ابراهيم الحامد
منذ أكثر من عقد،يعيش الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة للحدود والمفاهيم السياسية والهويات الوطنية. وفي قلب هذا التحول تبقى سوريا، الدولة التي شكّلت تاريخياً محور التوازن الإقليمي ومركز الاستقرار النسبي،غائبة عن دورها الطبيعي. ومع ذلك، فإن أي مشروع سياسي جديد في المنطقة لن يكتب له النجاح ما لم تستعد سوريا عافيتها ودورها بوصفها نموذجاً للتعددية والتعايش، لا ميداناً للصراع.
المخرج الوحيد لسوريا اليوم — وللمنطقة كلها — هو تبنّي -الدول الأقليمية والعربية وبما فيها سوريا – مشروع وطني يقوم على الفدرالية الديمقراطية والمواطنة المتساوية، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الكردي كشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية المقسّمة بين أربع دول والشعب الفلسطيني المحتلة أرضه من قبل إسرائيل.
فمنذ رسم الحدود الحديثة للمنطقة قبل قرن من الزمن، ظلّت سوريا مركز التفاعل السياسي في الشرق الأوسط، ومؤشراً على توازنه أو اضطرابه. فعندما تتعرض سوريا للانقسام أو الضعف، تتداعى معها بنية الإقليم السياسية والأمنية، وحين تستعيد استقرارها، تتنفس المنطقة بأكملها.
لكن السنوات الأخيرة حولت هذا القلب النابض إلى ساحة استنزاف وصراع نفوذ بين قوى محلية وإقليمية ودولية، حتى باتت البلاد فاقدةً لتوازنها الداخلي، ومجزأة الإرادة بين أطراف تتنازع تحت مظلات متعددة.
الطريق إلى إنقاذ سوريا يبدأ من الداخل، من حوار وطني صادق وشامل، لا يخضع للوصايات الخارجية ولا للإملاءات المسبقة. حوارٌ يفضي إلى عقد اجتماعي جديد يعترف صراحة بالتعدد القومي والديني، ويؤسس لنظام فدرالي ديمقراطي يوزع السلطات بين المركز والمناطق، ويضمن وحدة البلاد من خلال العدالة والمشاركة لا عبر القسر والهيمنة.
في هذا السياق، تبرز ضرورة معالجة القضية الكردية كمدخل أساسي لاستقرار سوريا والمنطقة. فالكرد شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية الممتدة عبر سوريا والعراق وتركيا وإيران، وتجزئته بفعل الحدود المصطنعة جعلت من قضيته محوراً دائماً للأزمات الإقليمية. إن أي تسوية سياسية عادلة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل حق الشعب الكردي في إدارة شؤونه القومية والثقافية والسياسية ضمن أطر فدرالية تحفظ وحدة الدول الأربع وتبعد عنها خطر التقسيم.
الاعتراف الدستوري بهذا الحق ليس تهديداً لوحدة سوريا، بل هو ضمانتها الحقيقية، لأنه يعيد بناء الثقة بين المكونات ويؤسس لمواطنة متساوية تُنهي منطق الغلبة والتمييز.
إن الحلول الجزئية التي تقتصر على شخصيات عشائرية أو دينية أو مبادرات مؤقتة أثبتت محدوديتها. فبناء دولة حديثة يحتاج إلى مؤسسات سياسية حقيقية، وإلى أحزاب وطنية تعبّر عن التنوع السوري بكل أطيافه، لا عن لون واحد أو هوية واحدة.
العشائر ورجال الدين والمستقلون لهم مكانهم الاجتماعي، لكن مشروع الدولة لا يمكن أن يُبنى إلا على أكتاف القوى السياسية المدنية المؤمنة بالديمقراطية، وسيادة القانون، وتداول السلطة.
إن الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً للاستقرار. والمواطنة ليست شعاراً، بل أساس العقد الوطني الجديد. فحين يشعر كل مواطن — عربياً كان أو كردياً أو سريانياً أو تركمانياً أو أرمنياً — بأنه متساوٍ في الحقوق والواجبات، يصبح الدفاع عن وحدة البلاد واجباً جماعياً لا شعاراً سياسياً.
ومن هنا، ينبغي أن يُكرّس الدستور القادم مبدأ المساواة التامة، وأن يضمن الحق في العمل والتعليم والرعاية الصحية والحياة الكريمة لكل مواطن، مع إلزام الدولة بتوزيع الثروة بعدالة وتمكين الطبقات المنتجة في الزراعة والصناعة والخدمات.
إن سوريا، بتنوعها القومي والديني والثقافي، ليست عبئاً على المنطقة كما يُصوّرها البعض، بل فرصة لإعادة تعريف مفهوم الدولة الحديثة في الشرق الأوسط: دولة المواطنة والتعددية، لا دولة اللون الواحد أو الفئة المهيمنة.
وإذا كانت خريطة الشرق الأوسط الجديد تُرسم اليوم تحت ضغط الصراعات والتفاهمات الإقليمية، فإن موقع سوريا فيها سيُحدَّد بقدرتها على إنتاج نموذج سياسي يعكس إرادة أبنائها، ويصون كرامة شعوبها كافة دون تمييز.
إن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق ما لم تُحل القضية الكردية في إطار ديمقراطي عادل داخل كل دولة من الدول الأربع التي يتوزع فيها الكرد، وما لم تتبنَّ سوريا نموذجاً وطنياً جامعاً يضمن حقوق جميع مكوناتها. فالتعددية ليست تهديداً للوحدة، بل هي الطريق الوحيد إليها.
سوريا اليوم أمام مفترق تاريخي:
إما أن تعيد تعريف نفسها كدولة جامعة لمواطنيها بكل اختلافاتهم، أو أن تبقى ساحة لتصفية الحسابات بين مشاريع الآخرين.
لكنّ التاريخ علمنا أن هذا القلب، مهما أنهكه النزيف، لا يتوقف عن الخفقان. وسوريا، رغم كل ما مرت به، قادرة على أن تعود مركزاً للتوازن في الشرق الأوسط الجديد — شرط أن يكون هذا التوازن قائماً على العدالة، لا على القوة.