مرت، قبل أيام قليلة، ذكرى رحيل نجيب محفوظ، الذي يخيل إليّ أنه، برغم جبال الأوراق التي كُتبت عنه، نقديًا وصحافيًا، لا يزال عالمه وحياته ومشواره بشكل عام، يحتملون الاكتشاف والتناول بوجهات النظر المختلفة، سواء على المستوى النقدي والبحثي، أو على مستوى القراءة العامة. ولدينا عدد من الأسماء النقدية المهمة التي عاصرت محفوظ، في مراحل مختلفة من حياته، وقدمت دراسات مهمة عن مراحله الأدبية وجوانبه المتنوعة وعلاقة مجمل حالته بنسيج المجتمع المصري في أكثر من حقبة زمنية عاصرها وتناولها في رواياته.
ومن الكتابات المهمة على سبيل المثال لا الحصر: “نجيب محفوظ الصورة والمثال” للدكتورة لطيفة الزيات، و”في غياب الحديقة حول متصل الزمان/ المكان” للدكتور حسين حمودة. هنالك، أيضًا، عدد من الدراسات المهمة للدكتور محمد بدوي، الذي أصدر أخيرًا كتاب “سردية نجيب محفوظ”، وهو كتاب صغير يراه بدوي تمهيدًا لمجموعة من الكتب التي يجهز لإصدارها حول صاحب “الحرافيش”، وينتظرها المهتمون بشوق نظرًا لمعرفة الحياة الأدبية بما لدى بدوي من رؤى مهمة في شأن أديب نوبل، فضلًا عما نعرفه عن القيمة الفكرية لبدوي كناقد ومفكر فريد. وهنالك كتابا محمد شعير: “أولاد حارتنا… سيرة الرواية المحرمة”، و”أعوام نجيب محفوظ… البدايات والنهايات”.
غير أنه، في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ثلاثة كتب مهمة، أتصور أنها، من زاوية نظر مُكملة لبعضها بعضًا بشكل ما رغم اختلاف كُتابها، ما قد يجعل من الإلمام بها مجتمعة أكثر ما يمكن أن يعطي المهتمين صورة واسعة وشاملة لعالم محفوظ ومشواره الأدبي والشخصي على طوله:
“صفحات من مذكرات نجيب محفوظ”
هذا كتاب ممتع بحق، صدرت أحدث طبعاته عن دار الشروق، حرره الكاتب والناقد الراحل رجاء النقاش، بعدما عقد مع محفوظ جلسات حوارية طويلة، وصاغه بما يشبه السيرة الذاتية للرجل، بمعنى أن هذه الجلسات الحوارية الممتدة لم تتتم صياغتها في شكل سؤال وجواب، وإنما يكتفي رجاء النقاش بمقدمة شديدة القصر في بداية كل فصل تعطي إشارات عن محتواه، ثم ينسحب صوته تمامًا وكأنه يتملى من محفوظ حكايته الطويلة، تحدث فيه عن كل شيء تقريبًا حول الكتابة والسياسة والحياة والوظائف التي تقلدها، وآرائه في الشؤون العامة، والكتاب المصريين والعالميين، مرورًا بعلاقته بالسينما والرقابة، وأجواء نوبل. حكى كيف كان دائم الطلب من زوجته أن “تعقل”، بسبب دوام حديثها معه حول أحقيته بنوبل قبل أن يفاجئه خبر فوزه بها. كان يرى أن جيله تربى على “عقدة الخواجة”، ما أحدث في نفوس أسلافه نوعًا من عدم ثقة: “ذلك العصر كان مليئًا بالعمالقة من الكتاب العالميين، مثل برنارد شو، وسارتر، وألبير كامو. لم أضع نوبل في ذهني أبدًا”. كما لم يفته أن يميل بكتف قانونية ناحية يوسف إدريس، الذي ثار جدلًا وقتها حول أحقيته بالجائزة: “بعض الناس يقعون في سوء فهم نتيجة لعدم معرفتهم بالفرق بين التزكية والترشيح، الأولى تأتي بناء على توصية من الجامعات. فجامعة الإسكندرية مثلا زكّت طه حسين، واللجنة السياسية العليا زكّت توفيق الحكيم. والتزكية ليست سرًا. وبناء عليها تقوم لجنة نوبل بترشيح بعض الأسماء بعد سؤال المتخصصين، وهؤلاء أقسموا على عدم إفشاء السر حفاظًا على كرامة الأدباء، وهذا هو الخلط الذي وقع فيه يوسف إدريس، فيبدو أنه علم أن جهة ما زكّته، فظن أنه مرشح للجائزة”.
يصحبنا حول حكايته مع تعلّم كتابة السيناريو على يد المخرج صلاح أبو سيف، الذي لم يكن قرأ له، عام 1974، سوى رواية “عبث الأقدار”. عقد المخرج مع الروائي جلسات، أطلعه خلالها على تفاصيل وجوانب وتقنيات في كتابة السيناريو، وأعطاه مجموعة كتب عن هذا الفن، التهمها محفوظ: “كان أبو سيف يعد لفيلم جديد عن عنتر وعبلة. بدأت في كتابة السيناريو، واستطعت إنجاز ما طلبه أبو سيف، وكانت النتيجة مبهرة من وجهة نظره. وحصلت على 100 جنيه نظير عملي، الذي كان فتحًا جديدًا في حياتي يشبه ظهور النفط في دول الخليج”.
في هذا الفصل عن علاقته بالسينما، لم يتحدث فقط عن عمله ككاتب سيناريو، أو عن مفارقة أنه، رغم احترافه المسألة، لم يكتب أبدًا سيناريو لفيلم مأخوذ عن إحدى رواياته. تكلم أيضًا عن رؤيته لفكرة الرقابة، حيث تولى رئاستها بتكليف من وزير الثقافة وقتها ثروت عكاشة: “انقطعت صلتي بالمنتجين، ولم أعد أبيع لهم أي قصص لي إغلاقًا لباب المجاملات. ولكن قبولي لمنصب مدير عام الرقابة رسم على وجوه الأصدقاء والقراء علامة استفهام، فكيف أكون رجلًا يدعو للحرية وينادي، ثم يرضى أن يكون رقيبًا على الفن، ويحد من حرية الفنانين؟”.
والرقابة كما فهمها محفوظ لم تكن فنية، أو تتعرض للفن وقيمته، ولكن وظيفتها هي حماية سياسة الدولة العليا، ومنع الدخول في مشاكل دينية قد تؤدي إلى فتنة طائفية، والمحافظة على الآداب العامة وقيم المجتمع وتقاليده في حدود المعقول: “في ما عدا ذلك، يحق للفنان أن يقول ما يشاء، ويعبر عن نفسه بالأسلوب الذي يراه مناسبًا”.
هكذا نقرأ على لسان محفوظ، عبر أربع وعشرين فصلًا من المتعة الصافية، حكاياته من الطفولة والشباب للوظيفة والأدب، وكيف اختاره طريقًا وعلاقته بأساتذته في الحياة، مرورًا بمن عرفهم شخصيًا من الأدباء وآرائه الفنية فيهم وفي الأجيال التالية، ثم النساء اللاتي أثرن فيه، متاعبه مع السلطة، أزمة رواية “أولاد حارتنا”، وكثير من المناطق المجتمعية والسياسية التي تعد تاريخية، وصولًا إلى تأملاته حول الله والإنسان. وينتهي الكتاب بفصل يشبه الملحق، والحديث عن طبعة دار الشروق، ولست متأكدًا إن كانت طبعة الكتاب الأولى تضم هذا الفصل، كتبه رجاء النقاش تعليقًا تفصيليًا على محاولة الاغتيال الشهيرة التي تعرض لها محفوظ على يد أحد المتطرفين دينيًا، اعتمد فيه الكاتب على عدد من المصادر الصحافية.
“حوارات نجيب محفوظ”
بينما انتهى كتاب رجاء النقاش عند محاولة الاغتيال الشهيرة، يبدأ كتاب “حوارات نجيب محفوظ”، للكاتب محمد سلماوي، والصادر منه طبعة حديثة عن دار الكرمة، من عند هذه المحاولة، هكذا شعرت مع هذا الكتاب أنه استكمال لحكي محفوظ سيرته الذاتية، ليس استكمالًا طوليًا لخط الزمن بقدر ما هو استكمال عرضي للمراحل الزمنية نفسها، مع الإلمام أكثر بتفاصيل الحياة الشخصية في بواكيرها، واشتباك مع مظاهر الحياة القاهرية في حقب محفوظ المختلفة، فضلًا عن آرائه في الشؤون والأحداث العامة، مع مساحة أكبر لظواهر العنف والتطرف الديني، يضاف إليها صحبة محفوظ في واحدة من أكثر مناطق حياته حساسية ومفصلية، وهي تطور علاقته بالكتابة بعد محاولة الاغتيال، والتي قد يقف المرء أمامها عاجزًا عن فهم كيف استوعب كاتب مثل نجيب محفوظ أمر عدم قدرته على الكتابة، واضطراره لممارسة تمارين صعبة تتيح له فقط استعادة بعض ضئيل من قدرته على ممارستها.
والحكاية بدأت حين أفصح محفوظ لسلماوي عن عدم ارتياحه لاستمرار تقاضيه راتبه الشهري من جريدة “الأهرام”، بعدما توقف عن كتابة مقاله الأسبوعي، بسبب محاولة اغتياله طعنًا في رقبته، وتأثيرها على حركة يده، بحيث صارت الكتابة شبه مستحيلة. أملى محفوظ على سلماوي خطابًا موجهًا لرئيس تحرير “الأهرام” يطلب فيه أن يتحول مقاله الأسبوعي إلى حوار صحافي قصير يجريه معه سلماوي وينشر مكان المقال، على أن يطرح عليه سلماوي موضوعًا أسبوعيًا يتحدث فيه محفوظ بدلًا من أن يكتبه بنفسه. وامتدت الحوارات الأسبوعية 12 عامًا بين كانون الأول/ ديسمبر 1994، إلى أن رحل محفوظ في آب/ أغسطس 2006.
ويضم كتاب “حوارات نجيب محفوظ” مختارات مما كان ينشر في الأهرام ذلك الوقت، نتعرف معها على كثير جدًا من عالم محفوظ الشخصي والعام منذ طفولته وحتى وقت كتابتها حول كل مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية. وأنت حين تقرأ حكايات محفوظ على لسانه عن عالمه الشخصي وطفولته ونشأته تقرأ بالتبعية حول شكل المجتمع القاهري في مجمله. كما يجد المهتم نفسه أمام تركيبة شديدة الأهمية لحياة ومشوار أديب نوبل من ناحية، وتأريخ كبير للقاهرة في مراحل زمنية مختلفة من ناحية أخرى، فضلًا عن التعرف على رؤية محفوظ حول عشرات الأحداث التاريخية الكبيرة، والعلاقة مع كل شيء، ثقافي، أو إنساني، في عيون صاحب “حكايات ألف ليلة”، من تأملات حول الله والدين، مرورًا بالعنف والإرهاب، والسياسة والأدب، ورأيه في زعماء الساسة المصريين، من سعد زغلول، ومصطفى كامل، ثم النحاس، ومكرم عبيد، حتى جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحبه لأم كلثوم، وتصوره للعالمية، والعلاقة مع الأم وشهر رمضان والصيف والشتاء، والتدريب على تحريك يده، وفرحته العارمة بنجاحه في كتابة سطر كامل، وعشرات الموضوعات يتحدث فيها بنفسه، كافية لإكمال صورة كبيرة مفيدة وممتعة لأي مهتم، فضلًا عن كثير من الاستمتاع بالمرور على فقرات الكتاب القصيرة الرشيقة.
“العالم الروائي عند نجيب محفوظ”
يرى بعضهم أن كتاب “العالم الروائي عند نجيب محفوظ” للناقد والمفكر والمناضل الراحل إبراهيم فتحي، والذي صدرت منه طبعة عن مكتبة الأسرة قبل سنوات، من أهم الكتب النقدية المتخصصة التي تناولت عالم محفوظ الأدبي وتعاملت مع رؤيته الفلسفية.
أنت أمام حالة اشتباك فكري مع عالم محفوظ، ورصد لجوانب من فلسفة الإنسانية بأكملها وتطورها، عبر الدخول إلى تفاصيل هذا المشروع الأدبي العملاق، ما يليق بإبراهيم فتحي، أحد أبرز نقاد ومفكري ومناضلي الستينيات. هو كتاب يفتح ذهن القارئ على تأملات وأسئلة بأكثر مما يعطي الإجابات. يرى فتحي أنك في عالم نجيب محفوظ الروائي تصبح بصدد “صورة شاملة للعلم والتاريخ، أبطالها البذور الأولى. وهي صورة لا تخلو من مثاليات وتضحيات مبرقشة الألوان، نراها ممتدة على طول الروايات التي تأخذ في أحد محاور الاستمرار تتبعًا لشجرة أنساب عاشور الناجي في الحرافيش، أو السيد أحمد عبد الجواد فى الثلاثية”. أنت أمام فلسفة كبرى وسؤال حول ما إذا كان محفوظ وضع هذه الأفكار في اعتباره أثناء الكتابة، أم أنه كان يسترسل في تشييد عالمه، وبدون أن يتعمد وضع الناقد أمام مشروع يحيل إلى تلك التأملات.
هنالك، أيضًا، تأملات حول التطور الزمني وعلاقته بفن الرواية، ومعضلة أن الاتجاهات الحديثة في الرواية تنطلق من أن العالم لم يعد هو العالم الذي كانت تصوره الرواية التقليدية، وكيف تعامل محفوظ مع هذا ضاربًا المثل برواية “ثرثرة فوق النيل”.
وإذ يعطي كتابا رجاء النقاش، ومحمد سلماوي، صورة كبيرة لمجمل حالة نجيب محفوظ، يكمل كتاب إبراهيم فتحي في هذه الصورة الجانب البحثي المتخصص نسبيًا، وبتناوله يُشبع المهتم بالحالة المحفوظية كامل اهتمامه، خصوصًا المعنيين من الباحثين.
ومع أن هذه الكتب الثلاثة توفر صورة شاملة لمجمل الحالة المحفوظية، وتوفر إشباعًا كبيرًا للراغب في المعرفة، تأتي أهميتها الأكبر من كونها تصلح مرجعًا ضخمًا ونقاط انتقال إلى تأويلات أخرى حول هذا المشروع الأدبي الذي يشبه أرضًا خصبة لا تبور، ككل الفن الكبير والمؤثر، صالح دومًا للاشتباك والخروج منه بتناولات جديدة من زوايا صعبة الحصر، وعتبة لبناء نظريات جديدة، فضلًا عن كونه مصدرًا لا ينتهي للاستمتاع والدهشة.
المصدر ضفة ثالثة