لو عاش الفيلسوف الكبير إيمانويل كانط حتى زمن بنيامين نتنياهو لعدّل على الأرجح الكثير في نظريته الفلسفية حول الشرّ، فهو لحسن ظنّه بالطبيعة البشرية لم يتصوّر أنّ الإنسان يمكن أن يريد الشرّ من أجل الشرّ، وهذا قصورٌ في التصوّر لا يُسامح عليه. بل يمضي أكثر إلى حدّ القول إنّ من يريد الشرّ بإرادته الحرّة “ينبغي أن يحتقر نفسه”، فيا للعجب! وهل كان كانط يتوقع حقًا من نتنياهو وأمثاله أن يحتقروا أنفسهم وأفعالهم الإجرامية، وأن يعوا فداحة شرّهم وما يرتكبون؟! ومرة أخرى يغلّب كانط حسن النية، إذ يستدرك مُقِرًّا بأنّ احتقار الذات عند ارتكاب الشرّ، أو بالأحرى الخوف من الاضطرار إلى احتقار الذات، غالبًا ما لا يجدي نفعًا (هذه هي الحقيقة)، فالإنسان يستطيع أن يكذب على نفسه، والكذب في عُرف كانط هو “التدنيس الحقيقي لجنسنا البشري”، فماذا لو اجتمع القتل والكذب في دَنَس سفّاح واحد هو الأفظع تدنيسًا للجنس البشري؟!
حيّرت مسألة الشرّ كانط فلسفيًا، ولم يوصله منهجه إلى جواب حاسم حولها، ويكفي أن يطرح سؤال: كيف يمكن للحرية التي تجعل الخير ممكنًا أن تكون أيضًا مصدر الشرّ؟ ويردّ بصريح العبارة: “هذا ما نريد فهمه، وما لن نفهمه أبدًا” (من مؤلّفه “الدين في حدود مجرّد العقل”)، معترفًا بأنّ حرية إرادة الشرّ هي “مبدأ تفسيريّ يظل محجوبًا في الظلام إلى الأبد”، تمامًا مثلما هي حرية إرادة الخير. الأديان تفسّر ذلك بوجود الأرواح الشريرة، لكنّه مجرّد تفسير يهدف إلى جعل ما لا ندركه على نحو بديهيّ وعمليّ أمرًا مفهومًا يُنسب إلى ما وراء العالم الحسّي. إنها محاولة لإغماض أعيننا عن الأصل الأخلاقي للشرّ والاستغناء عن الرؤية الواضحة داخل أنفسنا. إنه عمى الذنب الذي يشجع على تبرير الذات، والكذب على الذات وعلى الآخرين، بل يصرف المرء عن الشعور بأنه ملزم بمحاربة الشرّ داخل نفسه وخارجها. السؤال الجوهريّ ليس من أين يأتي الشر؟ بل من أين يأتي الشرّ الذي نفعله؟ سؤال محرج نتجاهله برضًى، معتقدين أن ثمة اختلافًا مطلقًا في مرتكبي الشر. وحدها الوحوش، أي الكائنات ذات الطبيعة المختلفة عن طبيعتنا، يمكنها ارتكاب مثل تلك الجرائم. إن “طبيعتنا” تحمينا منها لكوننا متحرّرين من الشرّ الذي تجسّده. ويخطئ كانط من جديد، وبسبب حسن ظنّه بالبشر، حين ينفي أن ترتقي إرادة الشرّ إلى الكينونة الشريرة، أي إلى أن تصبح الذات كائنًا شيطانيًا.
يسمح التفسير الكانطيّ بالربط بين سيادة الطبيعة (الفلسفة اليونانية)، وسيادة النعمة (المسيحية)، من خلال جعل كلتيهما أمرًا ممكنًا للطبيعة البشرية. اختيار الشرّ، في رأي كانط، مسألة إرادية، والإنسان مسؤول عنه على نحو تامّ. الإنسان ليس في نظر الفيلسوف سيئًا في محدّداته ككائن طبيعيّ يملك الحساسية، وككائن أخلاقيّ قادر على جعل الأخلاق والحق والحرية أمورًا ممكنة. الحساسية في حد ذاتها بريئة، ومع ذلك قد يقاد الإنسان مثل الحيوان بالشهوات والدوافع والميول التي هي خارج الأخلاق، فالسلوك الذي ينطوي على حرية الإرادة والقدرة على رفض الميول الطبيعية إراديًا يمكن أن يخضع وحده للحكم الأخلاقي، في حين أن الحساسية لا تحتوي إلّا على القليل جدًا من الإرادة الحرة فتجعل الإنسان حيوانًا بحتًا. والإنسان ليس حيوانًا، وليس مقيّدًا بقانون طبيعيّ كالأسد، أو الغزال، وليس بالتالي خاضعًا لحتمية الطبيعة، وهو يملك القدرة على تحديد نفسه من خلال القوانين، ويمكن بذلك تحميله مسؤولية أفعاله.
يمضي كانط في تفاؤله الجميل، النظريّ المفرط، متيقّنًا من أنّ الإنسان بطبيعته العاقلة ذو نزعة أخلاقية، ويمثّل بالضرورة القانون الأخلاقي لنفسه، وهذا ما يلزمه. فالقانون الأخلاقيّ يفرض نفسه عليه بطريقة لا تُقاوَم، نظرًا إلى نزعته الأخلاقية، ولو عارض القانون وناقضه نغدو أمام كائن شيطانيّ (نعود هنا إلى تأثير الفكرة المسيحية)، وإن لم يَرَ كانط في الإنسان كائنًا شيطانيًا. تتجلّى المشكلة الأخلاقية لديه عند مفترق طريقين متنافسين: الدافع الأخلاقيّ المحض والدافع الحسّي، وإن أظهرت التجربة في عين الفيلسوف أنّ الإنسان يميل، في مبدأ إرادته الذاتية، إلى تفضيل مقتضيات حب الذات على مقتضيات الأخلاق. هذا ما يسميه كانط “الميل إلى الشرّ”. فالإنسان يميل في الواقع إلى تفضيل ما يجعله سعيدًا على ما يجعله أخلاقيًا. وحين يكون هنالك تعارض بين الطموحين، وكلاهما طبيعيّ، يُدفع الإنسان إلى التضحية بالقانون الأخلاقي في سبيل تحقيق رغبته. يتحمّل الإنسان المسؤولية عن ذلك كاملةً، ليس بسبب شرّ فطريّ لديه، بل لسوء استخدام حريته.
يتساءل كانط إن كان منطقيًا القول بأنّ الإنسان خيّر أو شرّير بطبيعته، فتحديد الخير أو الشر في الطبيعة البشرية لا يخضع لطبيعته التجريبية، بل لطبيعته المعقولة، أي الخاضعة للعقل، مصدر الإرادة. يرى كانط أن دَنَس جنسنا البشري الحقيقي هو الكذب. فخداع الذات يتطوّر أيضًا في الكذب والخداع تجاه الآخرين، وهذا كامن في الشر الجذريّ للطبيعة البشرية، ويمثّل تدنيسًا للنوع البشري، ويمنع الخير من النمو. إن الإرادة التي تتعمّد الشر من أجل الشرّ هي سمة من سمات كائن شيطانيّ، وما من إنسان كذلك، يصرّ كانط، إذ يَعُدّ أن أكثر الناس شرًا لا يتخلّى عن القانون الأخلاقي(!)، وبالتالي ينبغي ألّا نطلق في الحقيقة اسم “الشر” على الطبيعة البشرية، لأنّ الشر هو “انحراف” في القلب، ويُنعت بـ”القلب الشرير”.
| بيت كانط (Getty) |
إنه لا يتعارض مع الإرادة الطيبة عمومًا، بل ينبع من هشاشة الطبيعة البشرية وضعفها الشديد. هشاشة ممزوجة بالنجاسة المتمثّلة في عدم فصل الدوافع (حتى دوافع الأفعال التي ترتكب بنيّة حسنة) بعضها عن بعضها الآخر وفقًا لقاعدة أخلاقية.
يرفض كانط فكرة أن الفساد الأخلاقي أمر لا مفر منه، فنحن البشر مسؤولون عنه، ومن واجبنا ألّا نفتح له آفاقًا. ثمّة بالفعل ميل إلى الشرّ في الطبيعة البشرية، لكنّ هذا الميل لا يعني في نظر كانط أن الإنسان سيّئ في جوهره، فالمزاج الأخلاقيّ متأصّل في طبيعته العقلانية، ولو انحرف عنها فإن الأمر لا يُعدّ شرًّا خالصًا. الأخلاق أولوية مطلقة لدى كانط، تتجاوز الدين وتكتفي بذاتها، والإنسان كائن حر لا يدين بقدرته على التفكير، وبإعطاء القيمة الأخلاقية لأفعاله لأيّ جهة مهما علا شأنها أو هيبتها، بما في ذلك الدين. الوازع عن الشرّ يجب أن يكون في عُرْفِهِ أخلاقيًا، وليس دينيًا. تتقدّم الأخلاق على الدين والعبادة وكل شيء.
هنا أقوال ـ منتخبات من كانط حول مسألة الشرّ:
* “بما أنه ينبغي أن نقبل بالإنسان في طبيعته (أي كما هو مولود في العادة) بوصفه سليمًا من حيث الجسم، فإنّه لا يوجد أي سبب يمنع من أن نقبل به أيضًا من حيث النفس بوصفه في طبيعته سليمًا وخيّرًا بالقدر نفسه”.
* “إنّ الخلاف بين الافتراضين القائلين بأنّ الإنسان هو إمّا خيّر أخلاقيًا أو شرير أخلاقيًا يستدعي سؤالًا حول ما إذا كان هذا الفصل ينطوي على صحة ما، وما إذا لم يكن في وسع أحدهم أن يذهب إلى أن الإنسان هو بالطبع ليس أيّ واحد من الأمرين، بينما يمكن أن يقول طرف آخر: إنّه الأمران معًا، أي خيّر في بعض أجزائه، أما في بعض آخر فشرّير. ويبدو أن التجربة تؤيّد هذا الحدّ الأوسط بين الطرفين الأقصيين”.
* “إن في الإنسان نزوعًا طبيعيًا إلى الشر (…) وهذا الشرّ هو شرّ جذريّ، فهو يفسد الأساس الذي تقوم عليه جميع المسلّمات، وهو أيضًا من حيث هو نزوع طبيعيّ شيء لا يمكن تدميره بالقوى الإنسانية، إذ لا يمكن أن يحدث ذلك إلّا بواسطة مسلّمات خيّرة، وهذا ما لا يمكن أن يحدث حين يُفترض أن الأساس الذاتيّ الأسمى لكل المسلّمات هو مبدأ فاسد، ولكنّه مع ذلك نزوعٌ ينبغي أن يكون التغلّب عليه أمرًا ممكنًا، لأنه موجود في صلب الإنسان من حيث هو كائن فاعل حرّ”.
* “مهما كان الشكل الذي به كان أصل الشرّ الخلقي حاصلًا دومًا في الإنسان، فإن أشنع أنواع التمثّل لتعميم الشر وانتشاره عبر كل أفراد بني جنسنا وفي كل الأجيال هو: أن نتمثّله بوصفه شيئًا وصل إلينا عبر الوراثة من آبائنا الأول”.
* “أمّا كيف يكون ممكنًا أنّ إنسانًا شريرًا بطبعه يجعل من نفسه إنسانًا خيّرًا فهو أمر يتجاوز كل مفاهيمنا، إذ كيف يمكن لشجرة خبيثة أن تحمل ثمرًا طيّبًا؟ ولكن، كما تمّ الاعتراف بذلك من قبل، إن شجرة طيّبة في أصلها (بحسب الاستعداد) قد أنتجت ثمرًا رديئًا وإنّ السقوط من الخير إلى الشرّ (متى فكّرنا في أنّ هذا الشرّ هو ينبثق من الحرية) أمر ليس بأيسر للفهم من النهوض من الشرّ إلى الخير، وإمكان ذلك لا يمكن الجدال فيه”.
* “إن ما يكونُهُ الإنسان بالمعنى الخلقيّ، أو يجب أن يصبح عليه، خيّرًا أو شرّيرًا، ينبغي أن يفعله بذات نفسه، أو يكون قد فعله. إنّ كلًّا من هذين الأمرين ينبغي أن يكون فعلًا ناجمًا عن مشيئته الحرة، فمن دون ذلك لا يمكن أن يُنسب إليه، وأن يتحمّل مسؤوليته، ولن يكون بالتالي خيّرًا أو شرّيرًا من الناحية الخلقية”.
سواء أجاب عقل إيمانويل كانط العظيم عن الأسئلة المقلقة حول أصل الشرّ، أو لم يجب، إلّا أنّ عمقه الفكريّ ونبله الإنسانيّ يحضّاننا على التأمل والتبصّر في ما رأى وخلص إليه وأرخى عليه هو نفسه ظلالًا من الشك وعدم اليقين، إذ قال إن إرادة الشرّ ستظلّ محجوبة في الظلام إلى الأبد، وأن ثمّة ما لن نستطيع أبدًا فهمه. مسألة الشرّ معقّدة جدًا، نعرف فحسب أننا نعيش تبعاتها وتهديدها المستمرّ.
* ناقد وأستاذ جامعي من لبنان.