ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
نعم هناك ضغوط أميركية ودولية، لكن هذا لا ينفي أن مطلب حصر السلاح يحظى بشعبية واسعة. هكذا يتحوّل مطلب بديهي لأي دولة — أي امتلاكها قرار الحرب والسلم — إلى تهمة، ويُقدَّم نواف سلام كعدوّ للبيئة الشيعية، بدل البحث عن فرصة لإعادة وصل الدولة بمجتمعها.
نجح حزب الله في تثبيت سطوته، فأضاء صور زعمائه على الواجهة الصخرية في الروشة، على رغم قرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع استخدام المساحات العامة لأهداف حزبية.
لم تكن مجرد صورة: كانت رسالة مفخّخة في دلالاتها عمّن يملك الفضاء العام، ومن يقرّر قواعد التعاطي مع الحضور المدني والسياسي في لبنان.
المشاهد التي رافقت الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى على بدء الحرب الإسرائيلية واغتيال أمين عام الحزب حسن نصرالله، بدت أحياناً كعرضٍ للبلطجة السياسية؛ شخصيات قيادية في حزب الله استخدمت لغة مبتذلة. تجلّى ذلك في الحضور الاستعراضي لمسؤول مكتب الارتباط وفيق صفا الذي وزّع ضحكاته ومقابلاته مستخدماً عبارة روّجَ لها محازبوه: “السيكي لح لح”، قاصداً سلاح حزب الله ومتباهياً بما حصل بلغة سوقية؛ عرضٌ ضوئي لأصبع نصرالله الذي سبق أن هدد خصوم الداخل، وملامح عدة أخرى. اللافت أيضاً، كان شكر وفيق صفا لما وصفه بـ”تسهيل” الأجهزة الأمنية الاحتفال. هذا المشهد يضع أمامنا أزمة تطبيق القرار أكثر من كونه خلافاً رمزياً: هل ثمة فعلاً “دولة عميقة” لا يزال حزب الله يسيطر عليها؟
أما ذروة الابتذال فكانت محاولة الحزب إعطاء احتفاله مسحة وطنية عبر إضاءة صورة رفيق الحريري، الذي اتهمت جهات رسمياً عناصر في حزب الله بقتله. مشهد الروشة لم يكن حالة عابرة؛ بل ترجمة رمزية لصراع أوسع: من يملك حق الظهور العلني؟ من يملك شرعية التمثيل؟ ومن يملك القرار الأخير حول السلاح في بلدٍ تآكلت فيه سلطة الدولة؟
قرار رئيس الحكومة بمنع استخدام الأماكن العامة لأغراض حزبية، اصطدم بعمل ميداني بدا استعراض قوة تجاه الداخل حصراً — استعراض حاول الحزب تحويله إلى بيان عزيمة داخلية. وبدلاً من أن تكون مناسبة لتأكيد سلطة الدولة، كشف الاستعراض بوضوح أن الحزب، الذي وافق على اتفاق وقف إطلاق النار بكل مضامينه وتبعاته، يكرّس اليوم ماكينته الإعلامية والسياسية لتحويل رئيس الحكومة نواف سلام إلى خصم وجودي، فقط لأنه يمثل اتجاهاً يدعو إلى حصرية السلاح بيد الشرعية.
نعم هناك ضغوط أميركية ودولية، لكن هذا لا ينفي أن مطلب حصر السلاح يحظى بشعبية واسعة. هكذا يتحوّل مطلب بديهي لأي دولة — أي امتلاكها قرار الحرب والسلم — إلى تهمة، ويُقدَّم نواف سلام كعدوّ للبيئة الشيعية، بدل البحث عن فرصة لإعادة وصل الدولة بمجتمعها.
قبل عام، خاض حزب الله مواجهة خلّفت دماراً وخسائر بشرية واستراتيجية: ضربات موجعة طاولت قيادات ومراكز، وخروقات استخباراتية كشفت هشاشة القدرات. إسرائيل ردّت بحرب شاملة قتلت فيها مدنيين ودمرت قرى وأعادت لبنان عقوداً إلى الوراء، لكن حتى اليوم لم تُتبع هذه الخسائر بمراجعة داخلية مفتوحة وصريحة. بدلاً من الاستفادة السياسية والعسكرية من دروس عامٍ عسير، رأينا تحوّلاً إلى سياسات تهرّب من المحاسبة عبر تحويل الانتباه إلى أعداءٍ مفترضين في الداخل.
استعراض الروشة سبقته حملة إعلامية لوجوه “الممانعة” تكثّفت فيها الدعوات إلى التمسك بالسلاح، إلى حد قول أحد المعلقين: “هيدا السلاح مش للحزب. هيدا لأهل الأرض، والحزب سلمه لأهل الأرض. هل لدى الدولة القدرة تروح على البيوت وتاخد السلاح منهن؟ حتى الأطفال بحزب الله صاروا يلمّوا ويفكّوا كلاشنات. هنّ استشهاديين”.
هذا الخطاب الذي يسوّغ بقاء السلاح عبر تأكيد ارتباطه بالأرض، أو عبر تصوير التجنيد الشعبي كاستعداد للبطولة الاستشهادية، يشي بتحويل السلاح إلى أداة سياسية داخلية تُكرّس نفوذ فئة على حساب سلطة الدولة ومؤسساتها. والأخطر أنه يحوّل الجميع في الجنوب إلى أهداف محتملة ويُلغِي قرارهم برفض استدراجهم إلى مقتلة جديدة.
الأسئلة الحقيقية اليوم تتعلق بالأمن، والإعمار، والمستقبل. لا شك في أن حزب الله يستفيد من فقدان نزاهة “الراعي” الأميركي ومصداقيته، وهو ما تعكسه تصريحات موفدي واشنطن مثل توم باراك ومورغان أورتاغوس وآخرين. حين يتسرّب شعور بأن الراعي الخارجي يفقد موقعه أو يتحوّل إلى خصم، يتسع الفراغ المؤسسي ويمنح قوى محلية مثل حزب الله ذرائع إضافية لتبرير مواقفها. هذا المزيج الخارجي – الداخلي يجعل من إعادة تأسيس سلطة الدولة أمراً أكثر استعجالاً وصعوبة.
اليوم، على طاولة النقاش أسئلة عملية وحياتية: كيف يعود أهالي القرى الحدودية؟ كيف نعيد بناء الجنوب؟ كيف نؤمّن الحماية أمام خطر تصعيدٍ إسرائيلي محتمل؟ استمرار الخطاب الذي يرمي باللوم على الداخل بدل مواجهة تداعيات الحرب الحقيقية، يعرقل أي استجابة عملية للأزمات المعيشية والأمنية.
ما نحتاجه الآن ليس عرضاً خطابياً إضافياً، بل خطة مؤسساتية واضحة لإعادة ربط الدولة بمواطنيها، وموقف شجاع من جميع الأطراف لمساءلة الخيارات العسكرية السابقة وإعادة احتواء السلاح داخل آليات الشرعية. إعادة الاعتبار الى دور الدولة لم تعد خياراً سياسياً ثانوياً؛ بل مسألة وجودية لبقاء لبنان.
المشهد في الروشة كان تحذيراً أكثر من كونه استعراضاً؛ تحذيرٌ بأن الفراغ المؤسسي إذا استمر سيترجم إلى صراعات رمزية وميدانية تزيد من تدهور البلد. المطلوب اليوم شجاعة سياسية لا تقل عن شجاعة المراجعة: موازنة بين حماية المواطنين وتفكيك منطق السلاح كأداة حكم داخل المجتمع. وإلا فسنبقى نحكم على مستقبلنا بمشاهد تُضاء على صخورنا، بدل أن تُضاء في قاعات المؤسسات الشرعية.
المصدر موقع درج