هل تفيد تنازلات حماس.. الآن
رفض خطة ترامب بشأن غزة بشكل مطلق لا يخلو من تبعات سياسية وأمنية واقتصادية قد تضع حماس في مواجهة ضغوط دولية وإقليمية متزايدة، بل وقد تعزلها عن أي مسار سياسي مقبل يتم فرضه كأمر واقع بدعم أميركي كامل وتغطية إسرائيلية قوية.
غزة- تواجه حركة حماس اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية هشاشة وتعقيدا، إذ أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، التي حظيت بموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودعم عربي، تكشف محدودية قدرة الحركة على المناورة، لاسيما بعد أن أكد ترامب أنه أمام الحركة 3 أو 4 أيام للرد على الخطة.
وتبدو الحركة، التي بنت شرعيتها على رفض مشاريع التسوية طوال تاريخها، اليوم محاصرة بين خطاب المقاومة التقليدي والواقع العملي، حيث أن أي مرونة مفرطة قد تُضعف صورتها أمام قواعدها، وأي تصلب يؤدي إلى عزل دولي وتصعيد عسكري يزيد من معاناة السكان، ما يعكس عجزها عن حماية المدنيين أو تحصيل مكاسب إستراتيجية حقيقية.
ويشير خبراء إلى أن حماس تدرك أن الخطة الأميركية ستُفرض على الأرض مهما كان موقفها، ما يجعل خيار الرفض وحده غير كاف لوقف المسار، فيما أي قبول مباشر يهدد بنزع القوة الرمزية والسياسية للحركة، ويضع شرعيتها كمقاومة تواجه التسويات الكبرى على المحك.
وتكشف هذه المعادلة محدودية قدرتها على الموازنة بين شعارات المقاومة وواقع الضغوط السياسية، ذلك أن أي قبول ضمني قد ينظر إليه داخليا على أنه خيانة، بينما الرفض القاطع سيستغل ذريعة لاستمرار الحصار وتجميد المساعدات، بما يضع الحركة في موقع المسؤول المباشر عن تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة.
وتزيد الضغوط الإقليمية الوضع تعقيدا؛ فبعض الدول تحاول استخدام الخطة لفرض تليين مواقفها، ودول أخرى تستثمر موقفها الرافض لتعزيز نفوذها، ما يوضح أن حماس غير قادرة على فرض إرادتها، وأن موقفها يخضع للضغط الخارجي بشكل كامل.
وتاريخيا أظهرت الحركة ضعفها في مواجهة المبادرات الدولية أو الإقليمية غير المرغوب فيها، واعتمدت على بيانات تحفظية ومفاوضات سرية للحفاظ على الحد الأدنى من مصالحها، وهو أسلوب يعكس محدودية أدواتها وقدرتها على التأثير على مجريات الأحداث، ومن المرجح أن يتكرر مع خطة ترامب.
ويبدو السيناريو الأول، وهو القبول الكامل بالخطة، بالنسبة إلى حماس طريقا محفوفا بالخسائر؛ فالمكاسب الإنسانية المباشرة، مثل وقف إطلاق النار وتدفق المساعدات وإعادة الإعمار المرحلية والرفع الجزئي للحصار، قد تمنحها هامشا سياسيا ضيقا، لكنها ستفقد القوة العسكرية والرمزية، وتصبح عرضة للاتهامات بالاستسلام، مع احتمال انشقاقات داخلية أو ظهور جماعات مسلحة جديدة ترفض التسوية، بينما على المستوى الإقليمي والدولي تقل قدرتها على المناورة، ما يجعل موقفها على المدى المتوسط ضعيفا جدا.
أما السيناريو الثاني، وهو القبول المشروط أو المرحلي، فهو الأكثر مرونة من الناحية النظرية، لكنه هش للغاية عمليا، إذ يعتمد على قدرة الوسطاء على تقديم ضمانات ملموسة، وسرعة تنفيذ التعهدات المالية واللوجستية من المانحين، وهو ما يظهر محدودية حماس في تحويل أي اتفاق إلى واقع ملموس.
وقد يفسر أي إخفاق في هذا المسار داخليا على أنه خديعة، ما يزيد الميل نحو التشدد والرفض الكامل، بينما يمكن للطرف الإسرائيلي استغلال أي ثغرة لتعزيز شروطه، ما يحوّل الاتفاقية المرحلية إلى ساحة مواجهة جديدة.
◄ حماس تدرك أن الخطة الأميركية ستُفرض على الأرض مهما كان موقفها، ما يجعل خيار الرفض وحده غير كاف لوقف المسار
وأما السيناريو الثالث، وهو الرفض القاطع، فيعكس تمسكا شكليا بالخطوط الحمراء، لكنه عمليا يعرّض غزة لكلفة إستراتيجية وإنسانية ضخمة، إذ يزيد العزلة الدولية، ويجمد المساعدات، ويرفع الخسائر البشرية والمادية، ما يضع الحركة في مواجهة مباشرة مع مأساة المدنيين، ويُضعف دعمها الشعبي مع استمرار التدهور الإنساني، ويكشف عن عدم قدرتها على حماية القطاع أو فرض شروطها، ما يجعل إستراتيجية الرفض قصيرة المدى محفوفة بالمخاطر.
وفي ضوء المشهد الدولي والإقليمي الحالي، يبدو أن الاحتمال الأكثر واقعية هو القبول المرحلي المشروط، لكنه خيار هش للغاية يعتمد على ضمانات الوسطاء وفاعلية آليات التنفيذ، وهو يعكس محدودية قدرة حماس على فرض إرادتها، وقدرتها الوحيدة على كسب الوقت وإدارة قواعدها الشعبية بشكل مؤقت.
ويشير محللون إلى أن القرار أمام الحركة ليس رفضا أو قبولا حقيقيا، بل سلسلة من التنازلات المرحلية، أي أن حماس غير قادرة على مواجهة الخطة الأميركية بشكل مستقل، وأي خيار كامل سيفقدها قوتها، بينما أي رفض قاطع سيضاعف الأزمات الإنسانية وسيضعها تحت ضغط متواصل، ما يؤكد أن الحركة في موقف ضعيف.
ويضفي تصريح ترامب بتحديد مهلة زمنية لحماس طابعا ضاغطا على مسار التفاوض، إذ يحاصر الحركة بإطار زمني ضيّق قد يقيّد هامش المناورة، ويعكس رغبة واشنطن في تسريع الحسم وسط سياق إقليمي هش.
وقال ترامب الثلاثاء إن أمام حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) حوالي ثلاثة أو أربعة أيام للرد على مقترحه بشأن خطة السلام في غزة وإلا سيواجهون عواقب.
وأضاف ترامب للصحفيين لدى مغادرته البيت الأبيض أن القادة الإسرائيليين والعرب قبلوا الخطة و”ننتظر فقط حماس.”
وذكر أن أمام حماس حوالي “ثلاثة أو أربعة أيام” للرد.
وتابع “إما أن تقبل حماس (الخطة) أو لا، وإن لم تفعل فستكون نهاية مؤسفة للغاية.”
ولدى سؤاله عما إذا كان هناك مجال للتفاوض بشأن خطة السلام، قال ترامب “ليس كثيرا.” المصدر العرب اللندنية