ملخص
واصل توني بلير مسيرته السياسية والدبلوماسية بإيمان لا يتزعزع بقدراته الاستثنائية، من إيرلندا الشمالية وكوسوفو إلى الشرق الأوسط، من دون أن يحقق تقدماً في قضية الدولة الفلسطينية. واليوم، وبعد موافقة واشنطن وتل أبيب وسبع دول عربية على خطته لغزة، يجد نفسه على أبواب مشهد استثنائي: أن يتحول من أكثر السياسيين إثارة للجدل في المنطقة إلى مرشح محتمل لجائزة نوبل للسلام إلى جانب دونالد ترمب.
حتى الأشخاص الذي يحبون رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وأولئك الذين عملوا معه، لم يترددوا في وصفه بـ”المسيحاني” Messianic. قد لا تكون هذه العبارة هي الأنسب، نظراً إلى ما تحمله من دلالات توراتية، لوصف دوره في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، إلا أنها تعبر بدقة عن اقتناع عميق لديه، بأنه يمتلك قدرات استثنائية على التوفيق بين ما يبدو مستعصياً على أي توفيق أو تقارب.
هناك في الواقع ما يبرر هذه الثقة المفرطة لدى توني بلير في نفسه، ففي غضون عام واحد فقط من توليه رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة، نجح في التفاوض على تسوية للصراع في إيرلندا الشمالية. وإذا كان ذلك قد منحه ثقة كبيرة بقدرته على التوفيق في تجاوز أحقاد متجذرة، فمن يمكن أن يلومه على ذلك؟
من ثم واصل هذا المسار، فبعد نحو عام قام بحشد “حلف شمال الأطلسي” (ناتو) المنقسم على ذاته، حتى الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون الذي كان متردداً، لإجبار الديكتاتور الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش، على التخلي عن محاولته طرد السكان الألبان في كوسوفو من وطنهم.
إلا أن هذه النجاحات مهدت الطريق لغطرسة غزو العراق، عندما اعتقد توني بلير أنه سيتمكن من إقناع الرأي العام البريطاني بأن رئيساً آخر للولايات المتحدة هو جورج دبليو بوش، كان محقاً في إطاحة دكتاتور آخر.
قبيل انتخابات عام 2001 في بريطانيا، وقبل وقوع أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) وغزو العراق، قال بلير: “مررت قبل أيام بأحد المتظاهرين، كان يصرخ ويصيح. ووجدت نفسي أتساءل: ما طبيعة شخصيته الحقيقية؟ وما الذي يفكر به فعلاً؟ ربما يمكن الجلوس معه وإجراء نقاش عقلاني تماماً”.
ظل بلير مؤمناً بقدراته الاستثنائية حتى بعد مغادرة منصب رئيس الوزراء، فتولى مهمة مبعوث إلى الشرق الأوسط بتكليف من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا. كانت مهمته الأساسية المساعدة في تطوير البنية التحتية لفلسطين، بما يمكنها من أن تصبح دولة مستقلة. وقد شكلت هذه البنية الأساس العملي للشعارات الكبرى حول حل الدولتين، إذ انخرط بلير في مفاوضات شاقة ورتيبة، بدءاً من محطات الصرف الصحي وصولاً إلى شبكات الهاتف المحمول. لكنه كان على يقين دائم بأن العلاقات السياسية رفيعة المستوى بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية والدول العربية، هي الأكثر أهمية، وهي التي ستحدد في نهاية المطاف النتيجة، وقد عمل بجد وبلا كلل على هذا المستوى أيضاً.
لكن ذلك كان بلا جدوى، فقد تنحى عن منصبه في عام 2015 بعد نحو ثمانية أعوام، من دون أن يحرز أي تقدم يذكر في قضية إقامة الدولة الفلسطينية.
مع ذلك، امتدت طموحاته إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط. ففي عام 2009، لم يمانع بلير في أن يطرح اسمه لشغل المنصب الجديد لرئيس الاتحاد الأوروبي، على رغم أنه لم تكن هناك في الواقع أية فرصة حقيقية لأن يقدم قادة دول الاتحاد، ومن بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على تعيين شخص قد يهدد سلطتهم إلى هذا الحد، وفي النهاية وقع الاختيار على سياسي بلجيكي مغمور.
هذه الطموحات لمرحلة ما بعد رئاسة الوزراء ربما بدت ضرباً من الخيال، إلا أن تصميم بلير على “عدم الاستسلام أبداً”، كان يحمل طابعاً تشرشلياً [في إشارة إلى الروح القتالية والصمود].
لم يستسلم على الإطلاق، ففي غضون أسابيع قليلة من الهجمات التي نفذتها حركة “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على بلير اقتراحاً بتعيينه “منسقاً إنسانياً” في قطاع غزة، وهي خطوة استهدفت تخفيف الانتقادات الدولية للحكومة الإسرائيلية على تسببها بمعاناة المدنيين في الحرب التي تشنها على “حماس”. لم تسفر تلك المحاولة عن نتائج، لكن بلير استمر في التواصل مع أصحاب النفوذ الرئيسين، بمن فيهم جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سهل له الوصول إلى سيد البيت الأبيض.
بلير البالغ من العمر الآن 72 سنة، لم يتردد خلال اجتماع عقد في البيت الأبيض الشهر الماضي عن كيل المديح للرئيس الأميركي وإبلاغه بأنه رشحه لنيل “جائزة نوبل للسلام”. وقدم له خطة، صاغها بلير بنفسه في الغالب، لإدارة قطاع غزة بقيادة الولايات المتحدة، وذلك بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
في الأيام القليلة الأخيرة، وافقت الولايات المتحدة وإسرائيل وسبع دول عربية على خطة توني بلير. وعلى رغم البيان الذي صدر يوم الإثنين عن “حماس” بأن رئيس الوزراء البريطاني السابق هو “شخصية غير مرحب بها في السياق الفلسطيني”، إلا أن من المفترض أن توقع الحركة على الاتفاق في نهاية المطاف.
أشار ترمب في إعلانه لخطة إنشاء “مجلس للسلام” إلى بلير قائلاً “أحد الأشخاص الذين يرغبون في الانضمام إلى المجلس هو رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير”، وكأن دور بلير لم يحسم بعد، لكنه مضى ليصفه بأنه “رجل جيد، رجل جيد جداً”.
سيكون من المدهش حقاً لو أن طاقة توني بلير وإصراره وتفاؤله، الذي يلامس أحياناً حد الوهم، أثمرت جائزة السلام في غزة. وسيكون أشد إدهاشاً أن ينتهي به المطاف، وهو المكروه من كثيرين بسبب دوره في جزء آخر من الشرق الأوسط، إلى الوقوف إلى جانب دونالد ترمب كفائزين بـ”جائزة نوبل للسلام”.
المصدر اندبندنت عربية
© The Independent
