
أحداث فيلم أثينا تبدو شديدة القرب بما يجري بالفعل في فرنسا (الصفحات الرسمية للفيلم)
ملخص
مع تصاعد حدة الغضب الشعبي في بعض الضواحي الفرنسية وسط مطالبات بتحسين ظروف المعيشة، نتذكر فيلم “أثينا” الذي أنتجته “نتفليكس” قبل نحو أربعة أعوام وحمل ما يشبه المحاكاة الاستباقية لما تشهده الساحات حالياً.
المراهقون الغاضبون قنابل موقوتة، يمكنهم أن يشعلوا حرائق الغضب، ويحوّلوا مدنهم إلى أشلاء، ويجبروا المسالمين على السير في ركبهم بعد أن تعمّ الفوضى الساحات، وتحتل القلوب الهشة، ليس لأنهم عنيفون بالفطرة، لكن كثراً لا يدركون ما يمكن أن يفعله الشعور بالظلم والتهميش للعقول في عقول غضة لا تزال تتشكل. هذه عبارة يمكنها أن تلخص أحداث الاحتجاجات التي شهدتها المدن الفرنسية أخيراً انطلاقاً من حركة طلابية لتمتد إلى أعمال سلب ونهب وتخريب وفوضى ربما لمدن أوروبية مجاورة، ويمكنها أيضاً أن تصف بالدقة نفسها وقائع الفيلم الفرنسي “أثينا” الذي عرض عام 2022، متخذاً اسماً خيالياً لضاحية فرنسية ليس لها وجود على الخريطة.
لكن الأحداث تبدو شديدة القرب بما يجري بالفعل سواء حالياً أو في أعوام سابقة وحتى قبل عقود، إنه الغضب الذي لا يعرف سقفاً، الذي فجّر إحدى أكثر الثورات دموية عبر التاريخ، الثورة الفرنسية، التي يبدو أنها مرجعية متوارثة في العقل الباطن، حيث الاقتتال بين فئات المجتمع في محاولة لانتزاع الحقوق، والسيطرة على شعور التمييز وفقدان العدالة، ففي حين بدأت الاحتجاجات الحالية رفض الأوضاع المعيشية السيئة والمطالبة بتحسين أوضاع المدارس، وانضمت إليها حركات عمالية، إضافة إلى أصحاب السترات الصفراء وغيرهم وتوافقت فيها أهداف أبناء المهاجرين والمنحدرين من أصول فرنسية ضاربة الجذور، فإن الأمر في أثينا أيضاً بدأ بأسرة مهاجرين بسيطة ذات أصول جزائرية، قُتل ابنهم ذو الـ13 سنة بطريقة وحشية حيث أظهرت الفيديوهات المتداولة أن قاتليه يرتدون زي رجال الشرطة، بينما الجهاز الأمني يتقاعس في الكشف عن هوية الفاعلين، ويتعامل بلا مبالاة مصدراً تطمينات عُدت جوفاء.
قرر رفاقه أن يأخذوا حقهم بأنفسهم وسط إحساس عميق بأنهم يعاملون بطريقة أدنى من غيرهم، حيث ينعمون بفرص أقل وأسلوب معيشة متدنٍ وحتى أرواحهم تبدو هينة مقارنة بغير المهاجرين، إلا أنهم يتساوون في القدرة على قول لا والتعبير عن الرفض دون تنكيل، ومع ذلك فعبوسهم يخرج عن كونه مجرد عبوس، ويتحوّل إلى شرارات هنا وهناك فيرفضون كل الحلول، ويختارون أن يذيقوا الشرطة طعم الإذلال، ويزرعون الفوضى والعنف أينما وطأت أقدامهم، ومن هنا فتحت دائرة جهنم.
غضب الضواحي من الشاشة إلى الواقع
المخرج رومان غافراس يختار بداية اسم أثينا تيمناً بالعاصمة اليونانية، حيث تعود أصوله، فيما صاغ السيناريو بمشاركة لادج لي لتتدخل فيه رمزية الاسم المتعلقة بالحروب والديمقراطية والحكمة كذلك، فيحضر العنف بقوة بينما تتوارى القيمتان الإيجابيتيان خلف النزق، يختار المخرج في كثير من الأوقات أسلوب “اللونج شوت -اللقطة الطويلة” المرهق فنياً، الذي يجعل عيني المشاهد مفتوحتين طوال الـ99 دقيقة، مدة عرض الفيلم، الذي أنتجته “نتفليكس” لوجه آخر للمدن الفرنسية على النقيض تماماً من الصورة المبهرجة والمشاهد المبهجة التي يعرضها المسلسل الباريسي الأشهر على المنصة “إيميلي في باريس”، فهنا يغرق الجمهور وسط قتامة توائم تماماً الأجواء المشحونة الخانقة، حيث صُوّرت الأحداث في ضاحية إيفري كوركورون التي تفصل بينها وبين ضاحية كريتاي حيث منبع الاحتجاجات الطلابية الأخيرة نحو 20 كيلومتراً تقطع في نصف ساعة على الأكثر، فكلتاهما تقع في محيط ما يسمى بباريس الكبرى.
وفي حين استنفرت الشرطة الباريسية قبل أيام لحماية الممتلكات والمتاحف والمباني ذات القيمة من التخريب بعد نجاح المتظاهرين بالفعل في تدمير مبنى حكومي تراثي، فإن شرطة “أثينا” أيضاً وجدت نفسها أمام معضلة مشابهة، حيث احتمى الاحتجاجيون في مبنى قاموا بتحصينه، ليصبح مقراً لإدارة العمليات وإلقاء الزجاجات الحارقة. وفي حين كان الواقع أكثر رأفة بمظاهر عنف أقل، وكذلك في إظهار حقيقة أن سوء وتردي الخدمات حال يزعج الجميع، ولا يفرّق بين مهاجر والسكان الأصليين، إن جاز التعبير، ولهذا فأعمال التخريب والنهب وتجاوز القانون عمداً لم تقتصر فقط على سكان الضواحي القادمين من آسيا وأفريقيا، وفق الفيديوهات المتداولة، فإن الفيلم منذ اللحظة اختار أن ينتصر للرواية التقليدية التي ترى أن الأجيال الجديدة من المهاجرين هم أصل الأزمة ومصدر الفوضى والرعب، بسحناتهم السمراء وحجاب نسائهم، وأسماء مثل رشيد وكريم وعبدل ومختار وصابر حيث يتصدر البطولة ممثلون ذوو أصول مغاربية وهم سامي سليمان وواصيني مبارك ودالي بن صلاح، السيناريو يمنح هذا التوجه بطبيعة الحال مبرراً درامياً قوياً، وهو إزهاق الأرواح.
حديث الثأر
“أثينا” كاسم دال يحضر في توجه الفيلم الذي يمكن وصفه بأنه مأساة إغريقية، وإن كان اسم الحيز الجغرافي متخيلاً تماماً فإن ما يجري يبدو واقعياً جداً ويمكن تكراره بسهولة، فالتراجيديا الكبرى تأتي من كون أحداثه ليست مستبعدة أو مغرقة في الخيال، وهذا هو الرعب بعينه.
أربعة إخوة تتدمَّر حياتهم تباعاً في سبيل الكشف عن المجموعة التي اقتادت الأصغر وقتلته بدم بارد، إذ بدأ الموقف أولاً بحزن وغضب من أحدهم، ثم بعد تجاهل الجهاز الأمني مطالبهم وعدم قراءة الموقف بصورة جيدة، والاستمرار في التباهي بزيادة التعزيزات والأسلحة وسط غياب الخطاب الإنساني تماماً عن أسلوب التعامل مع الموقف، تزداد الخشونة ويحضر حديث “الثأر”، واتهام من الشقيق النزق لأخيه الضابط بالخيانة وبيع نفسه للجيش الفرنسي، وهو الصراع الذي يصل ذروته في أكثر من مواجهة آخرها تقلب الأحداث تماماً بعد نجاح فريق المتظاهرين باختطاف ضابط الشرطة الفرنسي الذي قدّم جانبه الإنساني أولاً مع تأمله صورة طفلتيه التوأم اللتين يتمنى العودة إليهما، مع تردده الواضح في استعمال الخشونة مع المتمردين.
الشرارة بدأت بزجاجات بدائية قابلة للاشتعال، وانتهت بأسلحة ثقيلة وحرائق في القلوب والشوارع وصلت للاستيلاء على عتاد الشرطة وأجهزتها اللاسلكية وسياراتها وستراتها وتدمير مقارهم في مواجهة مباغتة لم يحسنوا توقعها، كما لم يحسنوا مراراً تقدير ما يمكن أن يفعله الشعور الناقص بالمواطنة، لكن نشوة الانتصار الرمزي لم تستمر طويلاً، فالفوضى أتت على الجميع، وتساقطت الضحايا من الجانبين سواء المتشبثين بعدم الدخول في التمرد أو قادة هذا الحراك.الفيلم الذي حصل على ثلاث جوائز كبيرة وتسعة ترشيحات، يخدعك في بعض المقاطع حتى تعتقد أنها مجرد مشاهد توثيقية لأحداث تعرضها شاشات الأخبار، ويتشابه معها أيضاً في أن الخلفيات الإنسانية للشخصيات تبدو مجرد لمحات خاطفة تعرض على استحياء، بينها بساطة عيش أهل الضواحي، وأحلامهم التي تتكسر بسبب ضآلة الفرص، مع حيرة البطل الذي يقوده شعور الثأر لأخيه مقابل رغبته في عدم التسبب بمزيد من الحزن لأمه، مروراً بالمعدَم خفيف العقل الذي يبدو غير مرئي بينما تنقطع أنفاسه من الركض في سبيل الفوز بسيجارة، وصولاً إلى رجال الدين المغلوبين على أمرهم الذين يفشلون حتى في أداء صلاة الجنازة على الضحية بسبب الخوف على حياتهم وإخفاقهم في إقناع المحتجين بالتوقف عن التخريب، حيث يصفونهم بالمتوحشين.
تراجيديا عائلية
وفي مقابل المنازل التي تفتقر إلى أساسيات كثيرة وتنعدم منها سُبل الترفيه تقريباً، نرى السلاح بوفرة في أيدي مراهقين تحركهم فورة العصبية غير الناضجة، فينقسم المجتمع إلى نصفين، أبناء يسعون إلى أخذ حقهم بأيديهم، وأهالي يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما البطل الهادئ حائر في المنتصف بين واجبه المهني كرجل أمن وبين محاولة إنقاذ أخيه الغاضب من نفسه ومن مصير بائس بات حتمياً مع جرعة عنفه المتزايدة، في حين الأخ الرابع الذي كان قد اختار أسلوب الخروج عن القانون منذ أعوام يحاول تحقيق صفقاته المشبوهة، إذ يتورط في تجارة السلاح والمخدرات، ويرى المتظاهرين مجرد عشاق للثرثرة غير آبه بالاستماع إليهم تماماً مثل الشرطة التي لم تنصت إلا بعد خطف أحد أفرادها وحينها فقط توصلت إلى هوية قتلة الطفل الصغير.
في مجتمع أثينا يظل الجميع يستحضر شفاهة مشهد قيام رجال الشرطة بقتل طفلهم بوحشية وتركه ملقى على الأرض حتى يلفظ أنفاسه، وكل ما يبحثون عنه هو وجوه وهوية قاتليه، لتأتي الحقيقة المروعة أن المتورطين ينتمون إلى جماعة مسيحية يمينية متطرفة استولت على ملابس الشرطة، وهي الحقيقة التي تتأخر كثيراً بعد أن يفقد الأخ الثاني حياته محترقاً على يد الضباط بالفعل هذه المرة، ويوشك الثالث على أن يفقدها طواعية في فعل يشبه الانتحار حينما أيقن أنه لم يعد الضابط النزيه وأخفق حتماً في استعادة حق شقيقيه.الغضب الأعمى والتعصب لا يفرقان بين الأديان والعرقيات، والحزن أيضاً، والالتزام بالقانون ليس حكراً على فئة بعينها، فالضباط ذوو البشرة السمراء يخدمون بكل إخلاص إلى جوار زملائهم ذوي الملامح الأوروبية ويضحون في سبيل الدفاع عن مقدرات الوطن، بينما تراكمات الشعور بالحرمان من العدالة يمكنها أن تأكل الأخضر واليابس بعد أن تغذيها دعاية سياسية متطرفة تلعب على الاستقطاب فتغيب الحكمة تماماً في التعامل الرسمي مع الموقف، ليتمكّن بضعة مئات من المراهقين من تغيير ملامح المدينة وزرع اليأس والبغض في النفوس.