني تُترجم إلى الصينية والروسية رغم قضايا حقوق الإنسان هناك.
وقتها أكدت روني أن قرارها “ليس رفضًا للغة العبرية أو القرّاء اليهود” بل جاء تضامنًا مع الفلسطينيين ورفضًا للتطبيع مع مؤسسات تدعم الاحتلال، وهو ما قوبل بإشادات واسعة، حتى أن مؤسسة محمود درويش الفلسطينية قررت منحها جائزة الشاعر الراحل، تقديرًا لموقفها المؤيد للقضية، لكنها فاجأت القائمين على الجائزة برفضها التكريم من دون أن تقدّم تفسيرًا علنيًا، في خطوة رآها كثيرون استمرارًا لمبدئها في المقاطعة الثقافية وابتعادًا عن أي احتفاء رسمي قد يختزل التزامها في مجرد جائزة رمزية.
على الوتيرة نفسها، انضمت في آب/ أغسطس 2025 إلى عريضة دولية لإعادة تشغيل برنامج Pause الفرنسي، وهي مبادرة أُنشئت عام 2017 لإيواء الكتّاب والفنانين والعلماء المهددين في مناطق النزاع، بعد أن علّقت الحكومة الفرنسية البرنامج إثر اتهام طالب فلسطيني بتصريحات معادية للسامية. إلا أن روني رأت، ومعها أسماء شهيرة مثل نوبلية الآداب آني إرنو والكاتب الفيتنامي الأميركي فييت ثانه نغوين وعبد الرزاق قرنح ونعومي كلاين، أن هذا التعليق يشكّل “عقابًا جماعيًا” ويقوّض الجهود الإنسانية لحماية المثقفين الفارّين من الحرب.
| أعلنت روني عن عدم قدرتها على دخول المملكة المتحدة خشية الاعتقال، إثر دعمها لحركة “فلسطين أكشن” (Palestine Action) (Getty) |
“فاصل زمني”
وُلدت روني عام 1991 في بلدة كاسلبر في مقاطعة مايو الأيرلندية، وبدأت مسيرتها الأدبية بروايتها اللافتة “أحاديث مع الأصدقاء” (Conversations with Friends, 2017) التي قدّمت من خلالها عالمًا حميميًا من العلاقات المعقّدة والحوار اليومي الحاد، ونالت عنها لقب كاتبة جيل الألفية. بعدها توالت الألقاب من “سالينجر العصر” إلى “صوت الرأسمالية المتأخرة”، مع صدور روايتها “الناس العاديون” (Normal People, 2018) التي حققت مبيعات ضخمة وحُوّلت إلى مسلسل تلفزيوني نال جوائز عدة، مُكرِّسة أسلوبها القائم على كشف هشاشة العلاقات العاطفية وقوة الصمت بين السطور.
في عام 2021 أصدرت روايتها الثالثة “أيها العالم الجميل، أين أنت؟” (Beautiful World, Where Are You) المبنية على تقنية المراسلة بين صديقتين عبر البريد الإلكتروني، بحيث تتقاطع هذه الرسائل مع الفصول السردية وتدفع الحكاية إلى الأمام.
يمتاز أدب روني بلغة متقشفة ونبرة حوارية قريبة من الكلام اليومي، مع اهتمام بالغ بتفكيك ديناميكيات الحب والصداقة والطبقة الاجتماعية. وقد حازت أعمالها جوائز عدّة منها جائزة كوستا للرواية، كما رُشِّحت لجائزة البوكر العالمية، ما جعل اسمها يحقق حضورًا استثنائيًا في المشهد الأدبي العالمي، إذ تحوّل صدور كل عمل جديد لها إلى ما يشبه حدثًا جماهيريًا. ومع صدور “فاصل زمني”، امتلأت المكتبات بطوابير القرّاء، وافتتحت متاجر أبوابها ليلًا خصيصًا لإطلاقها، مدفوعة بدعاية لافتة من حقائب وأغطية رأس تحمل أغلفة كتبها، ما رسّخ مكانتها كظاهرة ثقافية نادرة تجمع بين الأدب الرفيع والجاذبية الشعبية.
تصوّر الرواية علاقة متوترة بين شقيقين يبدوان على طرفي نقيض: بيتر، المحامي الثلاثيني الأنيق والمنفتح، وإيفان، لاعب الشطرنج الانطوائي الأصغر بعشر سنوات. بعد وفاة والدهما بالسرطان؛ الحدث المفصلي الذي يستحضره العنوان باعتباره استراحة للتأمل، يغرق بيتر في المهدئات ويمزقه التردد بين حبه القديم لسيلفيا المصابة بعجز جسدي وعلاقته الجسدية العابرة مع ناعومي، فيما ينجذب إيفان إلى مارغريت الأكبر منه سنًا، ما يغيّر نظرته إلى النساء ويعيده إلى بطولات الشطرنج طامحًا إلى لقب “أستاذ دولي”. وكما في أعمال سالي روني الأخرى، تتشابك هنا حاجات الرجال إلى العطاء مع رغبة النساء في التلقي، ويتسع مفهوم الحب ليشمل الأصدقاء والأمومة وحتى علاقة إيفان بكلبه الذي يستعيده في الختام.
أشاد النقاد والقراء بالنضج الأسلوبي الذي أظهرته روني في “فاصل زمني”، معتبرين أنها بلغت ذروة قدرتها على تفكيك العاطفة الإنسانية وتعقيداتها. بينما اعتبر بعضهم أن البطء المقصود وتفاوت عمق الشخصيات الثانوية قد يثقل على بعض القراء، خصوصًا مع امتداد الرواية إلى 448 صفحة.
مع ذلك، ظلّ الإجماع قائمًا على أنّ “فاصل زمني” تمثّل تجربة روائية فريدة تكشف وعي سالي روني العميق بهواجس الجيل الرقمي، على الرغم من ابتعادها الصارم عن منصّات التواصل الاجتماعي وانخراطها الفعلي في قضايا عصرها الملتهبة على أرض الواقع. وهكذا تتجاوز روني حدود الدور التقليدي للمبدع، مقدّمةً صورة مشرقة للفنان في شبابه؛ لا بوصفه صانعًا للجمال من برجٍ عاجي، بل كضمير حيّ لأمّته والعالم، مستعدّ لمواجهة الهجمات والاتهامات والصدام مع مؤسّسات السلطة دفاعًا عن قناعاته، حتى لو فوّت أهمّ حدث في حياته؛ لحظة تتويجه بجائزة. المصدر ضفة ثالثة