
رفع نشطاء من اليسار الإسرائيلي لافتات ورددوا شعارات خلال تظاهرة في تل أبيب، 28 أكتوبر 2026، بعد يوم واحد من الانتخابات التشريعية في إسرائيل، طالبوا فيها بتشكيل حكومة تضم أحزاباً عربية (أ ف ب)
ملخص
أسفرت نتائج فرز أصوات الانتخابات التشريعية الإسرائيلية عن تقارب كبير ودخول البلاد في حال جمود سياسي، حيث حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 54 مقعداً مقابل 49 مقعداً لمعارضة غادي آيزنكوت من دون وصول أي منهما إلى عتبة الـ61 مقعداً لتشكيل الحكومة، بينما أحدث إقبال الناخبين العرب تحولاً كبيراً بمنح أحزابهم 19 مقعداً ترجح كفة المشاورات. وتزامنت نتائج الانتخابات مع تصريحات للمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك دعا فيها الحكومة الإسرائيلية القادمة إلى إحداث تغيير جذري واحترام القانون الدولي والكف عن العقاب الجماعي في الضفة الغربية.
قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك أمس الأربعاء إنه يأمل أن تقوم الحكومة الإسرائيلية التي ستشكل بعد الانتخابات التشريعية بـ”تغيير جذري” وتحترم القانون الدولي.
وصرح تورك خلال إحاطة إعلامية في نيويورك أن “إسرائيل لديها التزامات إزاء القانون الدولي وبموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وينبغي لها أن تحترمها، وآمل أن تقوم الحكومة المقبلة بذلك تحديداً وتحدث تغييراً جذرياً”، وأضاف “لا تواصلوا السير على درب الحرب معتقدين أنكم فوق القانون الدولي”.
وفي فترة سابقة من الأسبوع، نبه تورك من خطر “تطهير عرقي” في الخليل في الضفة الغربية المحتلة حيث أطلق الجيش الإسرائيلي عملية واسعة بعد مقتل اثنين من جنوده، وقال في بيان الإثنين الماضي إن “العقاب الجماعي يشكل انتهاكاً خطراً للقانون الدولي”.
وبعد فرز نحو 85 في المئة من الأصوات حصل حزب الليكود (اليمين) بزعامة بنيامين نتنياهو وحلفاؤه على 54 مقعداً، في مقابل 49 لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، ولم يحصل أي من المعسكرين على المقاعد الـ61 اللازمة لغالبية في البرلمان.
ولم يتمكن أي من الطرفين من حسم الانتخابات لصالحه والوصول إلى عتبة 61 مقعداً المطلوبة لتحقيق الغالبية في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، بينما تشير التوقعات إلى حصول الأحزاب الممثلة للعرب على 19 مقعداً.
وكانت الانتخابات التشريعية التي أقيمت الثلاثاء الأولى في إسرائيل منذ هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وقال المستشار السابق لنتنياهو أفيف بوشينسكي “قد يصعب الإقرار بذلك أو حتى تبينه، لكنه هو الفائز”، واصفاً عودة رئيس الوزراء إلى الواجهة بأنها “بعث” سياسي، وأضاف أن المفارقة تكمن في أن الانتخابات التي حرمت نتنياهو من الغالبية في البرلمان ربما تكون قد أعادت له مكانته السياسية المهيمنة.
وعلى رغم تداعيات الهجوم الذي قادته حركة “حماس” على إسرائيل في السابع من 2023، وحجم الانتقادات التي وجهت إلى نتنياهو بسبب الإخفاقات الأمنية التي حدثت في عهده والتي كشف عنها ذلك الهجوم، فقد حظي رئيس الوزراء بدعم غالبية واضحة على نحو غير متوقع من اليهود الإسرائيليين، ليتصدر المشهد على رأس أكبر كتلة برلمانية.
وقال المحلل المتخصص في شؤون المنطقة الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، إن إنجاز نتنياهو لم يكن الفوز بالمعنى التقليدي بقدر ما تجسد في القدرة على البقاء.
وفقدت كتلة نتنياهو مقاعد ولم تحقق العدد المطلوب للحكم بمفردها، وهو 61 مقعداً، لكن معسكر آيزنكوت يفتقر أيضاً إلى مسار واقعي للوصول إلى السلطة من دون دعم من الأحزاب العربية.
وقال سيترينوفيتش “لقد فاز (لمجرد) أنه لم يخسر، لقد تمكن من البقاء”.
العرب في إسرائيل يحققون مكاسب
سيبقى نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف الأعمال إلى أن يقرر رئيس إسرائيل من سيكلفه بتشكيل الحكومة، وعلى رغم عدم امتلاكه غالبية برلمانية فإنه لا يزال يتمتع بميزة شغل المنصب وبفرصة لتشكيل حكومة ائتلافية.
لكن أكبر مفاجآت الانتخابات جاءت من الناخبين العرب في إسرائيل، الذين منح إقبالهم غير المسبوق على التصويت الأحزاب العربية نفوذاً قد يكون حاسماً على مسار الأحداث المقبلة.
ويشكل العرب في إسرائيل 21 في المئة من السكان، وينحدرون من أصول فلسطينية ويحملون الجنسية الإسرائيلية، وبات بإمكانهم الآن ترجيح كفة أحد المعسكرين المتنافسين على الآخر.
وقال المفاوض الأميركي السابق في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط دينيس روس “لم يسبق للعرب أن كانوا في موقف يملكون فيه هذا القدر من القوة”.
ويواجه معارضو نتنياهو طريقاً صعباً لإزاحته، فمن المرجح أن يتطلب تشكيل الحكومة دعماً مباشراً أو غير مباشر من الأحزاب العربية، وهو احتمال قد يكون صعباً للغاية بالنسبة إلى شركاء محتملين من اليمين مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان.
ويقول محللون سياسيون إسرائيليون إن هذا الوضع يترك مسارين رئيسين، إما تشكيل حكومة وحدة وطنية أوسع بقيادة نتنياهو، أو إجراء انتخابات أخرى.
ويرى بوشينسكي أن حكومة الوحدة هي الخيار الأكثر واقعية، خصوصاً إذا ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نتنياهو لإدخال منافسين في الحكومة وتهميش وزيري اليمين المتطرف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وقال بوشينسكي إن الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لإسرائيل، ويمكن لترمب أن يستخدم دعمه العلني لنتنياهو ورقة ضغط للدفع باتجاه تشكيل ائتلاف أوسع.
وإذا فشل هذا السيناريو، قد تبقى إسرائيل في جمود سياسي وتعود إلى صناديق الاقتراع، وهي خطوة قال عدد من المحللين السياسيين إنها قد تعزز مكانة نتنياهو بدلاً من أن تغير نتيجة الانتخابات.
ويوضح سيترينوفيتش أن الجمود يضع نتنياهو في موقف أفضل من آيزنكوت لتولي رئاسة الوزراء، ونظرا إلى أن إجراء انتخابات أخرى أمر غير مرغوب فيه بالنسبة إلى معظم الأحزاب، ينظر سيترينوفيتش إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة نتنياهو، ربما تضم آيزنكوت أو بينيت، على أنها الخيار الأكثر منطقية.
إيران تلقي بظلالها على صراع السلطة
منذ هجمات السابع من أكتوبر خاضت إسرائيل حروباً ضد “حماس” في غزة وجماعة “حزب الله” في لبنان، وشنت هجمات بالاشتراك مع الولايات المتحدة على إيران.
وفي خطاب ألقاه بعد الانتخابات أمام أنصاره الذين كانوا يهتفون له، دعا نتنياهو إلى تشكيل “حكومة وطنية يمينية قوية”، ووصف المكاسب العسكرية التي حققتها إسرائيل بأنها فرصة تاريخية للقضاء على التهديد الإيراني، وقال “أمام إسرائيل فرصة تاريخية فريدة، بالتعاون مع شريكنا الرئيس ترمب، للقضاء التام على التهديد الوجودي الذي تشكله إيران، لكن يجب ألا نسمح لأي دوافع خفية أن تصرفنا عن هذه المهمة المقدسة”.
وقال ترمب، الذي حث الإسرائيليين على إبقاء نتنياهو في السلطة حتى يتمكنا معاً من “إنجاز المهمة” في إيران، إن رئيس الوزراء “أبلى بلاء حسناً” في الانتخابات، وأرجع الفضل في ذلك إلى تأييده له، وأضاف “ربما يكون في طريقه للفوز أو التعادل، والتعادل في هذه الحال بمثابة فوز، لأن الأمر أشبه بمباراة شطرنج كبرى”.
ولعل السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان نتنياهو، الذي يكافح للبقاء في منصبه، سيلجأ مرة أخرى إلى التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل، وفي مقدمها إيران، لإعادة تشكيل المعادلة السياسية.
وقد يؤدي تجدد المواجهة مع طهران إلى تعزيز دعواته إلى الوحدة الوطنية، على رغم أن أي تصعيد سيعتمد بصورة كبيرة على واشنطن.
وسعى آيزنكوت، (66 سنة)، الذي فقد ابناً واثنين من أبناء إخوته في حرب غزة، إلى المطالبة بهذا التفويض من خلال تصوير الانتخابات على أنها استفتاء على قيادة نتنياهو.
وفي رسالة إلى قادة الأجهزة الأمنية والموظفين العموميين في إسرائيل، قال آيزنكوت إن نتنياهو يرأس الآن حكومة انتقالية فقدت ثقة الجمهور، وأضاف “قفوا بحزم أمام أي محاولة للضغط عليكم”.
وخاض نتنياهو الانتخابات مثقلاً بأعباء محاكمة طويلة الأمد بتهم الفساد، ومقاومة إجراء تحقيق مستقل حول الهجوم الذي قادته “حماس”، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ومعركة مريرة حول إعفاءات الخدمة العسكرية الممنوحة لليهود المتزمتين.
