مايا شحادة
مايا شحادة حائزة على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، تعمل بصفة مستشارة مستقلة، وباحثة يربطها تعاون مع كلٍّ من مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسي
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
يسلّط مجتمع الأعمال السوري في مصر الضوء على أهمية كلٍّ من رأس المال المالي ورأس المال الاجتماعي – أي الشبكات الاجتماعية، والمعايير، والقيم، والمعتقدات التي يعتنقها الأفراد – في تحقيق مقوّمات البقاء الاقتصادي في اقتصادٍ سياسي معقّد. توافد رجال الأعمال السوريون إلى مصر بدايةً في ستينيات القرن الماضي، لكن معظمهم تدفّقوا بشكل جماعي بُعيد اندلاع الصراع السوري في العام 2011. فقد انتقل نحو 15 ألفًا من أصحاب الأعمال السوريين إلى مصر بحلول العام 2016، وارتفع العدد الإجمالي إلى 30 ألفًا بحلول العام 2023. وبحلول العام 2018، قُدّر حجم استثمارات السوريين في مصر بنحو 800 مليون دولار إلى مليار دولار، وتركّزت هذه الاستثمارات في قطاعات المنتجات الغذائية والمشروبات، والغزل والنسيج، وصناعة الأثاث والمفروشات. وقد أسفر النمو السريع لمجتمع الأعمال السوري في مصر بطبيعة الحال عن تحديات وفرص على حدٍّ سواء، ما أثّر على الشركات الكبيرة والصغيرة بطرقٍ متباينة. ولكن، على الرغم من أن الشركات المملوكة للسوريين وسواهم من غير المواطنين في مصر تواجه ظروفًا تشغيلية خاصة بها، يبقى من اللافت مدى التشابه بين تجاربها وتجارب الشركات الخاصة من الحجم نفسه المملوكة للمصريين. وتكشف هذه التجارب، في مجملها، عن طبيعة عمل الاقتصاد السياسي في مصر، الذي يعتمد إلى حدٍّ كبير على المعرفة الخاصة، والثقة بين الأشخاص، والعلاقات المتجذّرة في سوق شبه رسمية لمزاولة الأعمال.
من جهة، تُعدّ ريادة الأعمال، التي يُقصَد بها القدرة على اقتناص الفرص في السوق وجمع رأس المال اللازم لإقامة استثمارات جديدة، عاملًا حاسمًا في نجاح أو فشل أصحاب الأعمال السوريين في الأسواق المصرية. لكن من جهة أخرى، تتّسم الروابط الاجتماعية بالأهمية نفسها تقريبًا من أجل تحقيق مقوّمات البقاء والنمو الاقتصادي. ويتجلّى ذلك في مدى اعتماد رجال الأعمال السوريين على شبكاتهم الاجتماعية وسلوكياتهم المكتسبة في سورية، بما في ذلك الزبائنية والمحسوبية، من أجل التعامل مع المشهد الاقتصادي السياسي المعقّد في مصر وسياساتها غير الواضحة تجاه الهجرة، والدخول إلى الأسواق المصرية. إضافةً إلى ذلك، تساعد أوجه الاختلاف في رأس المال الاجتماعي على تفسير المسارَين المتباينَين لكلٍّ من الشركات السورية الصغيرة والكبيرة في مصر. فالشركات السورية الكبرى تمتلك رأس مالٍ اجتماعي في كلٍّ من المجتمعَين المحليَّين السوري والمصري، يشمل خبراء قانونيين ومسؤولين حكوميين وشبكات أعمال مصرية، ما يتيح لها الحصول على المشورة القانونية، وتأمين المساعدة من السلطات الحكومية، والدخول إلى الأسواق المصرية. أما الشركات السورية الأصغر حجمًا، فهي قادرةٌ على الصمود لأنها تمتلك بدورها رأس مالٍ اجتماعي، لكنه يقتصر في الغالب على المجتمع السوري المحلي، وبالتالي فهي تخدم زبائن معظمهم من السوريين، وضمن نطاق ضيّق جدًّا.
اضطلعت أوجه الاختلاف هذه بأهمية متزايدة منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. فالحوافز للعودة إلى سورية، التي لا تزال تواجه حالة من انعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي، تُعدّ أقوى لدى أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة، الذين يعملون في مصر ضمن ظروف هشّة نظرًا إلى التحديات المتعلقة بإجراءات تسجيل الأعمال والبيئة السوقية الصعبة. في المقابل، قد تكون الشركات الكبرى متردّدة حيال المجازفة بالعودة إلى سورية، مفضّلةً ترسيخ انخراطها في الاقتصاد المصري.
التعامل مع حالة اللايقين
يواجه رجال الأعمال السوريون في مصر عمومًا تعقيدات قانونية نتيجةً للغموض الذي يكتنف اللوائح الإدارية واللايقين السياسي. فعلى الرغم من أن مصر وفّرت فرصًا اقتصادية لرجال الأعمال السوريين عقب اندلاع الحرب في سورية، سُرعان ما تغيّرت سياسة الهجرة التي كانت مرحِّبة بهم في البداية بعد تغيُّر النظام في مصر في تموز/يوليو 2013، فبات السوريون يخضعون لرقابة متزايدة ويواجهون تحديّات متزايدة في الاندماج ضمن السياق السياسي الاقتصادي المصري بسبب ضعف الحماية القانونية. منذ ذلك الحين، تبنّت السلطات المصرية ما تصفه الباحثة كيلسي نورمان بـ”سياسة هجرة غير متّسقة” تجاه اللاجئين السوريين المسجّلين وغير المسجّلين، وهم يشكّلون غالبية السوريين في مصر الذين يُقدَّر عددهم بنحو 1.5 مليون سوري. ووفقًا لها، سمحت هذه السياسة للحكومة المصرية بـ”تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال مشاركة اللاجئين في الاقتصاد غير الرسمي، والتحويلات المالية التي تُنفَق محليًا، والمساعدات المُقدَّمة من المنظمات الدولية، فضلًا عن تعزيز مصداقيتها أمام المجتمع الدولي نظرًا إلى امتناعها عن ترحيل اللاجئين”.
على سبيل المقارنة، يتمتّع السوريون الحائزون على الإقامة الاستثمارية في مصر بمزايا عدّة، ولكن كان عليهم أيضًا أن يتعلموا كيفية العمل في ظل اللوائح والمتطلبات الرسمية غير الواضحة والتعامل مع العوائق التي تؤثّر على انخراطهم في مختلف قطاعات الأعمال. فهم لم يتمكنوا مثلًا من دخول قطاع الصناعات الدوائية، حيث تزاحمهم نخب الأعمال المصرية التي تجمعها علاقات شراكة مع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية. فقد قال رجل أعمال من حلب إن السوريين الذين كانوا يمتلكون شركات في قطاع الصناعات الدوائية في سورية لم يتمكّنوا، طيلة أكثر من عشر سنوات، من الحصول على التصاريح اللازمة لترسيخ حضورهم في هذا القطاع في مصر.1 وفي حين أن المصريين الذين يفتقرون إلى شركاء متنفّذين سياسيًا يواجهون بعضًا من العقبات نفسها، بما في ذلك في قطاعات أخرى، يبقى أن الإجراءات الرسمية التي تستهدف الشركات غير المصرية قد شدّدت في بعض الأحيان القيود أمام دخول الشركات السورية إلى قطاعات معيّنة، مثل الشرط الجديد الذي صدر في العام 2018 والذي يُلزم بالحصول على تصريح أمني من أجل تأسيس شركات في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
نتيجةً لهذه التعقيدات، مرّ الكثير من أصحاب الأعمال السوريين في مصر بسلسلةٍ من التجارب والأخطاء قبل أن يتمكّنوا في نهاية المطاف من تأسيس أعمالهم. وفي بعض الحالات، لم يحدث ذلك إلا بعد سنوات عدّة على وصولهم إلى البلاد. في الواقع، بدأ الكثير من السوريين عملهم في مصر كموظفين في شركات أخرى، ليس فقط لأن ظروفهم لم تسمح لهم بتوفير رأس المال المالي على الفور، ولكن أيضًا بسبب حالة اللايقين المحيطة بالعمل ضمن الاقتصاد السياسي المعقّد في مصر. كذلك، يشكّل الحصول على الإقامة القانونية والحفاظ عليها تحديًا إضافيًا: وقد تم تسليط الضوء على ذلك بعد أن “أوقفت الحكومة المصرية على نحو مفاجئ تجديد التأشيرات السياحية في أواخر حزيران/يونيو 2024″، وكانت هذه التأشيرات هي الإجراء الذي لجأ إليه بعض السوريين للبقاء في مصر. وهكذا، اضطرّ كثرٌ منهم إلى “مغادرة البلاد والدخول إليها مجدّدًا بعد الحصول على موافقة أمنية مكلفة”.
أسفر تذبذب الوضع القانوني واللايقين السياسي عن تأثيراتٍ متناقضة. فمن جهة، أنشأ السوريون الذين يحملون صفة اللجوء أو تأشيرات تعليمية، والذين لا يُسمح لهم بمزاولة نشاط تجاري، أعمالاً تجارية صغيرة يمكنهم تجنّب تسجيلها رسميًا. ومن جهة أخرى، رأى أصحاب الأعمال السوريون الكبار فرصةً في البيئة الاستثمارية ذاتها التي اعتبرها نظراؤهم المصريون محفوفةً بالمخاطر بين العامَين 2015-2016، حينما أدّت الأزمة الاقتصادية إلى التفاوض على قرض مع صندوق النقد الدولي. وأفضت الأزمة إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري بنسبة 48 في المئة في العام 2016 وإلى ارتفاع كبير في معدّل التضخم. واضطرّت الحكومة المصرية إلى إجراء إصلاحات في السوق، ما سهّل على السوريين تسجيل أعمالهم بشكل رسمي. مع ذلك، لجأ أصحاب الأعمال السوريون بشكل روتيني إلى شبكاتهم الاجتماعية مع المصريين والسوريين على حدٍّ سواء لمساعدتهم في التعامل مع البيئة الاقتصادية والقرارات غير المكتوبة، والحصول على معلومات موثوقة حول المتطلبات القانونية والإدارية اللازمة للعمل في الأسواق المصرية.
توظيف رأس المال الاجتماعي الموروث
اعتمدت الشركات السورية في مصر بمعظمها بدايةً على رأس المال الاجتماعي القائم أو الموروث، أي العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء وغيرهم من أبناء الجالية السورية، إضافةً إلى شبكات أعمال سبَق أن أُنشِئت في سورية. على سبيل المثال، تمكّن رجل أعمال من حلب من إعادة إنشاء شركته السورية المتخصّصة في التصنيع والتجارة في مصر، مستفيدًا من رأس المال الاجتماعي الذي كان قد بناه سابقًا في سورية.2 وقد تمّت هذه العملية على مرحلتَين: أولًا، العمل بصفة مندوب مبيعات في مصر لصالح عميل سابق كان يتعامل معه في سورية – وهو يركز الآن بشكل أساسي على سوق الجالية السورية في مصر، التي تشكّل 80 في المئة من عملائه – ثم تأسيس أعمال تجارية باسمه الخاص من أجل توجيه أنشطته نحو السوق المصرية الأوسع. تكشف المقابلات مع أصحاب محلات بقالة سوريين عن مسار مماثل، إذ اعتمدوا أسلوب “العمل على الطريقة السورية” لجذب الزبائن السوريين وبالتالي تحقيق نموٍّ كافٍ يسمح لهم بتوسيع نطاق الأعمال.3 إضافةً إلى ذلك، أفسحت الطريقة السورية المجال أمام الشركات السورية للوصول إلى عملاء غير سوريين أيضًا. في الواقع، خلُص الباحثون مازن حسن وسارة منصور وستيفان فويغت ومي جاد الله إلى أن رأس المال الاجتماعي السوري لا يسهم فحسب في بناء الثقة في المعاملات التجارية بين السوريين في مصر، بل قد يدفع أيضًا النظراء المصريين إلى التعامل مع الشركات السورية بشكلٍ أفضل من تعاملهم مع الشركات المصرية.
ومن الأهمية بمكان أن رأس المال الاجتماعي الذي اكتسبه رجال الأعمال السوريون في سورية ساعدهم على التكيّف مع الأُطر القانونية والتنظيمية المعقّدة في مصر، ولا سيما بعد أن باتت السياسات الرسمية أكثر تقييديةً عَقب تغيُّر النظام في العام 2013. وكان هذا التكيّف ضروريًا للنمو. وقد مكّن رأس المال الاجتماعي الموروث أصحابَ الأعمال السوريين من التأقلم مع ما وصفه الخبير في الاقتصاد السياسي عمرو عادلي بـ”الرأسمالية البلدية” أو “الأسواق المألوفة” في مصر، التي تتميّز بالتداخل الكبير بين الروابط الاجتماعية والاقتصادية. وعادةً ما تلجأ الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى الشبكات الاجتماعية لخفض تكاليف المعاملات، من خلال الحصول على معلومات عن السوق، الأمر الذي يسهّل سير الأعمال ويعزّز القدرة التنافسية في سياقٍ من الغموض القانوني. في غضون ذلك، تُعدّ الثقة، والتضامن، والتوصية أو الواسطة عناصر أساسية في المعاملات التجارية، وغالبًا ما تُمارَس في إطار شبكات الزبائنية.
استفاد رجال الأعمال السوريون من خبرتهم السابقة مع شبكات الزبائنية في الاقتصاد السياسي السوري قبل العام 2011 من أجل الحصول على فرص العمل، والمزايا والخدمات، والمعلومات، وغيرها من الموارد في مصر. وقد ساعدهم رأس المال الاجتماعي الموروث هذا على الاندماج بشكلٍ سهلٍ نسبيًا في الأسواق المصرية المألوفة، ما سمح لهم بالتعامل مع المشهد القانوني والاستفادة من الجوانب المبهمة والثغرات. فوفقًا لأحد محامي الشركات، يعتمد أصحاب الأعمال السوريون مثلًا على وسطاء مصريين يلجأون إلى ممارسات مثل التوصية، والواسطة، وحتى الرشاوى للالتفاف على الإجراءات الرسمية المطلوبة، والاستفادة من الجوانب المبهمة والثغرات الواردة في الأُطر القانونية والتنظيمية المصرية ومن الممارسات السائدة بحكم الأمر الواقع في البلاد.4 أما رجال الأعمال السوريون الذين لا يستطيعون تحمّل تكلفة تسجيل شركاتهم ضمن إطار الإقامة الاستثمارية، فقد يسعون إلى الامتثال لبعض المتطلبات القانونية، بينما يتجاوزون بعضها الآخر. وقد مكّنهم رأس المال الاجتماعي الموروث من اتّباع القوانين والإجراءات الرسمية بهذا الشكل الانتقائي. عمومًا، تزداد أهمية رأس المال الاجتماعي كلّما كبُر حجم الأعمال التجارية – ويُقاس ذلك برأس مالها العامل وإجمالي مبيعاتها – ما يُظهر أن العلاقات الاجتماعية قد تكون أكثر تأثيرًا من سعر المنتجات في تحديد العلاقات مع الجهات الفاعلة الأخرى في السوق.
الانتقائية في اتّباع الإجراءات الرسمية
هذه الممارسات والأشكال من الشبكات الاجتماعية مألوفة للشركات السورية. ولكن كما أشار عادلي أيضًا، فإن الروابط العاطفية المشتركة والمصالح المتبادلة التي “يمكن أن تتيح إمكانية الحصول على الفرص الاقتصادية، وإن بشكلٍ غير كامل… تجعل هذا الأمر مستحيلًا لأولئك المستبعدين اجتماعيًا”.5 تساعد هذه الديناميّات المختلفة في تفسير التباين في المسارات والحظوظ بين الشركات السورية الصغيرة وبين الشركات السورية المتوسّطة أو الكبيرة في مصر منذ العام 2011. وتوضح كذلك لماذا تواجه الشركات الكبيرة حتى قيودًا تعيق قدرتها على النمو أو على تنويع أنشطتها. إذًا، لا يستفيد أصحاب الأعمال السوريون جميعًا بشكلٍ متساوٍ من العلاقات مع سلطات الدولة المصرية أو المحامين. يُضاف إلى ذلك أن قرار تسجيل النشاط بشكلٍ رسمي يعتمد أساسًا على حجم الشركة وتوقّعات نموّها. في الواقع، تميل الشركات السورية الأصغر حجمًا إلى البقاء غير مسجّلة، وتواصل العمل بشكلٍ غير رسمي، ما يحدّ من آفاق نموها. وهكذا، أصبح الكثير منها جزءًا من القطاع غير الرسمي الضخم في مصر، الذي قُدِّر أنه يمثّل 62.5 في المئة من إجمالي العمالة في العام 2018.
يمكن القول إن الشركات السورية الأكبر حجمًا تواجه مجموعة أكثر تعقيدًا من الخيارات، إذ تتعامل مع أشكال مختلفة من تسجيل الأعمال في سياق الاقتصاد المصري الأوسع الذي يصحّ وصفه بأنه شبه رسمي. ونظرًا إلى فقدان الثقة في اللوائح والتنظيمات الإدارية الرسمية، التي يصفها رجال الأعمال السوريون بأنها غير شفّافة وغالبًا ما تُطبَّق على أساس استنسابي، فهم يتبنّون استراتيجية “انتقائية” أو “ملتوية” يعرّفها عادلي بأنها أسلوب عملٍ يجمع ما بين العناصر الرسمية وغير الرسمية أحيانًا. وغالبًا ما يحذو هؤلاء الذين ينجحون في تنمية أعمالهم حذو المصريين في الاعتماد على الشبكات الاجتماعية غير الرسمية للتعامل مع الجوانب المبهمة والثغرات الواردة في الأُطر القانونية المصرية ولزيادة قدراتهم المتباينة في الحصول على المعلومات. ويُعدّ تسجيل الشركات بأسماء أصدقاء أو شركاء مصريين إحدى الوسائل المُستخدَمة للعمل بطريقة قانونية في ظلّ الالتفاف على المتطلّبات القانونية التي يصعب استيفاؤها. فعلى سبيل المثال، اتّبع رائد أعمال سوري بدأ مشروعًا غير رسمي من منزله في مجال الطعام والشراب مسارًا بديلًا من خلال تسجيل شركة لإنتاج الأغذية وسلسلة متاجر لبيع الموادّ الغذائية والسلع المنزلية (سوبرماركت) بالشراكة مع رجل أعمال سوري آخر كان هاجر إلى مصر في الثمانينيات ويحمل الجنسية المصرية وتجمعه علاقاتٌ مع مسؤولين مصريين.6
يكشف المسار الذي اتّبعه رجل الأعمال الحلبي الآنف الذكر أن الشركات التي يملكها أشخاصٌ من غير المصريين تستخدم رأس المال المالي ورأس المال الاجتماعي على السواء للتعامل مع الجوانب الرسمية، والجوانب الرمادية المبهمة، والجوانب غير الرسمية من النشاط الاقتصادي في مصر. فهو قد التزم بالتنظيمات القانونية لتسجيل شركة تصنيع لأنه كان يملك الاستثمار الأولي المطلوب بقيمة 35 ألف دولار لإنجاز ذلك. لكنه استفاد من الجوانب التنظيمية المبهمة من خلال إنشاء شركة تصدير إضافية مُسجَّلة بأسماء أصدقاء مصريين، لأن القانون لا يُجيز لغير المصريين امتلاك شركات تصدير للسلع المصنّعة. وقد أتاحت هذه الانتقائية السائدة في اتّباع الإجراءات الرسمية لرجل الأعمال هذا تجنّبَ دفع تكاليف تسجيلٍ باهظة لشركته التجارية، والحفاظَ على نموذج عمله الأصلي الذي كان يتّبعه في سورية، من أجل تصدير سلعٍ صناعية إلى خارج مصر.
خاتمة
تمكّن رجال الأعمال السوريون من إعادة تأسيس أنفسهم اقتصاديًا واجتماعيًا في مصر، وأصبحوا قادرين على التنافس في السوق المحلية بفضل رأس مالهم الاجتماعي وحنكتهم التجارية. مع ذلك، تختلف درجة اندماجهم في السوق بحسب حجم العمل التجاري والوضع القانوني، وبالتالي يؤثّر سقوط نظام الأسد عليهم بطرق مختلفة على الأرجح. فقد أصبح احتمال العودة إلى سورية، الذي كان بعيد المنال في وقتٍ سابق، ممكنًا الآن لجميع السوريين، على الرغم من أن حالة اللايقين السياسي والاقتصادي تردع كثرًا منهم عن العودة. وكما هو متوقع، كانت أعلى نسبة من الذين أبدوا نيّتهم بالعودة إلى سورية في أوساط السوريين المسجّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ بلغت 42 في المئة حتى كانون الثاني/يناير 2025. قد لا ينطبق ذلك بالقدر نفسه على فئاتٍ أخرى من السوريين في مصر، ولكن بما أن الشركات الصغيرة الناشطة في القطاع غير الرسمي هي الأقل اندماجًا في الاقتصاد المصري، غالب الظن أن تعمَد إلى العودة حالما تسمح لها الظروف في سورية بذلك. في المقابل، من المرجّح أن تبقى الشركات السورية الكبيرة في مصر وتواصل المساهمة في اقتصادها، ولا سيما بعد أن استثمرت الكثير من أجل الحصول على وضعٍ قانوني سليم وبناء اسمٍ تجاري مُعترَف به في السوق المصرية.
هوامش
-
1مقابلة أجرتها المؤلّفة في تموز/يوليو 2023، القاهرة، مصر.
-
2مقابلة أجرتها المؤلّفة في نيسان/أبريل 2021، القاهرة، مصر.
-
3مقابلات أجرتها المؤلّفة في آذار/مارس 2023، القاهرة، مصر.
-
4مقابلة أجرتها المؤلّفة في شباط/فبراير 2023، القاهرة، مصر.
-
5Amr Adly, Cleft Capitalism: The Social Origins of Failed Market Making in Egypt (Redwood City, CA: Stanford University Press, 2020), 181.
-
6مقابلة أجرتها المؤلّفة مع رائد الأعمال في آذار/مارس 2023، القاهرة، مصر.
.
مايا شحادة
مايا شحادة حائزة على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، تعمل بصفة مستشارة مستقلة، وباحثة يربطها تعاون مع كلٍّ من مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسي