يُعتبر الدكتور محمد أركون (1928-2010)، الجزائري الأصل والفرنسي الجنسية، من أبرز الباحثين المعاصرين في الفكر الإسلامي. فقد أمضى أربعين سنة في البحث والعمل في جذور مشروعه الإنساني والأنثروبولوجي في مجال نقد العقل الإسلامي، مستعينًا بأدوات المعرفة العلمية للإنسان والمجتمع من أجل تقديم فهم أعمق وأشمل لملامح هذا المجتمع وبنيته. وبقدر ما كانت هذه العملية عميقة وصعبة، بقدر ما اتصفت بالجرأة والشجاعة الفكرية. وقد وصف أركون في كتبه الـ66 وفي العديد من دراساته مشروعه كما يلي: “مشروع نقد العقل الإسلامي لا ينحاز لمذهب ضد المذاهب الأخرى ولا يقف مع عقيدة ضد العقائد التي ظهرت أو قد تظهر في التاريخ. إنه مشروع تاريخي أنثروبولوجي في آنٍ معًا، إنه يثير أسئلة أنثروبولوجية في كل مرحلة من مراحل التاريخ، ولا يكتفي بمعلومات التاريخ الراوي المشير إلى أسماء وحوادث وأفكار وآثار بدون أن يتساءل عن تاريخ المفهومات الأساسية المؤسسة كالدين والدولة والمجتمع والحقوق والحرام والحلال والمقدس والطبيعة والعقل والمخيال والضمير واللاشعور واللامعقول، والمعرفة القصصية أي الأسطورية، والمعرفة التاريخية، والمعرفة العلمية، والمعرفة الفلسفية”.
ولا نبالغ إن قلنا إنّ أفكار أركون ما زالت إلى اليوم مثار جدل فلسفي ونقاش فكري في مؤتمرات وندوات، كان آخرها اللقاء الذي أُقيم في بيروت بمناسبة مرور خمسة عشر عامًا على رحيله (أي في الخامس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر 2025). وحمل هذا اللقاء عنوان “محمد أركون: المنهج والرؤية والمآل”.
للحديث عن فكر أركون، كان لنا حوار مع أستاذة الفلسفة العربية والإسلامية في الجامعة اللبنانية، والمتخصصة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، الدكتورة نايلة أبي نادر.
| نايلة أبي نادر في إحدى الندوات عن محمد أركون |
(*) نعلم أنّ لديك اهتمامًا خاصًا بفكر محمد أركون. ومن دراساتك المنشورة في هذا الصدد: “أركون والمنهج النقدي: محطات ومصطلحات”، و”إصلاح بنية العقل الإسلامي: مشروع محمد أركون الفكري”، و”القرآن بين اللفظ والمعنى في نص محمد أركون”. متى بدأ اهتمامك بهذا الفكر؟
بعد أن أنهيتُ الليسانس في الجامعة اللبنانية قسم الفلسفة، كان عليّ أن أدرس سنة إضافية للماجستير (بحسب النظام القديم) وأن أختار موضوعًا للبحث. في هذه الأثناء، كان لدينا أستاذ مميز في الفكر العربي الإسلامي هو الدكتور وليد خوري. هذا الباحث متمرّس جدًا في الإسلاميات، واقترح عليّ أن أقرأ كتاب “تاريخية الفكر العربي والإسلامي” للدكتور محمد أركون. وقد كان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي تُرجمت إلى اللغة العربية في ثمانينيات القرن الماضي.
عندما قرأتُ الكتاب إذا بي أواجه نصًا لا يشبه باقي النصوص، إن من ناحية الصعوبة أو من ناحية التمايز بالتحليل والامتلاء بالعلم والمعرفة. بعدها، قررتُ أن يكون بحثي في الماجستير هو مدخل إلى قراءة فكر محمد أركون، فأخذتُ المفاصل الأساسية لهذا المشروع النقدي كتقديم لمشروعه. طبعًا تطلّب مني ذلك جهدًا، لأنّ عليّ أن أطلع على المصادر الغربية التي استلّ منها أركون أدواته النقدية. وعلى الرغم من هذا التحدي، أنجزتُ رسالتي، لكنني اكتشفتُ أنني دخلتُ في عالم من الصعب الخروج منه، خصوصًا وأنني قمتُ بمراسلة محمد أركون الذي استقبلني بفائق البهجة والرغبة بالمساعدة.
(*) هل تعرفت إلى أركون شخصيًا أم اقتصر الأمر على المراسلات؟
بعد الانتهاء من فترة الماجستير، أرسلتُ له عملي، فكتب لي شهادة أبهجت نفسي. وأثناء تحضيري لأطروحة الدكتوراه في مقارنة بين مشروعه ومشروع الدكتور محمد عابد الجابري، تَسَنّت لي الفرصة أن أزور أركون لمدة أسبوعين في المغرب، حيث فتحت لي زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون منزلها، وكنتُ أحاوره يوميًا على مدى 13 يومًا، وبالفعل وُلدت أطروحتي التي حملت عنوان “خصوصية المنهج النقدي في الفكر العربي المعاصر: دراسة مقارنة بين محمد أركون ومحمد عابد الجابري”، واللذين كانا يتصدران المشهد الفكري العربي الإسلامي في حقبة تسعينيات القرن الماضي.
(*) منذ أيام حلّت الذكرى الخامسة عشر لرحيل هذا المفكر الجزائري، حضرنا لك لقاءًا في الحمرا عن “المنهج، الرؤية والمآل” للدكتور محمد أركون؟ فهل لك أن تخبرينا عن منطلقات هذا المنهج؟
مما لا شك فيه أنّ محمد أركون يُصنَّف ضمن خانة المفكرين النقديين، والنقد بالنسبة إليه هو مقاربة جديدة لموضوع الحقيقة: كيف نفهمها؟ هل من منظور واحد صراطي أرثوذكسي مستقيم، أم لدينا عدة مداخل للولوج إلى الحقيقة؟ هل الحقيقة البشرية المتعلقة بعقولنا هي حقيقة مطلقة، أم حقيقة مرتبطة بنا كأفراد نفكر ونسعى، أم لدينا ما يكفي من الجهل والأيديولوجيا والمحدودية التي تحول دون إدراك الحقيقة بعمقها؟
وأركون دخل إلى عمق التراث العربي الإسلامي من هذا المنظور التعددي، بحيث لا يمكنني أن أقرأ التراث فقط لأنني أتقن اللغة العربية أو لديّ أداة بين يديّ وهي الأدب العربي أو علم تفسير القرآن أو علم الفقه. إذًا، عرف محمد أركون أنّ العلوم الإسلامية مبنية على فهم ظاهر للغة العربية. فهل هذا يكفي؟ أم أنّ للنصوص التراثية شروط إنتاج لهذا الخطاب؟ وهذه الشروط قد يكون التاريخ لعب دورًا فيها، أو المجتمع، أو اللغة، أو علم النفس، أو السيميولوجيا (أي علم العلامات).
إذًا، هذا هو المنهج الذي انطلق منه أركون، وهو من مكتسبات أوروبا، حيث تابع دراسته ودرّس واستثمر في الألسنيات، في اللغة، في علم السيمياء، وفي الأنثروبولوجيا الدينية والثقافية والاجتماعية، كما استثمر في علم التاريخ، وهو ابن المدرسة المعروفة في تلك الحقبة باسم “مدرسة الحوليات الفرنسية”، التي أسسها المؤرخ لوسيان فيفر وغيره من زملائه. إذًا استفاد أركون من هذا الغليان الأوروبي المعرفي وأراد توظيفه.
(*) في مقابل استفادته من هذا التوجه الغربي المعرفي، هل برأيك انتقد هذا المنهج؟
رأى أركون أن الذين درسوا الإسلام قبله من المستشرقين، وهم أسماء مرموقة، لم يطبقوا على الإسلام ما تم تطبيقه على الفكر الغربي المسيحي أو اليوناني. فبالنسبة إليه، أطلق على نهج هؤلاء المستشرقين “الإسلاميات الكلاسيكية” التي تهتم بالتاريخ واللغة وتاريخ الألفاظ، ولم تُطبق المكتسبات الجديدة في دراسة هذه الإسلاميات. نعم، انتقد أركون هذا المشروع الكلاسيكي، وقدم بالمقابل مشروعه الفكري الذي أسماه “الإسلاميات التطبيقية”، وهو مختصر لكل منهجه الذي بدأه منذ رسالة الماجستير حول الأديب طه حسين، مرورًا برسالة الدكتوراه، وصولًا إلى كلّ كتبه وأبحاثه التي عمل فيها على بلورة المشروع النقدي المتكامل ذي الأبعاد المتعددة.
(*) برأيك، هل استطاع أركون أن يصل إلى المعنى المُراد من مشروعه؟
يستعمل أركون في أكثر من نص من كتبه وأبحاثه فعل “أنا أزحزح”، وبرأيي استطاع أن يُحدث هذه الزحزحة، إذ قدّم ما يكفي لطرح الأسئلة وللإشارة إلى النهج والطريق. غير أنّ نص أركون المهم لم يُحدث تغييرًا في الناس العاديين، فنصه بقي لمدة طويلة مسجونًا مع النخبة في الجامعات أو المثقفين الذين يملكون قلق التفكير. أمّا التغيير فالناس تُحدثه على أرض الواقع، وعندما يحصل، نستطيع القول إنّ نهجه ورؤيته وصلا إلى المآل.
من ناحية أخرى، يُصار اليوم إلى نشر فكر محمد أركون من خلال عملي كباحثة، بالإضافة إلى عمل الزملاء والأطاريح التي تتمّ اليوم بين الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية. والجدير بالذكر أنّ زوجة أركون أنشأت موقعًا إلكترونيًا لمؤسسة “محمد أركون للسلام بين الثقافات”، وبإمكان المهتم أن يشاهد المقابلات التلفزيونية التي قام بها أركون بالفرنسية. كما أنّ هناك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تطرح فيديوهات وأقوال للدكتور أركون.
(*) إلى أي مدى أثرّ فكر أركون على الأجيال اللاحقة على المستوى العربي؟
طبعًا، هو كان أستاذًا محاضرًا في جامعة السوربون وزائرًا في العديد من الجامعات حول العالم، لذلك كان لا بدّ من أن يؤثر على طلابه الذين تأثروا بدورهم بفكره. بالإضافة إلى ذلك، أثّر على باحثين في الدول العربية، منهم د. نصر حامد أبو زيد، والبعض عمل على ترجمة أعماله إلى اللغة العربية كالباحث السوري هاشم صالح، الذي هو أحد طلابه.
في لبنان، الدكتور علي حرب عمل على نهج الحقيقة ومفهومها، وأيضًا الدكتور شربل داغر الذي طبّق نهج أستاذه أركون على موضوع كيفية دراسة الفنّ الإسلامي أو ما يُسمى بـ”الجماليات”. وفي العراق هناك الباحث عبد الجبار الرفاعي الذي عمل على ترسيخ الفكر النقدي في مجال فلسفة الدين. أمّا ضمن الفكر النقدي، فهناك باحثون كثر يتبعون نهج أركون في النقد، مثل عبد المجيد شرفي، ومحمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، وغيرهم.
لكنّ، بعد خمسة عشر عامًا من الرحيل، نحن نفتقر إلى وقفات دراسية كبيرة في فكر أركون النقدي.
مما لا شك فيه أنّ المهتمين بالفكر النقدي بعمق على المستوى العربي هم قلّة، أمّا السبب فيعود إمّا إلى أنهم قد يكونون مضطهدين، أو غير مدعومين من مراكز الأبحاث، أو غير مكترثين.
علينا ألا نغتال هؤلاء المفكرين مرتين أو ثلاثًا أو أكثر، بل يقتضي الأمر أن نقرأهم، وأن نتعرّف عليهم كما هم، لا كما يُظهَّر لنا فكرهم.
المصدر صفة ثالثة