-
باسم محمود… المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
كنتُ في الثالثة عشرة عندما سمحوا لنا بزيارة أبي، بعد نحو ثلاثة أشهر من اعتقاله.
لا أتذكر الطريق إلى مكان الاعتقال بقدر ما أتذكر ما كان يحيط بالمكان. كانت هناك أشجار، وحديقة صغيرة، ثم ممرّ يقود إلى مبنى الزيارة. كنا نسير باتجاه المبنى، نحاول أن نعرف أين يقف أبي. كنتُ أمشي أمام أمي بخطوات قليلة. مررتُ أمام نافذة كبيرة عليها شبك معدني تُطلّ على الحديقة مباشرة. كانت تبعد عني نحو عشرة أمتار. رأيتُ ثلاثة رجال واقفين. نظرتُ إليهم وتابعتُ السير أبحثُ عن والدي. فجأة سمعتُ أمي تناديني: «هنا… هنا».
توقفت، والتفتُّ إليها. كانت تشير إليَّ أن أعود. عدتُ إليها، ثم سرنا معاً حتى وقفنا أمام النافذة. كان الرجل الذي مررتُ أمامه قبل لحظات هو أبي. كان في الوسط وحوله عُنصرَا أمن.
كان وجهه وجسده هزيلين جداً. وأظنه كان يطلق لحية خفيفة، وكأنَّ رأسه كان قد حُلِقَ على الصفر قبل فترة قصيرة. أو هكذا تُعيدُ ذاكرتي رسمَ صورته بعد أكثر من ثلاثين عاماً. لا أتذكر ماذا كان يرتدي.
نظرتُ إليه.
لم أعرفه.
نظر إلينا وقال:
«مين؟»
تدخَّلَ أحد عنصري الأمن الواقفين إلى جانبه وقال:
«زوجتك وأولادك… ألا تعرفهم؟»
هزَّ رأسه وقال بصوت منخفض:
«نعم عَرفتُهُم».
قال لي: «سَلِّم علي». لم أفهم كيف. نظرتُ إليه، ثم إلى أمي. فأمسكتْ بيدي ورَفعَتها حتى لامست كفه من وراء الشبك. ثم تابعَ حديثه بشكل طبيعي. لن أنقل ما قاله بعد ذلك. أريد أن يبقى ذلك الحديث بيني وبينه. لكنني أريد أن أتوقف هنا، عند الكلمة التي بقيت ترنُّ في ذاكرتي طوال هذه السنوات: «مين؟».
حتى اليوم، لا أعرف لماذا قالها أكثر من مرة. هل كان بصره قد تأثَّرَ بما تَعرَّضَ له؟ هل كانت عيناه، بعد أشهر من العتمة، تحتاجان إلى وقتٍ كي تعتادا على ضوء الشمس؟ هل كان يحاول أن يحمينا؟ أم أنه فُوجِئ لأنه كان يعتقد أن بعضنا قُتل وأن البقية معتقلون، فلم يُصدِّق أننا أمامه في الخارج؟ أم أنَّ في التعذيبِ ما يجعل الإنسان يتردَّد لحظة قبل أن يعترف حتى بأقرب الناس إليه؟ أم هذه الأمور كلها؟
لا أملك جواباً. وحده يعرف.
كل ما أعرفه أنني، وأنا في الثالثة عشرة، مررتُ أمام أبي، نظرتُ إليه، ثم واصلتُ السير أبحث عنه في مكان آخر.
لم أفهم يومها ما هو التعذيب.
لم أرَ غرفة تحقيق، ولم أشاهد زنزانة، ولم أسمع صراخاً. لم أرَ أحدًا يضربُ أبي، ولم أرَ آثار التعذيب كما تُعرَض في الصور أو التقارير. كل ما رأيته كان رجلاً مررتُ أمامه، ولم أعرف أنه أبي.
ربما لهذا أفكر اليوم في أن الأطفال لا يَتعرَّفون إلى التعذيب بالطريقة التي يَتعرَّفُ إليه الكبار بها. فالكبار يعرفونه من خلال أدواته وآثاره على الجسد، أما الأطفال فيعرفونه من خلال ما يفعله بالعلاقات. يكتشفونه حين يصبح وجه الأب غريباً، وحين يتردد الأب في التعرُّف إلى أبنائه. بالنسبة لطفل في الثالثة عشرة، لم يَكُن التعذيب كلمة، ولا ممارسة، ولا جريمة موصوفة في قانون. كان سؤالاً بسيطاً ومُربِكاً: كيف يمكن أن أنظر إلى أبي ولا أعرفه؟
لم أدرك آنذاك أن التعذيب لا يستهدف الجسد وحده. إنه يُعيد تشكيل الطريقة التي يظهر بها الإنسان أمام أَحَبِّ الناس إليه. يترك أثره على الوجه، وعلى الجسد، وعلى النظرة، وعلى الصمت، حتى تصبح العلاقة نفسها جزءاً مما أصابه التعذيب. وما بقي في ذاكرتي من تلك الزيارة ليس تفاصيل السجن، ولا عنصرَي الأمن، بل تلك اللحظة التي مررتُ فيها أمام أبي، ثم واصلتُ السير أبحثُ عنه في مكان آخر.
خرجنا من مكان الزيارة، واستوقَفنا سيارة أجرة. تعمدتُ أن أجلس في المقعد الأمامي، إلى جانب السائق، وتركت أمي وأخي الأصغر في المقعد الخلفي. لم أُرِد لهما أن يَريَاني أبكي. بكيتُ طوال الطريق، أُحدق عبر زجاج السيارة إلى الخارج، وأمسحُ دموعي قبل أن يلتفت السائق نحوي. لم أكن أفهم ما الذي رأيته قبل قليل.
بعد تلك الزيارة، أصبحت أمي تترقّب أيَّ خبر عن زيارة جديدة ممكنة. كنتُ أسمعها تتحدث مع أقاربنا وجيراننا عن إشاعات خرجت من هنا أو خبر وصل من هناك، وأنَّهم ربما سيَسمحون بزيارة جديدة. كانت تلك الأحاديث تمنحها أملاً، أمّا أنا فكانت تثير في داخلي خوفاً لا أفهمه. كنتُ أسمعُهم يتحدثون، فأصمت. وأتردَّد من دون أن أبوح لأحد. وبالفعل، كانت هذه الزيارة الوحيدة.
بقيت سنوات طويلة ألوم نفسي. كيف لطفل حُرِمَ من أبيه أن يتردد في اغتنام الفرصة المتاحة ليكون مع والده؟ لم أجد جواباً لهذا السؤال، ولا أملكه كاملاً حتى اليوم. عرفتُ لاحقاً أن كثيراً من المعتقلين كانوا يخشون الزيارات نفسها، لأنهم كانوا يتعرضون لتعذيب شديد قبل إخراجهم إلى الزيارة وبعد انتهائها، حتى إن بعض العائلات آثرت التوقف عن الزيارة خوفاً على أحبائها. ربما يكون ذلك قد حدثَ مع أبي. ومنذ عرفت ذلك، تصالحت مع الطفل الذي كُنته.
ما أعرفه اليوم أن الزيارة الأولى لم تكن مجرد لقاء مع أبي. كانت لقائي الأول مع التعذيب، قبل أن أعرفَ اسمه. ربما لهذا لم أَعُد أستطيع أن أفصل بينهما، وربما لهذا كنتُ أخاف قبل أن أعرف ممَّ أخاف.
بعد أكثر من ثلاثين عاماً، ما زلت لا أعرف لماذا قال أبي: «مين؟»، وقد لا أعرف ذلك أبداً. لكنني أعرف أن الطفل الذي خرج من تلك الزيارة خرجَ وهو يحمل شيئاً لم يكن يعرف اسمه. فقد تعرَّفَ إلى التعذيب من خلال ما فعله بوجه أبيه، وبالعلاقة بين أب وابنه، في لحظة لم يستطع أحدهما أن يتعرَّفَ فيها إلى الآخر كما ينبغي.
مرت ست سنوات على تلك الزيارة.
كنتُ في مدينة أخرى عندما وصلني الخبر. طُلِبَ من أعمامي مراجعة أحد الفروع الأمنية بخصوص والدي. في تلك الأيام، ما استقرَّ في ذهني أنا والعائلة هو احتمالٌ واحد: سيخرج أبي من السجن. ركبت أول حافلة عائداً إلى مدينتي. لا أذكر شيئاً من الطريق. أذكر فقط الفكرة التي رافقتني طوال الرحلة.
كنتُ قد سمعت، قبل ذلك بمدة، أنه أُفقِدَ بصره في السجن. لا أعرف اليوم إن كانت تلك المعلومة صحيحة، أم مجرد شائعة تناقلها الناس. لكن قلتُ لنفسي: سأفترض الأسوأ. جلستُ في مقعدي، وأخذتُ أَتخيَّلُ لحظة لقائنا. لم أفكر في آثار التعذيب على جسده، ولا في سنوات السجن التي عاشها. كان كل ما يشغلني سؤال واحد: كيف ستكون حياته الآن من دون نظره؟ ثم وجدت نفسي أجيب، كما لو أن الطفل الذي كنته قبل سنوات هو من يتكلم: حسناً… سأكون عينيه.
لم تكن جملة بطولية ولا وعداً كبيراً. كانت الطريقة الوحيدة التي استطعتُ بها، وأنا في ذلك العمر، أن أتخيَّلَ أن الحياة يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه. إذا كان قد فقد بصره، فسأصِفُ له الطريق. سأقرأ له ما لا يستطيع قراءته. سأمشي إلى جانبه. بدا لي أن ذلك يكفي.
أخبرتُ الركاب وسائق الباص أن أبي خرج من السجن، وأنه في البيت. كان هذا الباص يربط مدينتنا الصغيرة بالمدينة التي أدرسُ فيها، وكثيرٌ من ركابه من أبناء مدينتي أو ممّن يعرفون عائلتي. في مدينة صغيرة كهذه، كانت قصة اعتقال أبي معروفة لدى معظم أهل المدينة، لذلك لم أجد سبباً لأحتفظ بفرحتي لنفسي. تركني السائق في مكان قريب جداً من البيت. لم يكن يفصلني عن الباب سوى نحو مئة متر. هنأني، ثم واصل طريقه.
نزلتُ من الباص، فرأيتُ صديقين يقتربان مني. قلت في نفسي: لا بد أنهما جاءا للاحتفال معي بعودة أبي. ابتسمت. لم يُبادلني أحدٌ الابتسامة. وَسَّعتُها أكثر، لكن وجهيهما بقيا على حالهما. رميتُ الأغراض التي كنت أحملها ومشيت. حاولا أن يسيرا إلى جانبي ويُسنِداني، فابتعدتُ عنهما. من دون أي كلام. واصلتُ طريقي حتى وصلت إلى البيت. دخلت. كانت أمي تبكي، وحولها نساء كثيرات. هرعتْ إليَّ مع جدتي. قالتْ «راح… خلص» وكأنها لم تستطع أن تقول مات. نظرت جدتي في عيني وقالت: «يا حبيبي… كم بكيت!». حَضنتُهُما، أدرتُ ظهري وهربت. لا أذكر إلى أين ذهبت.
كان أبي في الداخل.
لم أدخل الغرفة.
ولم أرَ جسده.
لكن العالم الذي كنتُ أتخيله في الحافلة لم يعُد موجوداً.
لم يعُد هناك أبٌ لأكون عينيه.
كنت أظن، وأنا أجلس في الحافلة، أن أقسى ما يمكن أن يفعله التعذيب هو أن يسلب الإنسان بصره. لذلك بدت لي جملة «سأكون عينيه» كافية لإصلاح ما أفسده السجن. لم أكن أعرف أن التعذيب كان قد سبقَ خيالي.
ظلَّ هذا السؤال يرافقني: كيف يتعرَّفُ طفلٌ إلى معنى التعذيب؟ كلما قرأتُ دراسات عن الأطفال الذين عاشوا تجارب مشابهة، وجدتُ اهتماماً بما تتركه هذه التجارب من آثار نفسية وأشكال للتكيُّف معها. لكن السؤال الذي ظلَّ يشغلني كان مختلفاً قليلاً: كيف عاش الطفل التجربة، وكيف تغيّرت معاني العالم من حوله بعدها؟ ربما لهذا وجدتُ نفسي قريباً من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ومن اهتمامهما بكيفية تَشكُّل المعنى في حياة الناس وتجاربهم. لا أستطيع أن أجزم بأن تلك التجربة قادتني إلى اختياراتي الأكاديمية، لكنني أتساءل أحياناً إن كانت قد زرَعت، في وقت مبكر، أحد الأسئلة التي ظلِلتُ أُلاحقها لاحقاً.
أُدرك اليوم أن للتعذيب حياةً أخرى خارج جسد المعتقل؛ فهو يستمر في خيال من ينتظرونه. إنه يدفعهم إلى بناء حيوات كاملة على احتمالات لا تتحقَّق، وإلى اختراع مُستقبَلات تنتهي قبل أن تبدأ. إنه يسرق أيضاً الأدوار التي كان يمكن أن يعيشها الآخرون معه: ابن يمشي إلى جوار أبيه، أب يرى أبناءه يكبرون، وأسرة تعتقد أن ما انقطعَ يمكن أن يُستأنَف.
لهذا لا أستطيع أن أتذكر تلك الجملة اليوم من دون أن أشعر بأنها كانت، في الوقت نفسه، وعداً ومستقبلاً مفقوداً. لم أكن أعرف أنني، طوال الطريق، لم أكن أتخيل عودة أبي فقط. كنت أتخيل الحياة التي حُرمنا منها جميعاً.
العائلة قبل أن يقطع الاعتقال والتعذيب مسار حياتها لم ينتهِ التعذيب بالنسبة إليّ يوم قيل لنا إن أبي مات.
سنوات طويلة بعد ذلك، كنت أتجنَّب مشاهدة الأفلام التي تتضمن مشاهد التحقيق. لم أكن أخاف المشهد نفسه، بل ما يفتحه في رأسي. ما إن يبدأ المحقق بالصراخ، أو يظهر مُعتقَلٌ على كرسي، حتى يبدأ خيالي في إكمال ما لا تعرضه الشاشة. لم أعد أرى الممثل، بل أبي. كنت أتخيله في مكانه، وأبكي.
لم أكن أعرف ماذا جرى لأبي في غرف التحقيق، ولم يُحدِّثني أحد يوماً عما تَعرَّضَ له. لكن الجهل لم يمنع الخيال من العمل.
أفكر اليوم أن الطفل لا يتعرف إلى التعذيب فقط عندما يراه، بل أيضاً عندما يصبح قادراً على رؤيته في كل مكان. يكفي مشهد عابر في فيلم، أو صوت باب حديدي، أو صرخة ممثل، حتى يعود كل شيء من جديد، لا بوصفه ذكرى مُحدَّدة، بل بوصفه احتمالاً لا يتوقف عن إعادة تشكيل الماضي.
بعد سقوط نظام الإبادة، كنت أقرأ ما يكتبه الناس عن السنوات التي مضت. لم تكن تلك المنشورات تستعيد الأحداث فقط، بل كانت تُعيد إلينا أشخاصاً كدنا ننساهم كما كانوا قبل السجن.
بين تلك المنشورات، توقفتُ طويلاً أمام ما كتبته جارتنا عن ذكرياتها عن والدي عندما كانت طفلة.
لم تبدأ باعتقال أبي، ولا باختفائه، ولا حتى بموته. بدأت بالمكتبة، بالمجلات وقصص الأطفال، بابتسامته، بأناقته، بوسامته، وبالنظافة التي قالت إنها كانت تفوح من ثيابه وروحه.
كنتُ أقرأ. للحظات عادَ أبي صاحب المكتبة، كما كان يعرفه أطفال الحي. ثم جاءت الجملة التالية تصفُ جثمانه:
«بتذكَّر تفصيلة أرعبتني… مفقوء العينين».
لا أعرف إن كان ذلك دقيقاً.
بقيت كلمةُ العينين وحدها.
في لحظة واحدة، عدتُ إلى الحافلة.
«سأكون عينيه».
بعد أشهر، عدتُ إلى سوريا للمرة الأولى منذ خمسة وعشرين عاماً.
ذهبت إلى المقبرة.
وقفتُ أمام قبر أبي، وقرأت «محي الدين الشيخ محمود»، ثم وقعت عيني على العبارة:
توفي 14/3/1996 في صيدنايا.
أعدت قراءة الجملة أكثر من مرة «في صيدنايا»!
متى قررت أمي أن تكتبها على شاهدة القبر؟ وكيف امتلكت الجرأة على كتابة اسم صيدنايا في مصياف وفي هذا المكان، في وقت كان مجرد التلفُّظ به يُثير الرعب؟
أفكر اليوم في أن أمي كانت تخوض، وحدها، واحدة من معاركها الكثيرة مع السلطة. لم يَكُن في وسعها أن تُنقذ زوجها، ولا أن تعرف ما جرى له في أيامه الأخيرة، ولا أن تُحاسب من قتلوه. لكن بقي أمرٌ واحد لم تَكُن مستعدة للتخلي عنه: الحقيقة.
لم تكن شهادة الوفاة مجرد ورقة رسمية. كانت محاولةً لكتابة موته كما لو أنه وفاة طبيعية في مشفى، لا نهاية رجل قضى سنواته الأخيرة في سجن تدمر ثم صيدنايا. وأعتقد أن أمي كانت تعرف أن قبول تلك الكلمات يعني أن تستمر الجريمة في اللغة، حتى بعد أن انتهت في الجسد.
لكنها لم تدخل في جدال مع الشهادة. تجاهلتها تماماً، وكتبت ما أرادت أن يبقى بعد أن يرحل الجميع.
كانت تعرف أن اسم صيدنايا لا يحتاج إلى شرح. بكلمتين فقط، أعادت أمي أبي إلى قصته.
-