ملخص
هذا الحشد التمثيلي السياسي والعسكري والأمني لــ”حلف مكة” لم يكن الهدف منه استعراض قوة أمام طهران، بل رسالة بأنه على استعداد لأداء دور محوري في أية تسوية تبعد شبح الحرب عن المنطقة.
الإشارة الأولى التي تكشف حجم الرغبة الإيرانية في أن تثمر القمة التي استضافتها طهران مع دول “حلف مكة”، جاءت في اللقاء السريع بين المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، الذي ترأس الجانب الإيراني في هذه المحادثات وإلى جانبه وزير الخارجية عباس عراقجي.
قمة “حلف مكة” وإيران اكتسبت أهميتها أولاً من مستوى الشخصيات التي ترأست وفود بلدانها، فمشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى جانب قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، أعطت للجانب السياسي ثقلاً لا يقل وزناً عن الجانب الأمني والعسكري الذي يمثله المشاركون، وبأن هذه الدول تبذل آخر أوراقها وجهودها لتعطيل فتيل مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران ستصيب تداعياتها جميع الأطراف في الإقليم وخارجه.
هذا الحشد التمثيلي السياسي والعسكري والأمني لــ”حلف مكة” لم يكن الهدف منه استعراض قوة أمام طهران، بل رسالة بأنه على استعداد لأداء دور محوري في أية تسوية تبعد شبح الحرب عن المنطقة، وأن إعطاء هذه المحادثات هذا الثقل المعنوي يأتي من رهان هذه الدول على تجاوب إيراني وقراءة عقلانية لدى القيادة الإيرانية بأبعاد وتداعيات أي تصعيد جديد وما يمكن أن يحمله من آثار سلبية في مستقبل المنطقة وتحديداً إيران، وأن هذه الدول لا ترغب ولا تريد أن تكون شاهد زور على أية مغامرة سواء أميركية أو إيرانية تؤدي إلى زعزعة أمن واستقرار واقتصادات منطقة غرب آسيا وما وراءها.
مبادرة “حلف مكة” تستند إلى قراءة واقعية للمأزق الإيراني، فهي تدرك أن من الصعب على طهران وقيادتها الذهاب إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بالشروط التي تريدها واشنطن وتل أبيب وبعض الأطراف الإقليمية.
فطهران التي تعتقد أن الذهاب إلى أية مفاوضات مع واشنطن من دون شروط مسبقة تضعها على الطاولة وتتمسك بتحقيقها أو بتحقيق جزء كبير منها، يعني استسلاماً أو دخول معركة من دون سلاح، لذلك فإن مطالبتها بإخراج القوات الأميركية من المنطقة تنسجم مع المشروع الذي وضعته على طاولة المحادثات مع وفد “حلف مكة” حول بناء منظومة أمنية إقليمية تحمل اسم “شبكة غرب آسيا للأمن” (WASL) من دون مشاركة أو تدخل لأي طرف من خارج المنطقة وتحديداً الولايات المتحدة، أي الدفع من أجل العودة إلى الرؤية الإستراتيجية التي طرحتها طهران عبر وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف في العامين الأخيرين من رئاسة حسن روحاني.
قد تحاول القيادة الإيرانية توظيف لقاء أو قمة طهران من أجل تعزيز علاقاتها مع محطيها في غرب آسيا، وجعله عنصر دفاع لها في مواجهة الضغوط الأميركية والتلويح أو التهديد بالحرب، ومن ثم قد يساعدها في عدم التسليم أو الاستسلام أمام المطالب الأميركية، مع إدراكها أن الوصول إلى هذا الهدف قد يستدعي منها أو يفرض عليها تقديم بعض التنازلات غير الإستراتيجية لشركائها في المنطقة، وحتى لواشنطن.
وإذا ما كانت طهران قد وضعت خطوطها الحمراء المتعلقة بحدود تنازلاتها على المستوى الإقليمي، التي تبدأ من رفع مستوى تأثيرها في حلفائها لكبح حدة التصعيد والاشتباك، خصوصاً ما يتعلق بالأعمال والاعتداءات التي تقوم بها جماعة الحوثي ضد السعودية، فإنها في المقابل تجد من الصعوبة الإستراتيجية تقديم أي تنازل في موضوع اليورانيوم المخصب، وبخاصة في الجزئية التي تطالب بها واشنطن، والتي تجبرها على إخراج هذا المخزون من أراضيها.
وعلى رغم المبادرة التي تقدم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإمكان أن تكون موسكو هي الجهة التي ينقل إليها هذا المخزون، فإن الاعتقاد الأبرز هو أن طهران لن تقبل بأي اقتراح من هذا القبيل بناءً على تجارب سابقة ألحقت بها خسائر مالية وتقنية كبيرة وأجبرتها على استئناف أنشطة التخصيب من نقطة الصفر، لذا فإنها لن تساوم على موقفها الرافض حتى مع حليفها الروسي أو الصيني، وأن تضغط لتسوية مع واشنطن عبر الشركاء الإقليميين تسمح باحتفاظها بهذا المخزون مع التزام تخفيف نسبة تخصيبه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمشاركة دولية مشددة.
هنا يمكن القول إن من الوهم الاعتقاد بوجود خلاف أو تباين بين الموقف الإيراني والموقفين الروسي والصيني من هذه النقاط، وإن كانت موسكو وبكين تفضلان إخراج هذا المخزون نتيجة قناعة وقبول إيراني بعيداً من الضغوط عليه، وكلا الطرفين، الروسي والصيني، يساند إيران في مطالبتها بخروج القوات الأميركية من المنطقة، وإن لم يعلنا ذلك صراحة، لأن خروج هذه القوات يعني خطوة إلى الأمام في جهود إضعاف الهيمنة والقبضة الأميركية على هذه المنطقة ودولها، ويسمح لهما بمساحة أكبر لحرية التحرك وإعادة ترتيب أولويات مصالحهما الإستراتيجية وعلاقاتهما في غرب آسيا، بعيداً من التأثيرات الأميركية ومحاذير أي تصعيد محتمل نتيجة تصادم هذه المصالح.
زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو، والقمة التي عقدها مع الرئيس الروسي على هامش قمة الدول المصدرة للغاز، تصب في إطار مساعي طهران إلى تعزيز موقفها وترابط علاقاتها ومصالحها مع حلفائها، واستكمال التنسيق بما يخدم التوقعات من قمة طهران مع دول “حلف مكة”، بخاصة في ظل تشابك المصالح بين موسكو التي تخوض حرباً على الجبهة الأوكرانية، وطهران على جبهة الشرق الأوسط، وهدف كل منهما هو تحقيق إنجاز أو ما يمكن تسميته نصر ميداني أو سياسي واضح وليس نتيجة تسوية تفاوضية.
من هنا، يبدو أن طهران ومن خلال كل المبادرات والجهود الدبلوماسية التي تبذلها، لا تسعى إلى استرضاء واشنطن بهدف التوصل إلى مخرج سلس من الأزمة التي تواجهها، بل تسعى إلى فرض شروطها التي تصر عليها وتتمسك بوضعها على طاولة التفاوض، وتبدأ من انسحاب أميركي من المنطقة مروراً بحقوقها النووية ووصولاً إلى معادلات الأمن الإقليمي المرتبط بالجبهات التي تشكل ساحة اشتباك لحلفائها، لذا فإنه مع عدم التوصل إلى حلول حقيقية لهذه المطالب، يبدو من الصعب على طهران وقيادتها القبول بتسوية أو اتفاق يحافظ على حال اللاحرب واللاسلم القائمة، التي باتت أقرب إلى مصدر يهدد استمراره باستنزاف قدرتها على التحمل.

