تقديم:
في الصيف الحار لعام 1938، وفي أجواء مشحونة برائحة الحرب العالمية المقبلة، قام راهب بلجيكي شاب برحلة خطيرة عبر ألمانيا النازية، حاملًا ثلاث حقائب دبلوماسية تضم 40 ألف صفحة من مخطوطات الفيلسوف الألماني اليهودي إدموند هوسرل، ليهربها من ألمانيا النازية إلى بلجيكا. كانت هذه المخطوطات تحتوي على التطوير الكامل لفكر هوسرل الظاهرياتي (الفينومينولوجي)، والذي سيصبح لاحقًا الأساس الذي ستقوم عليه الفلسفة الوجودية، وأعمال مفكرين كبار من بينهم جان بول سارتر، وإيمانويل ليفيناس، وموريس مرلو ـ بونتي(1).
كان على قصة الإنقاذ هذه أن تبقى طي الكتمان إلى أن عثر الصحفي والكاتب البلجيكي تون هورستن على صورة قديمة بالأبيض والأسود في ألبوم عائلته، تظهر فيها جدته إلى جانب راهب فرنسيسكاني يبتسم بينما تحيط بوجهه هالة من دخان سيجارته، هذا الراهب الغامض لم يكن سوى الأب هرمان ليو فان بريدا، الراهب الفلمنكي الذي أنقذ تراث الفيلسوف الألماني هوسرل من براثن النازية.
في ربيع عام 2018، أصدر تون هورستن كتابه “القس والفيلسوف، إنقاذ أرشيف هوسرل”، الذي يكاد يشكل جنسًا أدبيًا جديدًا، يجمع فيه الكاتب الفلمنكي من ناحية بين الأسلوب الصحافي الاستقصائي وكتابة السيرة، ومن ناحية أخرى بين التأريخ الشخصي لأحد أفراد عائلته، إذ يبدأ الخيط الأول للكتاب من صوة للراهب يشاهدها الكاتب في ألبوم صور العائلة، والتأريخ الأدبي لظاهرة فلسفية هي الفينومينولوجيا.
يبدأ الكتاب بسرد قصة إنقاذ هذه المخطوطات على خلفية السياق التاريخي الذي وقعت فيه؛ فإدموند هوسرل(2)، على الرغم من تحوله إلى المسيحية، كان يُعدُّ يهوديًا وفق قوانين نورمبرغ العنصرية، وكانت كتاباته تندرج تحت ما أسماه النازيون بـ”الفن المنحط”. في هذا الجو الخانق، حيث كان الفكر الحر يُخنق تحت جنازير الدبابات، قام فان بريدا بمهمته المستحيلة، ونجح في تهريب مخطوطات هوسرل، وإنقاذ تراث الفيلسوف، بتهريبه عبر الحدود إلى بلجيكا.
لكن قصة فان بريدا لم تتوقف عند إنقاذ المخطوطات فحسب، فخلال الحرب، واصل الراهب الشاب عمليات الإنقاذ بطرق أكثر إبداعًا وخطورة، وقام بإخفاء أرملة إدموند هوسرل، السيدة مالڤين، في دير بالقرب من مدينة لوفين البلجيكية، وأنقذها من الوقوع في أيدي النازيين، كما حدث للآلاف غيرها من اليهود آنذاك. كما أخفى المخطوطات في أماكن متفرقة، بدءًا من خزائن البنوك، وصولًا إلى صوامع وأقبية وجدران الأديرة البلجيكية، محولًا بلجيكا كلها إلى خزانة أرشيفية سرية لحفظ التراث الفينومينولوجي.
واجه فان بريدا تحديات لا حصر لها في الحفاظ على أرشيف إدموند هوسرل، بدءًا من مشكلة فك رموز المخطوطات المكتوبة بخط غابيلسبيرغر المختزل، الذي لم يعد أحد يجيد قراءته، إلى صعوبة تمويل مشروع تحرير ونشر هذه النصوص في زمن الحرب، لكن إصرار القس الشاب كان أقوى من كل العقبات. أدرك فان بريدا أن ما ينقذه ليس مجرد أوراق، بل عالم فكري كامل كان على وشك الحرق.
ما يميز كتاب تون هورستن، إضافة إلى تجاوزه سرد الأحداث إلى الغوص في الأعماق الإنسانية للشخصيات التي يرصدها، إظهاره أن بعض البطولات يقوم بها أناس عاديون، وهذا ما يزيد من عظمتها. لم يكن القس الفرنسيسكاني فان بريدا بطلًا خارقًا، بل كان إنسانًا بعيوبه ونقائصه، يصوره الكتاب أحيانًا متعجرفًا، أو متسلطًا، خاصة عندما أصبح مديرًا لأرشيف هوسرل بعد الحرب في جامعة لوفن البلجيكية، لكن هذه النقائص نفسها هي التي جعلت من شخصيته الصعبة حية ومؤثرة، لتذكرنا أن البطولات ليست حكرًا على القديسين والأنبياء وحدهم.
يقدم كتاب “القس والفيلسوف، إنقاذ أرشيف هوسرل” (2018) لوحة مثيرة للعلاقات المعقدة بين هوسرل وتلامذته، وعلى رأسهم تلميذه النجيب مارتن هايدغر، الذي تخلى عن أستاذه، وانضم إلى الحزب النازي. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فخلال بحثه، اكتشف هورستن أن فان بريدا لم ينقذ فقط تراث هوسرل، بل أيضًا مخطوطات الفيلسوفة إديت شتاين، التلميذة الأخرى لهوسرل، والتي أصبحت راهبة وقُتلت لاحقًا في معسكر أوشفيتز.
تحول الأرشيف الذي أنقذه فان بريدا إلى مركز دولي للبحوث الفينومينولوجية في جامعة لوفن البلجيكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأصبح منذ إنشائه مقصدًا لأهم المفكرين في القرن العشرين، من إيمانويل ليفيناس، إلى بول ريكور، وحتى الكاتب الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، ليصبح الأرشيف نفسه جسرًا بين الماضي الفلسفي والمستقبل الفكري لأوروبا ما بعد الحرب.
نترجم هنا افتتاحية كتاب “القسُّ والفيلسوف” للكاتب البلجيكي تون هورستن، والصادر عام 2018.
وفي ما يلي القسم الثاني والأخير منها:
| القس البلجيكي هرمان فان بريدا (يمين) منقذ أرشيف الفيلسوف إدموند هوسرل مع تون هورستن صاحب كتاب “القس والفيلسوف” |
من الناحية النظرية، يمكن استخدام طريقة الاختزال الفينومينولوجي في جميع المجالات العلمية، ولكن هوسرل يرى أنها مناسبة بشكل خاص للفلسفة. بل إنه مقتنع بأن الفلسفة لا يمكنها تحقيق هدفها الأصلي، وهو أن تصبح علمًا عالميًا ومطلقًا، إلا إذا اتخذت الفينومينولوجيا أساسًا لها. لن يحدث ذلك بسهولة وسرعة، لأن الفلسفة الفينومينولوجية هي بالنسبة لهوسرل “فلسفة عمل” حقيقية تستند إلى الوصف المستمر والدقيق والمتطور باستمرار لظواهر الوعي الخالص. وهذا يتطلب الوقت والعناية والتفاني.
بهذه الطريقة فقط يمكن للفيلسوف أن يفهم العالم من حوله، من دون أن يتورط في الأسئلة التي أهدرت عليها الفلسفة كثيرًا من الوقت في القرون السابقة. أثناء حياته، نشر هوسرل بشكل أساسي نصوصًا تمهيدية وعامة، حدد فيها بشكل مفصل الأسس المنهجية للفينومينولوجيا، والاختزال الفينومينولوجي. ولكنه احتفظ أيضًا بعشرات الآلاف من الصفحات غير المنشورة من مخطوطات أبحاثه المكتوبة بخط اليد. وغالبًا ما تتناول هذه النصوص موضوعات محددة للغاية، ويقوم فيها بالبحث والوصف وفقًا للمنهج الفينومينولوجي. وهي بطريقة ما أمثلة عملية يوضح فيها الفيلسوف ما تنطوي عليه الفينومينولوجيا، ومدى شمولية الاختزال الفينومينولوجي كمنهج. إنها أكثر بكثير من مجرد ملاحظات عشوائية على هامش مشروع فلسفي كبير، إذ تنتمي إلى جوهر مشروع هوسرل الفلسفي الكبير. لذلك، من المهم جدًا بالنسبة له (قبل أو بعد وفاته) أن يتم حفظ هذه النصوص ودراستها ونشرها في النهاية.
عندها فقط سيفهم العالم عظمة مشروعه الفينومينولوجي بشكل كامل.
***
لا يبدو أن الأب فان بريدا يعرف الخوف، أو التردد، إنه رجل أعمال، قس، نعم، ولكنه قس مغامر. ليو (هرمان هو الاسم الذي اتخذه عند رسامته كاهنًا) لم يرَ شيئًا آخر في منزله، كان والده، فرانس فان بريدا، ابنًا لمزارع من ميركسبلاس، رأى لنفسه حياة أخرى. بدأ العمل كبائع في سلسلة متاجر ديلايزه سريعة النمو، وتزوج ماريا نوينز، ابنة صاحب متجر في بلدة بيرس المجاورة، واستقر معها في لير، حيث أسسا معًا مصنعًا مزدهرًا لتحميص البن.
حتى عندما يطرق باب “مالفين هوسرل”، وليس “مالفين شتاينشنايدر”، لا يشعر بالخوف، أو التوتر. لا شيء يمكن أن يزعزعه ولو قليلًا، يتبين أن الأرملة ليست وحدها، فقد دعت أيضًا أوجين فينك آخر مساعدي هوسرل، للتواجد أثناء زيارة القس البلجيكي. كان الاستقبال ودودًا وحارًا؛ يأخذه فينك إلى الملفات التي يحتفظ فيها بتركة الفيلسوف، وفقًا لنظام وضعه بنفسه، بالتشاور مع معلمه. كان الأب فان بريدا مندهشًا، اتضح أن هنالك حوالي 40 ألف صفحة من المخطوطات، بالإضافة إلى عشرة آلاف صفحة من النصوص المكتوبة، أو المطبوعة، التي كتبها مساعدو هوسرل المتعاقبون: إديت شتاين، ولودفيغ لاندغريبي، وأوجين فينك نفسه، يمكن للثلاثة قراءة خط غابلسبرغر/ Gabelsberger، وهو أسلوب تدوين نادر جدًا في ذلك الوقت كان هوسرل يستخدمه. كان هذا الأسلوب شائعًا جدًا في جنوب ألمانيا والنمسا، خاصة في القرن التاسع عشر، قام المساعدون بتحويل الملاحظات إلى نصوص ألمانية كاملة، والتي كان هوسرل يعلق عليها ويقوم بتعديلها في كثير من الأحيان. ولدهشة مساعديه، وخاصة إديت شتاين، غالبًا ما كان هوسرل يتجاهل نصوصهم تمامًا، ليبدأ من الصفر. ولم يكن يهمه أنهم غالبًا ما كانوا يعملون عليها لأيام عدة. يقول فينك إن هذه المخطوطات هي التي كان هوسرل يشير إليها في نصوصه اللاحقة، والتي سمح الفيلسوف لبعض طلابه بالاطلاع عليها في السنوات الأخيرة من حياته.
| أرشيف إدموند هوسرل في مدينة لوفين في بلجيكا |
يُطلع فينك ومالفين هوسرل الأب فان بريدا أيضًا على مكتبة الفيلسوف، التي تضم 2700 كتاب، غالبًا مع إهداءات من المؤلفين إلى هوسرل، وملاحظات الفيلسوف في الهوامش، كما تضم المكتبة ألفي نسخة مطبوعة من مقالات، غالبًا مع تعليقات لهوسرل، يعتقد فينك أن قراءة كل هذه الملاحظات يمكن أن تجيب على معظم الأسئلة حول مصادر الإلهام الأدبية والفلسفية لمؤسس علم الفينومولوجيا، يكتب فان بريدا ملاحظات طوال الوقت.
من الواضح على أي حال أن أرملة الفيلسوف على وشك اليأس، فقد جعلت مالفين، التي تبلغ من العمر ما يقرب من ثمانين عامًا، إنقاذ الإرث الفلسفي لزوجها هدفها الأخير في الحياة، عهد هوسرل في وصيته بإدارة إرثه الفكري إلى ابنه غيرهارت هوسرل، وبما أن هذا الأخير هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1934، بعد أن تم فصله من منصبه كأستاذ في كلية الحقوق في جامعة كيل لكونه يهوديًا، فقد عهد مؤقتًا بأغلب حقوق عمل والده إلى والدته، وطالما أن مخطوطات ورسائل ومكتبة زوجها الراحل لم تكن في أمان، بقيت مالفين في فرايبورغ، وفي الأثناء أصبحت الأوضاع بالنسبة لليهود في ألمانيا النازية أشد خطورة.
أول محاولة لتخزين الإرث في مكان ما بدأها هوسرل نفسه في عام 1934، لم يحصل على تأشيرة دخول لحضور المؤتمر الفلسفي الكبير الذي عقد في براغ في ذلك العام، لكن أعماله ومصير تركته كانت موضوعًا مهمًا للنقاش بين الفلاسفة الحاضرين، تمت قراءة رسالة من هوسرل، وناقش عدد من الحضور ما يمكنهم فعله لضمان سلامة الأرشيف الورقي، وقد لعب ثلاثة أشخاص دورًا مهمًا في ذلك: الفيلسوف وعالم النفس إميل أوتيتز، الذي كان يطمح إلى جعل براغ عاصمة الفينومينولوجيا، ومساعد هوسرل السابق لودفيغ لاندغريبي، الذي كان يدرس في براغ في ذلك الوقت، والفيلسوف الشاب يان باتوتشكا، الذي كان قد تلقى دروسًا من هوسرل في فرايبورغ، ناقش ثلاثتهم إمكانية إنشاء أرشيف هوسرل في الدائرة الفلسفية المحلية في براغ.
هوسرل، الذي كان مقتنعًا تمامًا بأن عمله لن يُقدَّر حق قدره إلا بعد وفاته، استجاب للاقتراح بشكل إيجابي. ربما لأن الاقتراح جاء من براغ؛ وُلد الفيلسوف في عام 1859 في بروستيجوف/ بروسنيتز في مورافيا (التشيك)، لكن لم يكن له أي ارتباط شخصي بمنطقة مولده، فقد اندمجت هذه المنطقة في تشيكوسلوفاكيا، الدولة الجديدة التي نشأت بعد انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية المزدوجة عام 1918. كان حماسه لمشروع براغ مرتبطًا بالرجل الذي كان في ذلك الوقت رئيسًا لتشيكوسلوفاكيا منذ ستة عشر عامًا؛ صديق طفولته القديم توماس ماساريك. وصل هوسرل وماساريك، الأكبر منه بثماني سنوات، إلى لايبزيغ في وقت متقارب من شتاء عام 1876، الأول كطالب، والثاني كمدرس، نشأت صداقة وثيقة بين الاثنين، وقضيا لاحقًا كثيرًا من الوقت معًا في فيينا. كان ماساريك أول من لفت انتباه هوسرل إلى محاضرات فرانز برنتانو في فيينا، كان هذا هو الرجل الذي كان على هوسرل أن يتعرف على أعماله، وحين حضر هوسرل محاضرة لبرنتانو بعد سنوات، كان منبهرًا.
ظل هوسرل يرى في برنتانو معلمه الأهم، فهو مَن علّمه أن الفلسفة يمكن أن تمارس كعلم صارم، وبذلك وضعه على المسار الفلسفي الصحيح. ظل هوسرل ممتنًا لماساريك على ذلك، وبقي الاثنان على اتصال متقطع في العقود التالية، حيث تبادلا الرسائل من حين لآخر، والتقيا مرتين على الأقل. عندما أصبح ماساريك، بعد سنوات عديدة، أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا، بذل جهودًا كبيرة للمساعدة في إنشاء أرشيف برنتانو في براغ، وكان هوسرل يأمل أن يفعل الرئيس الشيء نفسه بالنسبة لتراثه. على أي حال، بدا أن المشروع يبدأ تحت نجم جيد، إذ وجدت الجمعية الفلسفية عبر “مؤسسة روكفلر” ما يكفي من المال لتكليف لاندغريبي، الذي كان المساعد الشخصي لهوسرل من 1923 إلى 1930، بإجراء جرد لجميع المخطوطات، حتى يتمكن من البدء في النسخ، وتم إرسال كمية صغيرة من المخطوطات إلى براغ، وبدأ لاندغريبي العمل. هذه الأخبار كانت سارة، كما رأت مالفين في مارس 1935: “هذا يحرر إدموند من القلق الشديد بشأن إرثه، إذ لم يعد هنالك أي دعم متوقع هنا”.
في 15 سبتمبر 1935، تم إعلان قوانين نورمبرغ العرقية في جميع أنحاء الرايخ الثالث، وأصبح التمييز ضد الألمان من أصل يهودي رسميًا بموجب القوانين الجديدة، أدرك آل هوسرل على الفور أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالإرث الفلسفي، بل أصبح يتعلق أيضًا بحياتهم. كتب إدموند هوسرل: “لقد وصل الأمر إلى درجة أنني لم أعد أستطيع التحمل، وأريد أن أجرب كل ما يمكنني في براغ، وأبحث في كل ما هو ممكن. يمكنهم أن يأخذوا كل شيء، المخطوطات والمكتبة والأثاث، طالما أنهم يقبلون بنا نحن المسنين”. أراد هو ومالفين الرحيل، مع المخطوطات والمكتبة، ويفضل أن يكون ذلك إلى براغ.
في نوفمبر 1935، حصل هوسرل أخيرًا على تأشيرة خروج إلى براغ، وألقى محاضرة أمام الدائرة الفلسفية، وبحث أيضًا مع أعضاء تلك الجمعية في إمكانيات الحصول على اللجوء في تشيكوسلوفاكيا، ودرس إمكانية الحصول على وظيفة أكاديمية. لم يكن يريد، إذا غادر ألمانيا إلى براغ، أن يعتمد على الصدقات. في الرسائل التي تبادلها بعد ذلك، أصبح من الواضح أكثر فأكثر أن مثل هذا المنصب لن يتحقق، وأدرك هوسرل في ذلك الوقت أن حلمه في براغ قد تلاشى، ومن المحبط أيضًا أنه لم يعد في إمكانه زيارة صديقه القديم ماساريك؛ فقد كان الرئيس مريضًا بشدة.
عندما جلس فان بريدا مع فينك ومالفين في غرفة معيشة عائلة هوسرل بعد ثلاث سنوات، أي بعد أربعة أشهر من وفاة الفيلسوف، لم يكن قد تم ترتيب أي شيء بعد؛ لا لحفظ المخطوطات وصيانتها، ولا لنسخ النصوص، ولا للنشر والبحث، لم يعد لدى مالفين كثير من الخيارات. تذكرت أن فان بريدا قد ذكر في رسالته “مشروع لوفين”، وسألته عما إذا كان في إمكانه إخبارها بمزيد عن ذلك.
لم يصل فان بريدا بعد إلى مرحلة طرح الخطة، ويقرر أن يكون صريحًا؛ يخبرها أنه اقترح في لوفين حل مشكلة نشر بعض نصوص هوسرل داخل المعهد الفلسفي، ولكن بعد أن رأى حجم المجموعة الضخمة من المخطوطات والنسخ والكتب، أدرك أن اقتراح لوفين بنشر النصوص غير المنشورة غير كافٍ على الإطلاق، بل إنه يكاد يكون مستحيلًا ما لم يتم إنقاذ المخطوطات أولًا.. يجب القيام بشيء آخر.
يقول: “إن أهمية الإرث الفكري لهوسرل من النوع الذي يستدعي إتاحة كامل هذا الإرث للباحثين، وحتى إذا كانت الظروف الحالية لا تسمح بنشر أكثر من بضعة أجزاء في المستقبل القريب، فإننا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن عالم الفلسفة في المستقبل سيرغب بلا شك في وضع تلك الأجزاء في سياق العمل الكامل”.
ثم، متأثرًا بإلهام اللحظة، يقدم اقتراحًا سيغير حياته إلى الأبد؛ وكذلك حياة الشخصين الآخرين المشاركين في المحادثة، مالفين هوسرل، وأوجين فينكز، يقول فان بريدا إن الطريقة الوحيدة لإتاحة كامل الإرث للعالم هي إنشاء أرشيف هوسرل حقيقي: “في مثل هذا الأرشيف، الذي يجب أن يتخذ شكل مركز دراسة وبحث مخصص لأعمال وفكر هوسرل، يجب أولًا جمع كل الوثائق التي رأيتها بعد ظهر اليوم، وكذلك أي وثيقة أخرى يمكن أن تلقي الضوء على أعمال هوسرل، وعلى التيار الفينومينولوجي الذي نشأ عن أعماله”.
لكن مالفين لديها كل الأسباب لتكون متشككة، طالب من لوفين، فرنسيسكاني، شاب وسيم يبلغ من العمر 27 عامًا يرتدي رداءً بنيًا، يعدها بأنه سيحل جميع مشاكلها! وعد يصعب عليه الوفاء به، وهي تدرك ذلك جيدًا. الوقت ليس مناسبًا مع سيطرة الفاشية والنازية على أجزاء متزايدة من أوروبا. ومع ذلك، كانت مالفين سعيدة ومتحمسة ومليئة بالحيوية، وصدقت كلامه على الفور. كان القس الشاب من لوفين هو الرجل المناسب في الوقت المناسب. هرمان ليو فان بريدا أعجوبة صغيرة من عجائب الدنيا دخلت حياتها، في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك، لم تستطع أن تصمت عن الرجل الذي تتوقع منه كل الخير من الآن فصاعدًا، معجزة ترتدي ثوبًا رهبانيًا.
إحالات:
(1) موريس مرلو ـ بونتي (1908 – 1961): فيلسوف فرنسي تأثر بفينومينولوجيا هوسرل، وبالنظرية القشتالتية التي وجهت اهتمامه نحو البحث في دور المحسوس والجسد في التجربة الإنسانية بوجه عام، وفي المعرفة بوجه خاص. من أهم كتبه “بنية السلوك” (1942)، و”فينومينولوجيا الإدراك” (1945). وقد بين في هذه الأعمال بطلان مطامح علم النفس في تأسيس ذاته كعلم، والنقد هنا ليس موجهًا فقط إلى علم النّفس، بل إلى العلم بشكل عام، بسبب نزوع هذا الأخير نحو تقديم فهم اختزالي وجاف للظواهر، ومهمة الفلسفة الفينومينولوجية، حسب مرلو ـ بونتي، تتمثل في تحقيق الرجوع إلى عالم الحياة الأصلي والبدائي.
(2) ـ إدموند هوسرل (1859 ـ 1938): فيلسوف ألماني ومؤسس المنهج الظاهرياتي (الفينومينولوجي)، ولد في موراويا في تشيكوسلوفاكيا، ودرس الرياضيات في لايبزغ (1876)، وبرلين (1878) على كارل وايستراس، وليوبولد كرونكر. سافر إلى فيينا للدراسة تحت إشراف ليو كونيكس بركر في العام 1881. كما درس الفلسفة على فرانز برنتانو، وكارل شتومبف. أثّر إدموند هوسرل على فلاسفة كثر، من بينهم: ماكس شيلر، وجان بول سارتر، وألفرد شوتز، وإيمانويل ليفيناس، فضلًا عن أثره الواضح على تلميذه مارتن هايدغر.
المصدر ضفة ثالثة