بنت الأمة الأميركية هويتها على ادّعاء واثق بأن الخارج يريد بها شرًّا. وأن العالم كله يضمر لها العداء. لهذا تُصرّ على البقاء قوية، وتصرّ أيضًا على النجاح. في التاريخ الحديث، نتذكر أن الأوروبيين سعوا لضرب الاقتصاد الأميركي ضربة قاضية، حين عمدوا إلى المطالبة باستبدال الدولارات الموجودة لديهم بقيمتها من الذهب، مما دفع الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إلى اتخاذ القرار برفع التغطية الذهبية عن العملة. أيضًا عمدت أوروبا واليابان في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى محاصرة الاقتصاد الأميركي بالسلع الرخيصة والفخمة على حد سواء، ما أدى إلى الثورة الريغانية التي قوّضت هذا المسعى سياسيًا وبالضغط المباشر، وبوضع قيود على التصدير. وهو ما نلاحظ مثيله اليوم مع الصين وأوروبا على حد سواء.
الأميركيون يشعرون دائمًا بأنهم هدف للحصار، لهذا هم غالبًا ما يهربون من المنافسة نحو ابتكار الجديد. وهذا ما فعلوه طوال العقود الماضية. وهم يظنون أن العالم لا يقبلهم إلا حين يفرضون أنفسهم عليه، ويفرضون منتجاتهم وأمزجتهم. لكنهم أيضًا، وبسبب هذا الظن المتجذر في نفوسهم، يتصرفون كما لو أن خلاصهم الوحيد يكمن في أن يعملوا بلا كلل ومن دون راحة لكي يتمكنوا من الصمود في وسط عالم لا يريد لهم الخير. حين نتذكر روايات جون دوس باسوس نلاحظ فيها أن الأميركيين لا يفعلون شيئًا سوى العمل من دون كلل حتى يتمكنوا من البقاء. لا وقت للمتعة، لا وقت للراحة، ولا وقت للتهاون. عليهم أن يحاربوا كل وقت، حتى يتمكنوا من البقاء. هذه هوية تقوم في أصلها على هذا الخوف. أمّا الحلم الأميركي فليس سوى اليوتوبيا التي تعدهم بتحقيق ما يحلمون به، لكنهم لن يحققوه. إنه أشبه ما يكون بجنّة المؤمنين الذين إذا تعبوا، طوعًا أو كرهًا، يمكن أن يُكافَأوا بعد الموت. وهذا يمنح ما تقوم به الإدارة الحالية معنى، ويجعل قراراتها قابلة لأن تكون شعبية رغم غرابتها.
منذ لحظة التأسيس، كانت أميركا تُعرّف نفسها ضد الآخر: ضد الملكية البريطانية، ضد الشيوعية، ضد الإرهاب، ضد الصين، ضد أوروبا أحيانًا. هذا “الآخر” لا يشكّل فقط تهديدًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل تهديدًا رمزيًا: يُهدد الحلم، النموذج، الاستثناء الأميركي. لهذا، تُبنى الهوية على العمل الدؤوب، الابتكار، والنجاح القاسي، لا على الراحة أو التأمل أو الحنين.
أميركا أمة خائفة، وخوفها متعدد المصادر، تخاف من التراجع، من المنافسة، من الانكشاف، وهذا ما يدفع الأميركيين إلى العمل بلا توقف. حتى المتع يُعاد تأويلها لتصبح أداة إنتاج: الرياضة، السفر، التعليم، كلها مرتبطة في أميركا بالنجاح لا بالفشل. باختصار، الأميركي لا يعيش، بل يشتغل على البقاء.
على هذا يمكننا إعادة تعريف الحلم الأميركي بوصفه لا يمكن أن يتحقق، بل هو وعد بالتعويض: إذا تعبت ستُكافَأ، إذا صبرت ستنجو. لكنه من جهة أخرى هو أداة ضبط، تمنع الناس من التذمّر، لأن الحلم موجود، حتى لو لم يتحقق.
لهذه الأسباب، وغيرها، ولأن هذه الهوية مبنية على الخوف والتوجس من الآخر، قد تنجح أكثر السياسات غرابة في اكتساب شرعية شعبية، لأن هذه الغرابة تخاطب هذا الخوف بالتحديد. ولأن غرابتها تُسوَّق كوسيلة للبقاء. بوصف البقاء الأميركي يقوم على سردية غريبة لكنها متفشية: العالم ضدنا، فلنبتكر، ولنشتغل، ولنغلق الأبواب حين نشعر بأي تهديد. ما يمنح هذه السياسات معنى يتفوق على كونها مجرد إجراءات قانونية، بل تصبح طقوسًا دفاعية.
الأميركيون، على الأرجح، مجبرون على العيش في هذه الدوامة. المفارقة، أن كثيرين في العالم يريدون الدخول إلى هذه الدوامة. وأملهم، كما أمل الأميركيين جميعًا، أن يجمعوا ما يكفي من المال للتقاعد من دون قلق، وغالبًا في بلادهم التي تحدّروا منها.
مع ذلك، هل من المستغرب أن نسأل ما الذي بقي من الأمم المتجانسة؟ هل كانت شيئًا آخر سوى أمم عنصرية وضيقة الأفق؟ هذا ينطبق على الفرنسيين والألمان، والصينيين والفرس. هذه أمم لطالما اختبرت سياسات الحروب مع أعدائها، ومحاولة إبادتهم أو إخضاعهم.
أميركا من جهتها، تُبيد وتقتل وتمارس العنف، لكنها في الجوهر تؤمن أنها مجبرة على تدمير هذه الهويات الأممية، لأنها لا تسمح لها بالوجود أصلًا. والحال فإن التوجهات الأميركية التي تتّبعها النخب الأميركية حيال العالم الخارجي اليوم، قد تنتج إقصاءً عنيفًا لكل الهويات الأخرى وكل الأمم الأخرى: إمّا تخضع وإمّا تخرج من المعادلة كليًا. هذا هو جوهر السياسة الأميركية اليوم في مواجهة التهديدات المباشرة والملتوية التي تعتقد أنها تُمارس عليها منذ عقود. وإذا نجحت هذه المرة في إثبات نفسها، أي أميركا، فإن النتيجة قد تكون، لا أقل، من تهديد هذا العالم بكل أممه بتحوّله إلى ذرات متناثرة لا قدرة لها على التعريف عن نفسها. لأن أميركا حين تواجه تهديدًا أو تشعر بأنها مهددة كما هو حاصل اليوم، لا ترد فقط بالدفاع عن نفسها، بل بإعادة تشكيل العالم وفق شروطها. ووسائلها لإعادة التشكيل هذه متعددة وفاعلة، تبدأ بعملتها المتحكمة بأسعار كل سلع العالم، وبسوقها المفتوحة التي تشكل إغراءً لكل العالم، وبسعيها لاحتكار التكنولوجيا التي باتت قاب قوسين أو أدنى من تشكيل السلطة العالمية التي لا تُهزم. فضلًا عن سلطتها الرمزية المتمثلة في ما تبثه من سلوكات وعادات وقيم مرغوبة ومُعتنى بتجميلها، عبر السينما واللغة والسيطرة على الأذواق، وحتى القيم الأخلاقية.