لو كان الأمر خطأ عابرا في خبر، لكان التصحيح كافيا، لكننا أمام صحافيين يكررون نشر روايات عن السعودية والمنطقة، ثم نتابع من المعنيين بها نفيا وتوضيحا، وأحيانا من الناشرين اعتذارا وسحبا، وبعد ذلك نعود إلى المشكلة نفسها، وهذا ما يستحق النقاش، كيف يقع مراسل يعمل لدى مؤسسة عالمية في أخطاء يتوقع القارئ أن يتجنبها صحافي مبتدئ، ولماذا لا يتعلم المحررون من تجاربهم السابقة، في تقديري، اعتاد بعضهم الاتكاء على شهرة الجهة التي يعملون لديها، حتى صاروا أقل حرصا على تقديم ما يبرر الثقة بكل خبر، وكأن القارئ مطالب بتصديقهم لأنهم معروفون.
قبل أشهر سحبت “رويترز” خبرها عن أصوات في دبي، وأقرت بأنها لم توضح عدم تمكنها من التحقق من سببها، واليوم نقرأ مزاعم “وول ستريت جورنال” عن مطالب مالية وسياسية حوثية، نفاها بصورة قاطعة وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، السفير رائد قرملي، وذكّر الكتاب بأن لليمن حكومة معترفا بها، وفي الحالتين من حق القارئ أن يسأل عما جرى قبل النشر، مع اختلاف السحب عن النفي، من فحص المعلومة، ومن راجع السياق، وما الذي يجعل المحررين واثقين من مصدر مجهول إلى هذه الدرجة، بينما يستطيع القارئ العثور على معلومات أساسية أغفلوها.
وقد يكون المراسل قريبا من الحدث، لكنه أبعد ما يكون عن فهمه بإنصاف، حين يدخل إليه بموقف جاهز، ويبحث عمن يوافقه، أو يحمل أجندته الخاصة إلى ما يكتب، لا يمكننا معرفة نوايا كل صحافي، لكن يمكننا قراءة اختياراته، من يتحدث إليهم، ومن يستبعدهم، وأي رواية يقبلها دون اختبار، وأي رد يتعامل معه بشك دائم، ومن يستمع إلى أصحاب توجه واحد سيجد ما يؤيد تصوراته باستمرار، وهنا ينبغي أن يتدخل المحرر، لا أن يكتفي بتجميل الصياغة، حماية المصادر لا تعني إعفاء المراسل من شرح أسباب ثقته بها ومصالحها في النشر.
وفي أحيان أخرى يكون التفسير أبسط، مراسل لا يملك الكفاءة اللازمة للملف، ومحرر لا يعرف عنه ما يكفي لمراجعته، وفي اليمن مثلا، لا تكفي معرفة مواقع القوات وأسماء قادتها، ينبغي فهم الفرق بين سيطرة ميليشيا على الأرض وحقها المزعوم في تمثيل البلاد، ومن يقدم مطالب المسلحين دون اعتبار للحكومة المعترف بها، يتجاوز نقص التفاصيل إلى خلل في فهم القضية نفسها، وهذا جانب مهم في تذكير السفير رائد قرملي في نفيه، لأن الكُتاب حين يغفلون الحكومة والانقلاب عليها يقدمون للقارئ صورة ناقصة مهما أكثروا من المصادر، ولا يعوض الصحافي جهله بمن يتحدث وبأي صفة بإضافة أسماء أخرى.
لهذا لا أظن أن ما قرأناه سيكون آخر رواية تستدعي النفي… ما دام المسؤولون عن النشر لا يراجعون طريقة العمل بالجدية التي يصححون بها عبارة أو رقما، المطلوب أن يعرفوا أين أخفقوا، وأن يختاروا مراسلين أكفاء، ويفحصوا انحيازاتهم ومصادرهم، ويمنحوا التصحيح من الوضوح ما منحوه للخبر، ومن يكتفي بإضافة الرد ثم يواصل العمل بالطريقة نفسها، لا يفعل أكثر من انتظار الخطأ التالي، ومن يطالب الآخرين بالشفافية عليه أن يبدأ بنفسه، والصحافي الذي يستعير الثقة من اسم مؤسسته… مطالب بأن يحافظ عليها بعمله.
