محمد كساح كاتب
يواجه فريق الهوية التنموية السورية الذي تشكل مؤخراً تحديات كبيرة، سواءً على صعيد جمع البيانات وتحليلها أو على مستوى غياب النهج الاقتصادي والهوية الاقتصادية التي تعد التحدي الجوهري والأبرز، في حين تتسم توليفة الفريق التنموي بالتوازن كونها تجمع بين مسؤولين حكوميين وأكاديميين، ومن المرجح إطلاق الهوية التنموية في غضون ثلاثة أشهر تبدأ بعدها حوارات وطنية، بحسب ما أكد رئيس هيئة التخطيط والإحصاء ورئيس فريق الهوية التنموية أنس رضوان سليم لموقع “تلفزيون سوريا”.
وأُعلن عن تشكيل فريق الهوية التنموية بالقرار رقم 99 الصادر عن هيئة التخطيط والإحصاء في 11 أيلول/سبتمبر الماضي، وضم الفريق مجموعة من معاوني الوزراء ومسؤولين من مصرف سوريا المركزي والهيئة العامة للمنافذ البحرية والبرية وكليات الاقتصاد والآداب في جامعات دمشق وحلب وحمص.
وفي حديث مطوَّل مع موقع “تلفزيون سوريا” ربط رئيس هيئة التخطيط والإحصاء ورئيس فريق الهوية التنموية أنس رضوان سليم بين إطلاق الهوية البصرية لسوريا الجديدة، بما تتضمنه من رسائل ودلالات ورموز، ومساعي الحكومة إلى التوصل لعقد تنموي- اجتماعي جديد ينظم العلاقة بين الدولة والمواطنين.
وتابع بأنه إذا كانت الهوية البصرية تمثل الكيفية التي يطمح السوريين لرؤية أنفسهم من خلالها، كما ومن خلال ما يراه الآخرون فيها، فإن القيم التي يطمح السوريين لتمثلها وحملها والمتعلقة بالحرية والعدالة والتنمية لا تكتمل من دون وجود الهوية الاقتصادية، التي تشكل الحامل الاقتصادي للهوية البصرية.
وأضاف سليم أن تشكيل فريق الهوية التنموية يهدف إلى تقديم مقترحات تجسد تطلعات السوريين التنموية، وتتعلق بالهوية الاقتصادية والنهج الاقتصادي لسوريا الجديدة، والتنمية البشرية ورأس المال البشري، والتوازن التنموي الجغرافي وتكامل الوظائف الاقتصادية للمحافظات السورية، إضافة للشراكات والعلاقات الاقتصادية.
تحديات كبيرة
عزا سليم الصعوبات التي تقف أمام إنجاز مقترح الهوية التنموية إلى ممارسات النظام البائد وحكوماته المتعاقبة، وأوضح أن أهم هذه التحديات غياب البيانات والمؤشرات، وحتى المتوفر منها يعاني من عدم موثوقية فآلية إنتاج البيانات سابقاً كانت تقوم على منهج التحريف لإبراز إنجازات وهمية تخفي خلفها حقائق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
ونظراً لضرورة استخدام البيانات والمؤشرات لتشخيص الحالة التنموية للانطلاق منها في إعداد الهوية التنموية بحواملها وعناصرها المختلفة لجأت هيئة التخطيط والإحصاء منذ صدور المرسوم رقم 18 لعام 2025 إلى العودة إلى السنوات الماضية وإجراء تصحيح لقيم مؤشرات التنمية وخاصةً معدلات النمو وتفصيلاتها القطاعية ومعدلات البطالة والفقر وانعدام المساواة، وغيرها وذلك بهدف تحسين من جودتها ما أمكن.
ومن التحديات التي أوردها سليم شَكَّل غياب النهج الاقتصادي والهوية الاقتصادية تحدياً جوهرياً فبالرغم من أن النظام البائد كان يعلن منذ عام 2005 أن النهج الاقتصادي هو اقتصاد سوق اجتماعي إلا أن تحليل الفريق لممارساته وسياساته المنفَّذة تُبين أن تلك السياسات كان موجهة لخدمة النخبة الطفيلية التي كانت تسير مصالحة فسخر البلاد بسياساته لمصالحة فارتفعت معدلات الهشاشة والفقر والبطالة، وأهملت قطاعات الاقتصاد الحقيقي كالزراعة والصناعة وتم التركيز على القطاعات التي يستطيع من خلالها جمع أكبر قدر من الأموال.
وأشار إلى أن منهجية التفكير شكلت تحدياً آخر واجه عمل الفريق فجزء من الموارد البشرية كان قد تطبّع بعقلية العمل والتحليل التي استمر عليها لسنوات طويلة، بالمقابل كان جزء مهم من الكوادر يعلم الحقائق والمشكلات التنموية في المرحلة الماضية ومسبباتها، وهو ما يبني عليه الفريق.
فكر جديد
ويقتضي بناء المؤسسات الجديدة الذي يعد أحد أولويات الدولة حالياً تغيير نمط التفكير ونهج التخطيط وأدواته، وبهذه الصورة ينبغي على هذه المؤسسات اليوم أن تعمل بشكل متكامل ومتناغم، وهو ما يقود إلى التساؤل حول الفكر التخطيطي والتنموي لفريق الهوية التنموية.
ألمح رئيس الهيئة أنس رضوان سليم إلى أن الهيئة تعمل على بناء منظومة التخطيط والإحصاء الوطنية، وتضم بالإضافة إلى الهيئة كافة الأجسام العاملة في مجال التخطيط والإحصاء في الوزارات والهيئات والمؤسسات والمحافظات وأجسام التنمية المحلية.
وأكد أن الهيئة باشرت بتحليل بيئة عمل هذه الأجسام وصولاً إلى تسلسل وواضح للمهام ومدخلات ومخرجات كل مستوى وآلية العمل وتدفق الأعمال على المستويين التخطيطي والإحصائي، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية لنكون أمام قيمة واحدة للمؤشر على عكس ما كان سائداً خلال فترة النظام البائد إذ تعددت القيم للمؤشر الواحد (كعدد السكان ومعدلات نمو الناتج ومعدلات الفقر وغيرها)، وكذلك لتكون الدولة أمام خطة واحدة متكاملة تأتي نتاج عمل تشاركي لكافة أجسام منظومة التخطيط والإحصاء.
كما وضعت الهيئة مسودة قانون جديد لعمل منظومة التخطيط والإحصاء، وليس فقط للهيئة، يحدد هذا القانون أهداف التخطيط وأدواره ومهامه وضوابط العمل التخطيطي والإحصائي.
ولفت سليم إلى أن الهيئة تعمل وفق فكر ومنهج إحصائي وتخطيطي جديدين، معتبراً أن دمج الإحصاء مع التخطيط يجمع بين إنتاج البيانات واستخدامها في التخطيط ومتابعة التنفيذ وتقييم الأثر، وأن أي نقص في البيانات والمؤشرات ينعكس على التخطيط كما أن البيانات غير الصحيحة تفضي إلى خطط غير صحيحة وبالتالي منطق عمل الهيئة اليوم إنتاج بيانات ذات مصداقية عالية لبناء خطط واقعية وسليمة وتعكس احتياجات المجتمع والمواطنين بمختلف فئاتهم.
وقال إن منهجيات إنتاج البيانات، ونظم العمل الإحصائي في سوريا هي الأقدم والأسوأ، فنظام الحسابات القومية يعود لعام 1993 بالرغم من أن معظم الدول تعمل وفق نظام حسابات 2008 وتحديثاته لعام 2025، والسبب في ذلك أن النظام البائد لم يكن يستند إلى البيانات والمؤشرات في تقرير وتبني السياسات والمشاريع.
وفي هذا الصدد، أكد سليم أن الهيئة منذ إحداثها بدأت بالشراكة مع وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي والجهات المختلفة وبالتعاون مع من المنظمات الدولية المختصة لتبني نظم الإحصاءات والحسابات الحديثة، بهدف التوصل إلى بيانات موثوقة لإنتاج سياسات وقرارات مبينة على الأدلة، كما بيَّن أن الهيئة تتعاون في هذا المجال مع عدد من المنظمات الدولية لتطوير القدرات البشرية العاملة في مجال التخطيط.
توليفة متوازنة
في تعليقه على إطلاق فريق الهوية التنموية، يوضح الباحث في مجال الاقتصاد السياسي والمحليات بمركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي خلال حديث لموقع “تلفزيون سوريا” أن الغاية من هذا الفريق هي إعداد برنامج وطني تنموي كإطار مرجعي ولغة مشتركة لعمل الوزارات ومؤسسات الدولة بشكل أساسي، يتضمن الرؤية لمستقبل سوريا، وما يرتبط بها من أهداف متوخى تحقيقها مرحلياً وعلى المديين المتوسط والبعيد على صعيد القطاعات والمحاور لتحقيق استدامة تنموية، والسياسات الإرشادية المطلوبة، والمؤشرات الرقمية ذات الصلة بسير العمل على صعيد المحاور والقطاعات المستهدفة، إلى جانب التحولات الهيكلية الواجب إدماجها في البنى المؤسساتية، كذلك توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والأهلي لتحقيق هذه الرؤية بأهدافها.
ويلفت الدسوقي إلى أن المقصود بمصطلح التنمية السورية يتمثل بشكل أساسي بصياغة مستقبل أفضل لسوريا بما يقتضيه من تجاوز آثار الحرب والاختلالات التنموية، والانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التعافي فالاستدامة التنموية بما يضمن مصالح الأجيال القادمة.
ويرجح الدسوقي أن يواجه فريق الهوية التنموية تحديات عديدة أبرزها ما يرتبط بإعادة هيكلة بعض مؤسسات الدولة وما اقتضاه الأمر من دمج وإلغاء وانعكاس ذلك على عملية التخطيط، كذلك توافر الكوادر المدربة والمؤهلة للعمل على هذا المقترح في ظل الاستغناء أو نقل كوادر عاملة في القطاع العام ومؤسسات الدولة، إلى جانب توافر التمويل المطلوب.
ومن جانب آخر، يرى أن توليفة الفريق التنموي متوازنة تجمع بين مسؤولين حكوميين وأكاديميين، وربما كان مفيداً دمج ممثلين عن الصناديق التي تم استحداثها كالتنمية والاستثمار.
سياسات النظام البائد.. بلا هوية
يلاحظ أيمن الدسوقي أن هيئة التخطيط والتعاون الدولي زمن نظام الأسد قد أعدت البرنامج الوطني التنموية لسوريا ما بعد الحرب “الخطة الاستراتيجية 2030” واعتمدته في عام 2020، واليوم تقوم هيئة التخطيط والإحصاء (سابقاً الهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي/ أعيد تشكيلها بحسب المرسوم التشريعي رقم 18 لعام 2025) بهذا الدور بعد إعادة هيكلتها.
وفي تعليقه على هذه الفكرة، قال رئيس هيئة التخطيط والإحصاء ورئيس فريق الهوية التنموية أنس رضوان سليم إنه بالرغم من أن عمل الفريق اليوم هو عمل جديد لكن من الطبيعي أن ينطلق من المرحلة الماضية، مؤكداً أنه في المقابل لن يكون امتداداً لها، لأن الحاجة لاستكشاف مشكلات التنمية في سوريا ومسبباتها يحتاج إلى تحليل مناهج التخطيط وسياساتها، وممارسات النظام البائد في مختلف مكونات التنمية، التي أوصلت البلاد إلى الدمار الاقتصادي والاجتماعي وإثبات هذه المشكلات بالأدلة المنطلقة من البيانات والمؤشرات.
وأضاف أن التعرف على إمكانات البلاد التنموية، والتركيز لن يكون فقط على الإمكانات المادية للتنمية بل الإمكانات اللامادية أهم. فالكوادر البشرية ورأس المال البشري السورية متميز وحقق نجاحات في الدول التي وجد فيها بيئة عمل مشجعة وشفافة، كما أن تاريخ السوريين في الصناعة والتجارة والاقتصاد متميز وغني.
وتابع أن الاقتصاد السوري يعيش منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بلا نهج أو هوية اقتصادية، فقد تم التخلي بصورة فعلية عن نهج التنمية الاشتراكي في تلك الفترة مع تعاظم الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوري وتناقص الموارد النفطية والمساعدات وخاصة من دول الخليج خاصةً بعد مواقف النظام البائد وسياساته الخارجية في فترة التسعينيات، ولم يستطع النظام البائد من حسم تجاذبات الآراء بالرغم من تشكيل عشرات اللجان لتحديد هوية اقتصادية لسوريا وذلك للحفاظ على توازن قوى يساعد في تثبيت سلطته ونفوذه حتى ولو كان على حساب دمار الاقتصاد والمجتمع.
وبالرغم من التبني النظري لاقتصاد السوق الاجتماعي عام 2005 إلا أن السياسات المنفذة والممارسات كانت بعيدة كل البعد عن جوهر اقتصاد السوق الاجتماعي، وكانت النتائج ارتفاع في معدلات الفقر وانهيار القطاعات الاقتصادية الحقيقية وتضرر في الخدمات الضرورية للمواطنين.
وبناء على ما سبق، رأى سليم أن الخطة الاستراتيجية السورية 2030 التي تم إنتاجها خلال فترة النظام البائد تفتقر إلى هوية اقتصادية ومنهج اقتصادي فقد بنيت بشكل تجاهل وجود مقومات لتنفيذها والدليل على ذلك أن الخطط الاستراتيجية تقر عادة بقوانين عبر مجلس الشعب إلا أن هذه الخطة أقرت باجتماع مجلس الوزراء لحكومة النظام البائد، وبالتالي كانت خطط النظام البائد ومنها الخطة الاستراتيجية 20230 خطط حكومات ولم تكن خطط دولة في حين أن فريق الهوية التنموية يعمل اليوم لإنتاج مسودة وأوراق عمل تشكل مادة لحوار وطني سيتم من خلاله مشاركة كافة الفاعلين التنمويين في سوريا.
المصدر تلفزيون سوريا