في السنوات الأخيرة، أصبح لدينا عدد لا بأس به من الكتب والدراسات التاريخية التي تناولت حياة العبيد الافارقة في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وكشفت عن جوانب ظلت مجهولة من تاريخ هؤلاء الذين اقتلعوا من مجتمعاتهم الأصلية، ونقلوا عبر المحيط الأطلسي للعمل في المزارع والمنازل والمشروعات الاقتصادية الناشئة في العالم الجديد. ومن بين الموضوعات التي حظيت باهتمام متزايد، تاريخ المسلمين الافارقة، الذين وصلوا إلى القارتين ضمن تجارة الرقيق، وحملوا معهم لغاتهم وتقاليدهم الدينية، وبعضهم احتفظ بمعرفته باللغة العربية وبقدرته على قراءة القرآن وكتابته، رغم الظروف القاسية التي عاشها.
واللافت أن لدينا، على صعيد أمريكا اللاتينية، وتحديدا البرازيل، شهادة تاريخية مهمة كتبها رجل دين دمشقي اسمه عبد الرحمن البغدادي، زار البرازيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ستينيات ذلك القرن، وترك رحلة حققت ونشرت في العصر الحديث. وقد التقى البغدادي هناك جماعات من المسلمين الأفارقة الذين وصلوا إلى البلاد في ظروف العبودية، ثم عاشوا في مدنها، وحافظ بعضهم على جانب من هويته الدينية. وتكشف رحلته عن مجتمع إسلامي افريقي كان موجودا في البرازيل، قبل وصول المهاجرين العرب بعقود طويلة، وعن مسلمين حافظوا على صلاتهم بالقرآن والعربية، رغم ما أصاب ثقافتهم الدينية من تغيرات نتيجة الانقطاع الطويل عن مجتمعاتهم الأصلية.

لكن الطريف في هذه القصة أن تاريخ المسلمين الافارقة في الأمريكتين يحمل حكايات أخرى يصعب تصور حدوثها. ومن بينها حكاية يرويها كتاب «الهاربون المسلمون في عهد جيفرسون: القصة المنسية لافارقة مستعبدين ورسائلهم العربية ورئيس أمريكي»، للمؤرخ الأمريكي جيفري آينبودن، وهو كتاب لم يحظ، بترجمة عربية منشورة حتى الآن. وقد اعتمد مؤلفه على مراسلات رئاسية ووثائق محفوظة في الأرشيفات الأمريكية، بينها مخطوطات عربية كتبها أفارقة مسلمون كانوا يعيشون العبودية، ليكشف عن واقعة غريبة وصلت فيها رسائل رجلين افريقيين إلى الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون، أحد أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وصاحب إعلان استقلالها.
تبدأ الحكاية في ربيع عام 1807، في المناطق الغربية من الولايات المتحدة، حين كان رجلان افريقيان يحاولان الهرب من العبودية. لا نعرف اسميهما، ولا البلد الذي قدما منه على وجه الدقة، وإن كانت القرائن التي يناقشها المؤلف ترجح انتماءهما إلى المجتمعات الإسلامية في غرب افريقيا. وكانا قد وصلا إلى الأراضي الأمريكية ضمن عالم تجارة الرقيق الأطلسية، الذي نقل أعدادا كبيرة من الأفارقة إلى العالم الجديد. ومن بين هؤلاء آلاف المسلمين الذين نشأوا في مجتمعات عرفت المدارس القرآنية والتعليم العربي، قبل أن يجدوا أنفسهم في مزارع القطن والتبغ وغيرها من مواقع العمل القسري.
اختار الرجلان الهرب شرقا، وسارا في المناطق المحيطة بنهر كمبرلاند، الذي يمر عبر أجزاء من تينيسي وكنتاكي. كانت تلك المناطق تمثل أطراف التوسع الأمريكي نحو الغرب، حيث تتباعد المستوطنات وتنتشر الغابات والأنهار، وتظل سلطة القانون مرتبطة إلى حد كبير بأحكام المجتمعات المحلية ومخاوفها. وتقدم الرجلان عبر هذه الأراضي في محاولة للوصول إلى مكان يستطيعان فيه استعادة حريتهما، وربما الاقتراب من الساحل الأطلسي الذي يفصلهما عن افريقيا، لكن رحلتهما انتهت في مقاطعة كريستيان في ولاية كنتاكي، حيث قبض عليهما السكان، على الأرجح قبل نهاية مايو/أيار 1807، واحتجزا للاشتباه في أنهما عبدان هاربان.
كانت المشكلة التي واجهت السلطات المحلية أن الرجلين لم يستطيعا التحدث بأي لغة يفهمها المحيطون بهما. عجز السكان عن معرفة اسميهما وأصلهما، وعن تحديد المكان الذي جاءا منه أو الجهة التي كانا يقصدانها. وكان الرجلان، في المقابل، عاجزين عن الدفاع عن نفسيهما باللغة الإنكليزية، بينما ارتبط مصيرهما بقدرة الآخرين على فهم قصتهما. وقد أدرك المحتجزون أن هذين الافريقيين يملكان معرفة غريبة بالنسبة إليهم، إذ كانا يستطيعان الكتابة بحروف لم يألفها معظم سكان المنطقة.
كانت تلك الحروف عربية
طلب الرجلان الورق وكتبا نصين بالعربية، على أمل أن يستطيع شخص ما قراءتهما ومعرفة قصتهما. ويكشف المؤرخ آينبودن أن الوثيقتين احتوتا على عبارات وآيات قرآنية، ظهرت في بعضها أخطاء كتابية واختلافات في رسم الكلمات. ومن بين ما استطاع التعرف إليه لاحقا إشارات إلى سورة العاديات، والتي تبدأ مقدمتها بالآيات القرانية التالية: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، التي تشير حسب عدد من المفسرين الى مشهد الخيل الجارية. وقد وجد المؤلف في هذه الإشارة مفارقة مؤثرة، فالرجلان اللذان كانا يهربان عبر الأراضي الأمريكية كتبا آيات تستحضر العدو والحركة، بعدما أوقفت السلطات رحلتهما نحو الحرية.
وظهرت في إحدى الوثيقتين أيضا الآية القرآنية «وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين»، وهي آية من سورة الصف. ولا نستطيع الجزم بأن الرجلين اختاراها تحديدا للتعبير عن أملهما بالنجاة، لكن وجودها في نص كتبه شخصان محتجزان، بعدما فشلت محاولة هروبهما، يضفي على الوثيقة معنى إنسانيا خاصا. فقد كانت العربية بالنسبة إليهما وسيلة للتعبير عن هويتهما الدينية، وربما وسيلة أخيرة لمحاولة التواصل مع عالم عجز عن فهم كلامهما.
وفي تلك الأثناء وصل إلى كنتاكي رجل أمريكي اسمه إيرا ناش، كان مسافرا عبر المناطق الغربية في طريقه إلى الشرق. وكان ناش شخصية غريبة الأطوار، عرف حياته بين المناطق الحدودية الأمريكية، وامتلك أراضي في لويزيانا قبل أن تشتريها الولايات المتحدة من فرنسا عام 1803. وقد اكتسب سمعة رجل كثير التنقل والمغامرات والخلافات، لكنه كان أيضا معروفا ببعض المواقف الإنسانية. وعندما علم بقصة الافريقيين المحتجزين واطلع على كتاباتهما، قرر حمل الوثيقتين إلى واشنطن ومحاولة إيصال القضية إلى الرئيس جيفرسون نفسه.
في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1807، عاد جيفرسون إلى البيت الرئاسي في واشنطن، بعد رحلة من منزله في مونتيسيلو في فيرجينيا. وكان منشغلا بأزمات سياسية وعسكرية عديدة، بينها التوتر المتصاعد مع بريطانيا، ومحاكمة نائبه السابق آرون بور، الذي اتهم بالتورط في مؤامرة تهدد الدولة الأمريكية. وفي مساء ذلك اليوم وصلته رسالة قصيرة من رجل لم يسبق له أن عرفه، يطلب مقابلته لأنه يحمل إليه مسألة بالغة الأهمية.
وافق الرئيس على استقباله في اليوم التالي، الرابع من أكتوبر، وحين دخل الرجل عليه وضع أمامه وثيقتين مكتوبتين بالعربية، وأخبره بحكاية الافريقيين المحتجزين في كنتاكي.. لم تكن العربية مجهولة تماما لجيفرسون. فقد اشترى نسخة إنكليزية من القرآن عام 1765، حين كان طالبا للقانون، وكانت له معرفة سابقة بتاريخ العالم الإسلامي من خلال اهتماماته الفكرية وعمله الدبلوماسي. كما سبق له أن تعامل مع رسائل عربية خلال المفاوضات الأمريكية مع المغرب والجزائر وطرابلس، وكانت علاقات الولايات المتحدة مع دول شمال افريقيا من أبرز الملفات الخارجية في سنوات رئاسته. لكنه، على الرغم من هذه المعرفة، لم يكن قادرا على قراءة الوثيقتين اللتين وصلتا إليه من كنتاكي.
وفي الثامن عشر من أكتوبر 1807، قرر جيفرسون الاستعانة بصديقه روبرت باترسون، أستاذ الرياضيات في جامعة بنسلفانيا، الذي كان معروفا باهتمامه باللغات والرموز وطرق التشفير، فضلا عن مشاركته في الحركة المناهضة للعبودية. وكتب إليه رسالة شرح فيها قصة الرجلين قائلا، إن شخصين اعتقلا في كنتاكي واحتجزا للاشتباه فيهما، لأنهما لا يستطيعان التعريف بنفسيهما، ولا يتكلمان كلمة واحدة بلغة يفهمها السكان هناك. وأرفق الرئيس بالرسالة المخطوطتين العربيتين اللتين تسلمهما من ناش، موضحا أنه يعتقد أن الكتابة قد تتضمن رواية الرجلين عن أصلهما وحياتهما، وطلب من باترسون البحث عمن يستطيع ترجمتها. وكانت تلك المراسلة أول وثيقة رئاسية معروفة تتناول صراحة الكتابتين العربيتين اللتين تركهما الافريقيان.
وصلت رسالة جيفرسون إلى فيلادلفيا، وبدأ باترسون البحث عن مترجم.
وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، كتب إلى جيفرسون معبرا عن أسفه لأنه لم يتمكن من الحصول على ترجمة للوثيقتين. لكنه اتخذ خطوة مهمة لحفظهما، إذ أعد نسخة مطابقة للأصل، وأرسل إحداها إلى الرئيس واحتفظ بأخرى لمواصلة البحث. وبفضل هذا الإجراء بقي أثر الكتابتين محفوظا في الأرشيف الأمريكي، حتى بعدما ضاعت إحدى الورقتين الأصليتين في وقت لاحق. وتوجد النسخة التي أعدها باترسون في مكتبة الكونغرس، بينما عثر آينبودن على إحدى المخطوطتين الأصليتين ضمن أوراق جيفرسون المحفوظة في الجمعية التاريخية في ولاية ماساتشوستس. وتضمنت رسالة باترسون اقتراحا غريبا مفاده أن فحص ختان الرجلين قد يساعد في التأكد من كونهما مسلمين.. لكنه عاد وأكد أن هذا الفحص، حتى لو قدم قرينة على دينهما، فلن يجيب عن المسألة الأساسية المتعلقة بوضعهما القانوني، وهل كانا حرين أم مستعبدين. ولذلك اختتم رسالته بتعبير إنساني مؤثر، مؤكدا أن العدالة والإنسانية تناشدان بقوة إنصافهما.
وصل رد باترسون إلى جيفرسون يوم السادس والعشرين من أكتوبر، في وقت كان الرئيس يستعد لافتتاح دورة جديدة للكونغرس الأمريكي. وهكذا انتهت محاولة الترجمة الأولى إلى نتيجة محدودة. فقد استطاع جيفرسون تأمين نسخ من الوثيقتين، وأثار اهتمام بعض المتخصصين بالعربية، لكنه بقي عاجزا عن معرفة قصة الرجلين اللذين كتبتا بسببهما.
بعد أكثر من قرنين على الحادثة، عاد المؤرخ جيفري آينبودن إلى المراسلات الرئاسية والأرشيفات الأمريكية، وتمكن من جمع أطراف القصة وإعادة قراءة الكتابات العربية التي ظلت مجهولة، أو غير مفهومة لأصحابها الأمريكيين. وقد ساعدته معرفته بالعربية وبالتراث القرآني على التعرف إلى آيات وعبارات بقيت عصية على الأشخاص الذين حاولوا ترجمتها عام 1807. ومن بين النصوص التي حددها، إلى جانب الإشارة إلى سورة العاديات وآية «نصر من الله وفتح قريب»، مواد من سورة الناس، وهي السورة الأخيرة من القرآن.
وكان في القصة ما يتجاوز حكاية وثيقتين نادرتين. فقد كشفت عن وجود مسلمين أفارقة متعلمين بالعربية في الولايات المتحدة منذ السنوات الأولى لنشأة الجمهورية، وعن رجال استطاعوا الاحتفاظ ببعض معارفهم الدينية، رغم انتقالهم القسري من غرب افريقيا إلى العالم الجديد. وكشفت كذلك عن مفارقة تاريخية تتعلق بجيفرسون نفسه، الذي كتب إعلان الاستقلال الأمريكي ودافع عن قيم الحرية، بينما بقي مالكا لمئات المستعبدين خلال حياته، ووجد نفسه ذات يوم أمام رسالتين كتبهما رجلان حرمتهما العبودية من الحرية.
كاتب سوري