نشر الكاتب السوري، عمر إدلبي، في “العربي الجديد” (18/10/2026) مقالاً بعنوان “ردّاً على راتب شعبو… المقاربة الانتقائية في قراءة الكراهية السورية”، يفترض فيه أنه يردّ على مقالي “عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سورية” المنشور في الصحيفة نفسها (15/10/2026). من يقرأ المقالين يجد أن الناقد لم يقترب من فكرة المقال المنقود الأساسية، بل يرد، في غالبية مقاله، على تصوّرات لديه لم يتطرق لها مقالي أصلاً، ولكن ناقدي يوحي للقارئ أنها متضمّنة فيه، وهذا مما يثير الحيرة، لأني أفترض النزاهة في إدلبي.
يتناول مقالي المنقود، كما يشير عنوانه، “كراهية ظاهرة ضد العلويين”. ويفيد منذ السطر الأول بأن موضوعه “بعض المرئيين” ممن يعرّفون أنفسهم بانتمائهم الطائفي أساساً، وينشطون بما تتيحه وسائل التواصل الحديثة في نشر كراهية ضد العلويين في سورية، تصل إلى حد العنصرية. هذا واقع للأسف، يعرفه سوريون كثيرون، وغير سوريين، وإدلبي يعرفه أيضاً، بوصفه صحافياً.
يدافع مقالي عن افتراض يقول إن أبطال هذه الكراهية لا ينطلقون من موقف سياسي، على عكس ما يريدون أن يظهروا للناس، لأن المواقف السياسية متحرّكة أولاً، وثانياً لأنها لا تستهدف جماعات هوية بل جماعات سياسية، وثالثاً لأنهم سكتوا ويسكتون عن جرائم ترتكب بحق سوريين أمام أعينهم، من نوع الجرائم التي يبرّرون بها كراهيتهم. يقترح المقال أن هذه الكراهية تتغذّى على ألم نفسي ينجم عن اجتماع قناعتين ضارّتين وموهومتين معاً، الأولى قناعة بأن العلويين جماعة متجانسة كانوا يحكمون سورية في فترة الأسدين، والثانية أن الجماعة العلوية في مرتبة أدنى من الجماعة السنية، وهذا يحرّك ألماً عميقاً يولد كراهية لا تهدأ. يشبه الأمر، لدى هؤلاء، المثل العربي القديم ذا النكهة العنصرية “لو ذات سوار لطمتني”. ويزيد في قوة دافع الكراهية أن السنوات الأخيرة من نظام الأسد المعتبر علوياً شهدت إجراماً رهيباً زاد في تفعيل هذا المركب (الطائفي) المؤلم.
خطاب كراهية العلويين في سورية يشكل تغطية “إعلامية” لسلوك سلطوي تمييزي مستمر، ويعيق بروز حسّ وطني متضامن
لا يقترب نقد إدلبي من موضوع المقال، بل يتناول أشياء على هامشه، أشياء تثيرها كلمتان في العنوان “كراهية العلويين”، ويبدو أن ناقدي تناول ما ولّده العنوان في ذهنه من دون اكتراثٍ بمضمون المقال. يكتب أن مقالي يبني “حكماً قاطعاً بوجود “كراهية”، يوحي بأنها “عامة” ضد مكوّن بعينه. لا يوجد في المقال ما يشير إلى أنني أحكم بوجود كراهية عامة، لا بصورة قطعية ولا غير قطعية. وإلا فكيف يطالبني إدلبي بنشر أسماء؟ في هذا إقرار منه بأن المقال يتناول ظاهرة مجموعة من الكارهين، ولا يتناول “كراهية عامة”. ومع هذا، يتابع إدلبي محاكمة المقال على أنه يتناول موضوع كراهية سنّية علوية، فيأخذ على المقال أنه “يتغافل عن سيل خطاب الكراهية والوصم بالتطرّف والداعشية”. وأقول له نعم، هناك بالفعل مشاعر وخطاب كراهية طائفية متبادل، وهو من أهم مظاهر الفشل “الوطني” الذي تعزّزه بنية السلطة الجديدة، والذي يغفله ناقدي حين يؤكد مطمئناً أن “الوعي الوطني السوري اليوم في مرحلة بناء نضجه”.
على أي حال، يحدّد مقالي منذ البداية موضوعه، خطاب كراهية العلويين، ويتناول هذا الخطاب لأنه خطاب أصحاب سلطة، أي أنه يوازي ويغذّي سلوكاً سلطوياً على الأرض يترجم نفسه يومياً بأشكال متعدّدة من الاعتداءات والترهيب وغمط الحقوق على أساس طائفي. أي هو خطاب يشكل تغطية “إعلامية” لسلوك سلطوي تمييزي مستمر، ويعيق بروز حسّ وطني متضامن. هذا ما دفعني إلى التركيز على هذا الخطاب وكشف دوافعه غير الوطنية، وأجد أن هذا واجب من يهمّه صون حقوق الناس مبدئياً. ليس التركيز على هذه الكراهية النشطة ضد العلويين انتقائياً، بل له غاية وطنية، مواجهة نهج سلطوي طائفي يستفز مشاعر كراهية مقابلة. نقطة البدء في هذه الآليات، كما يعلم ناقدي جيداً، هي السلطة وليست المحكومين. فالعنف الذي دمّر بلادنا مثلاً كان محرّكه الأول ومصدر تغذيته الأهم عنف نظام الأسد. ومن الظلم (وقد أقول “المناكفة”) القول إن هذا يعني قلة اكتراث بالكراهية المقابلة. من جهتي أعتبر أن علينا عزل السفهاء من أي جهة كانوا، ولاسيما من جهة السلطة، لأن الكراهية، كالسلاح الكيميائي، حين تنطلق تفتك بالجميع.
يكتب ناقدي: “وقع المقال في فخ الانحياز التأكيدي، حيث اقتُنِصَت شواهد شاذّة لدعم فرضية “المخاوف الطائفية الموروثة””. يوحي وضع جملة “المخاوف الطائفية الموروثة” بين قوسين أنها مأخوذة من مقالي، والحال أنها لم ترد فيه. مقالي يهتم بتحليل ظاهرة أعتبرها “شاذّة” بالطبع، لا لدعم أي مخاوف، بل لمنع إثارة المخاوف بالأحرى ولقطع الطريق على الحلقة الشريرة، هذا هو انحيازي. ولكن أتساءل عن مدى قناعة ناقدي بوجود “شواهد يومية تعكس وعي السوريين الجمعي، ومن ذلك اندماج الموظفين في مؤسّسات الدولة من دون تمييز”. يقلقني تفكك المجتمع السوري اليوم، وأغبط ناقدي على راحة باله بسلامة “وعي السوريين الجمعي”، وأتساءل ما إذا كان جادّاً في الكلام عن “اندماج موظفين في مؤسسات الدولة من دون تمييز”؟ هل يعتبر ناقدي أن الجيش وقوى الأمن مثلاً من مؤسّسات الدولة؟ هل يلاحظ فيها اندماجاً من دون تمييز؟
هناك بالفعل مشاعر وخطاب كراهية طائفية متبادل، وهو من أهم مظاهر الفشل “الوطني” الذي تعزّزه بنية السلطة الجديدة
تزداد الحيرة أكثر حين يصل ناقدي إلى القول “من أخطر ما مرّره المقال الإيحاء بأن ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية وملاحقة المتورّطين في الفساد أو الانتهاكات السابقة تمثل استهدافاً لمكوّن بذاته، فتصوير المحاسبة القانونية فعل كراهية يبدو كما لو أنه شرعنة غير مباشرة للإفلات من العقاب”. لا يوجد في مقالي تطرّق مباشر أو غير مباشر لموضوع العدالة الانتقالية (أعتبرها، بالمناسبة، حلم السوريين الممنوع)، ولا أدري حقاً كيف “أوحى” المقال لناقدي أني أصوّر المحاسبة القانونية فعل كراهية، أو أن ملاحقة المتورّطين استهدافٌ لمكوّن بذاته… إلخ.
نأتي في الأخير إلى ما كنتُ أتمنى ألّا أقرأه عند إدلبي: “ليست المشكلة في مقال شعبو في تشخيصه الكراهية، بل في حدود هذا التشخيص وغايته”. إذن، يرى ناقدي أن لي غاية ما، وبطبيعة الحال غاية غير حميدة، سوف يكشفها الناقد. ولكن ما هي؟ إنها، بحسب ما يُفهم من الفقرة التالية، “تثبيت خطوط الفوارق والتقسيمات الطائفية والدينية والعرقية”. طبيعيٌّ أن يقول الناقد إن الأفكار الواردة في النص الذي ينقده تقود أو يمكن أن تقود إلى كذا، ولكن حين يقول الناقد إن للكاتب غاية، هي تثبيت خطوط انقسام طائفية، نتحوّل إلى مستوى سيئ من النقد، هو تشويه الكاتب.
تحليل ظاهرة الكراهية النشطة التي يمارسها ويعتاش عليها بعضهم، وتساهم في تسميم الجو العام وفي تغذية ممارسات عدوانية طائفية على الأرض من دون أن تجد من يردّها، لا غاية له سوى محاربة هذه الظاهرة التي تثير القلق، لأنها عنصر في دينامو تفكيك المجتمع السوري، ولكنها لا تقلق ناقدي، كما هو واضح.
