|
|
.عدي العبدالله. كاتب
خطف نساء واغتصابهن وقتلهن في سوريا، جرائم تُنشر تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يختفي صداها من الذاكرة الجمعية بلا محاسبة واضحة، يُستبدل الحقّ القانوني للضحايا بمشهد افتراضي من التعاطف والشفقة و”التبرّعات”، وربما قضيّة الشابّة روان الأسعد، هي المثال الأوضح والأكثر فجاجة على ذلك!
تتكرّر مشاهد العنف ضدّ نساء في سوريا كأنها خبر يومي عابر: خطف واغتصاب وقتل، تُنشر تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يختفي صداها من الذاكرة الجمعية بلا محاسبة واضحة، و أحياناً إنكار لوجود هذه الجرائم بالأصل.
في كلّ مرّة، نرى موجة غضب عاطفي سرعان ما تتحوّل إلى حملات تضامن رمزية أو دعوات للتبرّع، بينما يظلّ الجناة خارج المساءلة. هذا النمط ليس مجرّد تراكم لحوادث فردية، بل أصبح جزءاً من بنية الحياة اليومية في مناطق سيطرة السلطة الانتقالية، حيث يُستبدل الحقّ القانوني للضحايا بمشهد افتراضي من التعاطف والشفقة، وربما قضيّة الشابّة روان الأسعد، هي المثال الأوضح والأكثر فجاجة على الانتهاكات التي تشهدها سوريا وأسلوب التعامل معها.
اغتصاب في وضح النهار… ثم تبرّعات!
في أيلول/ سبتمبر 2025، خرجت الشابّة روان الأسعد (23) عاماً، من مدينة سلحب في ريف حماة، في مقطع فيديو تطالب فيه بالقبض على مغتصبيها. كان الإرهاق والارتباك باديين على وجهها بشكل جليّ، روان أُجبرت على أن تتحوّل من ضحيّة تبحث عن الأمان إلى شاهدة على مأساتها أمام ملايين الغرباء.
وفي فيديو لاحق، أعلنت أنها تلقّت نحو 25 مليون ليرة من متبرّعين، في حملة أثارت جدلاً واسعاً حول شفافية جمع التبرّعات، والجهة التي صوّرت الفيديو ونشرته، وكيف حوّلت قضيّتها من جريمة اغتصاب علنية إلى قصّة إنسانية على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه الحملة لم تُسهم فقط في كشف اسم روان ومكان إقامتها، بل حوّلت قضيّتها إلى مادّة للجدل حول “تبرّعات” و”مساعدات”، بدل التركيز على المطالبة بمحاسبة الجناة.
ناشط سوري نشر مقطع فيديو ذكر فيه أسماء المغتصبين وانتماءاتهم القروية والفصيل الذي يعملون تحت رايته، وشرح كيف تمارس هذه الفصائل سطوة كاملة على القرى التي تسيطر عليها، بحيث ترتكب انتهاكات متكرّرة من دون رادع أو مساءلة، رغم علم الجهات الرسمية بمرتكبي الجريمة وهويّاتهم، أو على الأقلّ امتلاكهم ضبوطاً قدّمها الضحايا.
المشهد يتكرّر: جريمة منظّمة يرتكبها مسلّحون معروفون، تتحوّل إلى صدمة أولى على وسائل التواصل، ثم إلى صور و”هاشتاغات” ودعوات للتبرّع، وبعد أيّام تظهر الضحيّة في فيديو مرتبك تشكر فيه المتبرّعين، فينتهي المشهد. العدالة تختفي، ويظهر بدلاً منها خطاب الشفقة: “انظروا كم هي فقيرة، ساعدوها”. وكأن الجريمة لم تكن فعلاً يستوجب المحاسبة، بل مجرّد مناسبة لفتح حملة دعم.
ويتجلّى هذا النمط بوضوح في تحوّل القضايا سريعاً إلى حملات تبرّع تكشف تفاصيل حياة العائلة، لتصبح مأساة الضحيّة محتوى يستهلكه الجمهور بدلاً من أن تكون دافعاً للمطالبة بالعدالة.
حين تتحوّل المأساة إلى محتوى
ما إن انتشرت قصّة روان التي تعرّضت لاعتداء جنسي مساء الثلاثاء التاسع من أيلول/ سبتمبر الحالي، أثناء عودتها من عملها نحو قريتها حورات عمورين.
حتى تسابق ناشطون على منصّات التواصل إلى تصوير منزل العائلة ونشر تفاصيل حياتهم اليومية: أخ مريض، جدران بلا طلاء، أثاث متهالك، نافذة مكسورة، فالضحيّة هي المعيلة الوحيدة لأمّها وشقيقها بعد وفاة والدها في 2017.
أحد الحسابات كتب في منشور طويل بعد أن أخذ موافقة الأمّ ــ بحسب ما ذكر ــ أنه سيُطلق “أضخم حملة تبرّعات في طرطوس”، داعياً الناس إلى تحويل الأموال عبر شركات الحوالة المحلّية، واضعاً اسمه ورقمه بشكل علني. حساب آخر على إنستغرام، يملك تفاعلاً واسعاً، دخل إلى المنزل وصوّر كلّ التفاصيل الصغيرة، وحوّل حياة روان إلى سلسلة فيديوهات لجلب التعاطف وجمع المزيد من التبرّعات، من دون أن يطالب ــ ولو مرّة ــ بمحاسبة المغتصبين أو الضغط على الجهات المعنيّة.
هذه الحملات، مهما كانت نيّات القائمين عليها صادقة، تكشف مفارقة مؤلمة: هل حلّ قضيّة روان يكون بكشف خصوصية عائلتها وجعل حياتها مادّة عامّة للمشاهدة؟ هل يكفي أن نصلح نافذة بيتها بينما المجرمون أحرار؟ من المؤكّد أن العائلة تحتاج إلى المساعدة، لكن الأَولى أن يُلقى القبض على الجناة ويُقدَّموا للمحاكمة، لأن أي تبرّع لن يمنع جريمة جديدة، وأي حملة إنسانية لن تُعيد شعور روان بالأمان ما دام المعتدون طلقاء.
هذا الاستعراض الممنهج، يسلب الضحيّة هويّتها كمواطِنة لها حقوق. لا تعود امرأة اغتُصبت ويجب أن تُنصف، بل تصبح “قضيّة إنسانية” تستحقّ بعض النقود واللايكات. يُعاد تعريفها ضمن إطار “المحنة الإنسانية” بدل إطار “الجريمة السياسية”. تُحوَّل من شاهدة على عنف ممنهج إلى قصّة عاطفية قابلة للتداول عبر المنصّات.
نمط يتكرّر
قضيّة روان ليست استثناءً بل جزء من موجة الاختطافات والاعتداءات الجنسيّة والعنف المباشر ضدّ نساء وفتيات شهدتها مناطق ساحلية وريفية في سوريا خلال 2025. حيث أظهرت تحقيقات صحافية ارتفاع حالات اختفاء فتيات ونساء وخطفهن، بخاصّة في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، وذكرت حالات تتضمّن مطالبات فدية وعمليّات اختطاف متكرّرة، على سبيل المثال لا الحصر اختفاء عبير سليمان في وضح النهار وتلقّي عائلتها طلب فدية صريح، وخطف زينب غدير البالغة من العمر 17 عاماً وهي في طريقها إلى المدرسة، قبل أن تعود في ظروف غامضة وسط صمت رسمي كامل.
عشرات الحالات الأخرى سُجّلت بعبارات مبهمة مثل “غياب مؤقّت” أو “ظروف غامضة”، لتختفي من التداول بعد أيّام قليلة. تتكرّر القصّة بالطريقة نفسها: صدمة أولى على وسائل التواصل، موجة تعاطف، حملات تبرّع، فيديو شكر، ثم صمت تامّ، من دون إعلان عن أي تحقيق جدّي أو محاسبة واضحة. هذا النمط المتكرّر يجعل من كلّ جريمة جديدة رسالة مضاعفة للضحايا والمجتمع على حدّ سواء: العدالة غائبة بلا أفق، والمجرمون ما زالوا طلقاء.
هذا الواقع لم يعد مجرّد روايات متداولة على وسائل التواصل، بل صار مادّة موثّقة في تقارير دولية، تثبت أن ما يحدث ليس مصادفة ولا حادثة فردية، بل نمط ممنهج من العنف والإفلات من العقاب.
وحول تصاعد عمليّات خطف نساء في المحافظات نفسها، أكّد تقرير لوكالة “رويترز” أن بعض الناجيات اللواتي عدن إلى ذويهن بعد اختطافهن امتنعن عن الحديث عمّا جرى معهن، إمّا خوفاً من الانتقام وإمّا تجنّباً للوصمة الاجتماعية، فيما عبّرت أغلب الأسر التي قابلتها الوكالة عن شعورها بأن الشرطة لم تأخذ بلاغاتها على محمل الجدّ، وأن التحقيقات التي أُجريت كانت سطحية وغير مكتملة.
هذا الصمت الإجباري الذي يلفّ الضحايا وأسرهن، والخوف الذي يبعدهن عن المطالبة بحقوقهن، يتكرّر اليوم في قضيّة روان الأسعد، التي اضطرّت إلى الظهور علناً لتطالب بالقبض على مغتصبيها، في وقت لم يحرّك فيه أحد ساكناً لمحاسبتهم.
صمت حكومي إلا في حال “الترند”
الحكومة السورية لم تصدر أي تعليق رسمي على الوقائع التي أظهرتها تقارير الوكالات العالمية ومنظّمات حقوق الإنسان، بينما اكتفى مسؤولون محلّيون مثل أحمد محمّد خير مدير العلاقات الإعلامية في محافظة طرطوس، بالقول إن معظم حالات اختفاء النساء تعود إلى “نزاعات عائلية أو أسباب شخصية”، دون تقديم أدلّة تدعم هذا الادّعاء، بل وصل الأمر إلى إلقاء اللوم على الضحايا أنفسهن بالقول إنهن “يهربن من البيت لتجنّب الزواج القسري أو لجذب انتباه أهاليهن”.
هذا الخطاب الرسمي لا يكتفي بتبرير الغياب، بل يضعه في إطار اجتماعي يخفّف من خطورته، ما يترك العائلات أمام فراغ عدالة كامل. وتُظهر هذه المواقف الرسمية تكرار النمط ذاته الذي يحيط بقضيّة روان: تقاعس السلطات عن التحقيق الجدّي، لوم مبطّن للضحايا، وغياب أي إرادة سياسية لمحاسبة الجناة، أو وضع حدّ لسطوة الفصائل المسلّحة التي تتحكّم بالقرى وتترك الانتهاكات بلا رادع.
التجاهل الرسمي، الممزوج بخطاب يحمّل الضحايا المسؤولية، لا يقف عند حدود حالة فردية، بل يعكس سياسة صمت أوسع تتواطأ مع استمرار الانتهاكات.
وهنا تساعد التقارير الحقوقية الحديثة في فهم حجم المشكلة؛ إذ تُظهر بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وصندوق الأمم المتّحدة للسكّان أن ما جرى مع روان ليس حالة معزولة، بل جزء من واقع أوسع متجذّر في العنف ضدّ نساء وفتيات في سوريا.
ففي تقرير UNFPA الصادر في حزيران/ يونيو 2025، يُبيَّن أن العنف القائم على النوع الاجتماعي تصاعد في ظلّ الأزمات الاقتصادية والنزوح، مع تقييد شديد للوصول إلى الدعم الحماية والخدمات النفسية، وبينما لا توجد أرقام دقيقة مفصّلة عن كلّ محافظة، إلا أن الشبكة وثّقت في آذار/ مارس 2025 مقتل 1,562 شخصاً في جميع أنحاء البلاد، بينهم 99 امرأة، ما يُشير إلى أن النساء لا يُستثنين من دائرة العنف التي تشمل الموت والاختفاء والتدمير المادّي والمعنوي.
عند ربط هذه الإحصائيات بما تعرّضت له روان، من اغتصاب موثّق، وظهور علني، وتبرّعات، نكتشف أن سطوة “الترند” هي ما تحرّك “السلطات”، إذ نشرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل منشوراً تؤكّد فيه ملاحقة الجناة، كما اتّصلت بالعائلة لطمأنتهم، وقال مدير مديرية الأمن الداخلي في منطقة سهل الغاب خالد مردغاني: “توصّلنا من خلال التحقيقات الأوّلية إلى أنها تعرّضت للخطف من قبل شخصين يستقلّان درّاجة نارية، حيث قاما باقتيادها إلى أرض زراعية لتنفيذ جريمتهما النكراء”.
لكنّ القصّة لم تنتهِ هنا، التحقيقات الجارية تعني أن المشتبه بهم ما زالوا طلقاء، وانتشرت أخبار عن “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، تفيد عن دخول المسلّحين إلى القرية، في محاولة لخطف روان كرهينة للضغط على خاطفي عنصر من وزارة الدفاع لإطلاق سراحه، وسط تهديدات بالتصعيد.
يبدو واضحاً أن هذه الحالة ليست عابرة، بل هي أحد تجلّيات نمط متكرّر من الإفلات من العقاب، حيث تحوّل المأساة إلى مادّة للتعاطف الرمزي دون مساءلة فعلية أو حماية قانونية كافية، وتحوّل نساء إلى “عملة” للتبادل، إثر صراعات فصائيلية ومناطقية، وهذا ما رأيناه بوضوح أثناء مجازر السويداء.
هذا الواقع يفتح الباب لسؤال أكبر حول معنى العدالة في سوريا اليوم، وكيف تحوّلت من حقّ أساسي إلى امتياز نادر، فالاغتصاب لم يعد حادثة معزولة أو جريمة عابرة، بل أصبح مؤشّراً على خلل عميق في منظومة العدالة وعلاقة الدولة بمواطنيها.
كلّ واقعة اعتداء تحمل رسائل غير معلنة: للنساء أن أجسادهن غير محميّة، وللمجتمعات المحلّية أن سلطة السلاح تتفوّق على سلطة القانون، وللجميع أن العدالة ليست حقّاً متاحاً، بل امتياز قد لا يصل إلا لمن يملك القوّة أو النفوذ.
وقضيّة روان لم تكن جريمة فردية فقط، بل مثال مكثّف على هذا الواقع، والمطلوب ليس موجة تعاطف عابرة، بل مساءلة فعلية تطال الفاعلين ومن يوفّر لهم الغطاء. من دون ذلك، ستبقى كلّ جريمة جديدة تذكيراً بأن أجساد النساء ما زالت ساحة صراع، وأن غياب العدالة مستمرّ حتى إشعار آخر.
المصدر موقع درج