عمر كوش كاتب سوري
عُرفت الرأسمالية بأنها نظام اقتصادي، ينهض على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتبادل السلع والخدمات من أجل تحقيق الأرباح، وتتميز بخصائص متعددة، تشمل تراكم رأس المال والعمل المأجور والأسواق التنافسية الحرة والملكية الخاصة وسواها، فيما تتحدد عمليات اتخاذ القرارات والاستثمارات من طرف أصحاب الثروات أو مالكي وسائل الإنتاج في الأسواق الاقتصادية أو أسواق رأس المال، حيث يتم تحديد الأسعار وفقًا للعرض والطلب، وتوزيع البضائع والخدمات وفقًا للمنافسة في أسواق السلع والخدمات. ونشأت الرأسمالية في مرحلة لاحقة للنظام الإقطاعي، الذي اتسم بتملك الأرض ووسائل الإنتاج وسواها، إضافة إلى ظهور المذهب الحر أو الطبيعي الداعي لحرية التملك.
غير أن عالم الاجتماع الأميركي إيمانويل فالرشتاين، في كتابه “الرأسمالية التاريخية… ويليه الحضارة الرأسمالية” (ترجمة عُومرية سلطاني، مدارات للأبحاث والنشر، بيروت، 2024)، ينطلق من أطروحة تفيد بأن الرأسمالية ليست مجرد مرحلة اقتصادية لاحقة لنظام الإقطاع، بل هي نظام عالمي نشأ في أوروبا الغربية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم توسع تدريجيًا ليعمّ العالم بأجمعه، حيث مثّل تفكك الإقطاعية شرطًا بنيويًا لولادة الرأسمالية، لكن الرأسمالية لم تتشكل بوصفها نظامًا محليًا، ولا نظامًا وطنيًا، بل كانت منذ بدايتها ذات طبيعة عابرة للحدود والقارات.
تكمن أهمية الكتاب في تشكيله معلمًا نظريًا لفهم الرأسمالية، والهيمنة والعولمة، ومعهما تاريخ النظام العالمي المعاصر. وتزداد أهميته من تناوله التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العقود الماضية، وإسهامه في تفسير الأزمات المعاصرة، من التفاوت الاقتصادي المتصاعد بين الدول الغنية والفقيرة، والأزمات البيئية والمناخية، وصولًا إلى صراعات الهيمنة العالمية. وتبتعد رؤية فالرشتاين عن الرؤى الاقتصادية التقليدية التي تعتبر الرأسمالية تطورًا طبيعيًا للمجتمعات البشرية، فالرأسمالية ليست مجرد تنظيم اقتصادي، إنما هي حضارة تتداخل فيها البُنى الاقتصادية مع النظم الثقافية والقانونية والسياسية. والأهم هو أن فالرشتاين ينتقد بشدة النزعة الاقتصادوية التي تحاول اختزال المجتمعات في مؤشرات النمو وأرقام الأسواق والاقتصاد، إضافة إلى رفضه الفصل بين البُنى الاقتصادية والسياسية، حيث يعتبر أن الدولة الوطنية الحديثة استُخدمت على الدوام كأداة وظيفية من قبل رأس المال العالمي. ووفق منهج تحليلي، يسلط سهام نقده على النزعة الاختزالية في العلوم الاجتماعية في دول الغرب، التي تُجزئ المعارف إلى تخصصات منفصلة من تاريخ واقتصاد واجتماع وسياسة وسواها، طارحًا رؤية شمولية كبديل للتعامل مع الظواهر الاجتماعية في ترابطها البنيوي.
يمتد تاريخ الرأسمالية على مدى أكثر من خمسة قرون، لكن فالرشتاين لا يقدّم تأريخًا سرديًا تقليديًا لنظام اقتصادي، إنما يجهد في الكشف عن الحيثيات البنيوية الخفية التي تنظّم العالم الرأسمالي، وتعيد تشكيل مصير الدول والمجتمعات البشرية، وذلك عبر تتبّع نشأة السوق العالمية، وتطوّر أنماط الإنتاج والعمل، ساعيًا إلى تحديد السمات الجوهرية لهذا النظام، مع التمييز بين السمات التي استقرت، وتلك التي خضعت للتغيرات والتحولات عبر العصور المتتالية.
يركز التناول البحثي على مواجهة الأسس البنيوية التي نشأت عليها الرأسمالية، ووسمت الحداثة الغربية التي تطورت من خلالها الرأسمالية، بوصفها نظامًا عالميًا مهيمنًا، حيث نشأ هذا النظام من خلال تقسيم عالمي للعمل، أنتج تراتبية ثلاثية الأبعاد بين دول المركز، ودول الهامش الوسيط، ودول الهامش، ولم تتغير بنيته جذريًا منذ نشأته. فالنظام الرأسمالي لا يمكن فهمه إلا باعتباره نظامًا عالميًا شاملًا، يتميز عن الاقتصاديات القومية التي تفترض وجود أسواق ومؤسسات داخل كل دولة مكتفية بذاتها. لكن الرأسمالية العالمية أسهمت بشكل كبير في إفقار بلدان الجنوب، ولعل استمرار هذه البلدان داخل إطار هذا النظام العالمي سيجعل مشكلاتها البنيوية الاقتصادية والاجتماعية عصيّة على الحل.
يدور البحث إذًا حول تحليل الآليات التي تجعل تراتبية المركز والهامش متسيّدة ودائمة داخل النظام الرأسمالي، فقد احتكرت دول المركز، ممثلةً بأوروبا الغربية ثم أميركا الشمالية، جميع تقنيات الإنتاج المتطورة، وأهم المؤسسات المالية، وفرضت قواعد للتبادل التجاري تخدم تراكم الثروة المستمرة فيها، وبما يجعل هيمنتها متواصلة. أما دول الهامش، فقد وُظّفت في النظام الرأسمالي باعتبارها مصادر للمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة، وحولتها دول المركز إلى مجرد سوق لتصريف وبيع منتجاتها المصنّعة، وميدانًا لتصدير الفوائض السكانية والسلعية. ولا يُعدم الأمر وجود دول تقع في نطاق الهامش الوسيط، كالبرازيل والهند وتركيا والمكسيك، فأحيانًا تستفيد بشكل محدود من المركز، وفي أحيان تقع فريسة التبعية له، وتستغل دول الهامش من جهة، لكنها تخضع لهيمنة المركز من جهة أخرى.
بالانتقال إلى أزمات الرأسمالية، يُنظر إلى الرأسمالية بوصفها نظامًا تاريخيًا له بداية ونهاية، وتتقاذفه أزمات متعددة، تجسدت في أزمة بنيوية طويلة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، وما تزال مستمرة. وتظهر في ثلاثة أشكال: أولها أزمة الربحية، التي جعلت معدلات الربح غير كافية لاستدامة نمط التراكم السابق، نتيجة تصاعد تكاليف الإنتاج وتناقص الفوارق بين المركز والهامش. وثانيها أزمة الشرعية الناجمة عن عدم اقتناع شرائح من شعوب دول الجنوب بصلاحية النموذج الرأسمالي، الأمر الذي أفضى إلى اندلاع ثورات وحركات مناهضة للرأسمالية، وخاصة في نسختها المعولمة. وثالثها أزمة الهيمنة، التي جسدها تراجع القدرة الأميركية على فرض نموذج موحد للنظام العالمي، وقابلها صعود قوى ودول منافسة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية. كما أن منح الحقوق في النظام الرأسمالي العالمي يجري باعتبارها امتيازات مرتبطة بالموقع الطبقي والجغرافي، وليس لأنها حقوق إنسانية كونية.
تتجلى الحضارة الرأسمالية في أن الرأسمالية لم تعد نظامًا أو إطارًا اقتصاديًا فقط، إنما أضحت حضارة قائمة بذاتها، تنتج أنماط الحياة والقيم والمعايير التي تنظّم سلوك البشر على نطاق عالمي. ولا يمكن القفز على المكاسب التي جلبتها الرأسمالية، مثل تحسين مستويات المعيشة لبعض فئات السكان، واتساع رقعة الطبقة الوسطى، لكنها تتميز أيضًا باختلالات بنيوية عميقة، لأن الغالبية الساحقة من البشرية لا تزال تعاني من تبعات التهميش والتفاوت والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية. لكن الرأسمالية وصلت ذروتها وهي مأزومة في هيكليتها وبنيتها، الأمر الذي يشي بأن الحضارة الرأسمالية تقرب من نهايتها، التي لا يمكن القول إنها ستكون على شكل انهيار مفاجئ أو دراماتيكي، بل ربما تجري من خلال تفكك تدريجي يقرّبها من نهايتها المحتومة، أي ليس بانهيار مفاجئ، بل من خلال تفكك تدريجي، وذلك حين يعجز النظام الرأسمالي عن إدارة تناقضاته، ويفتقد القدرة على إيجاد حل لأزماته.
بنت الرأسمالية الاقتصاد العالمي بوصفه كيانًا فريدًا، يتكون من عدة مؤسسات حاكمة متميزة ضمن نظام اقتصادي شامل. وبذلك تبدو الدول في منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي مرتبطة مع بعضها البعض بنظام محكم. وعلى الرغم من انتشار العبودية حتى عصرنا الراهن، والعبودية المتعاقد عليها، وسواها من أشكال العمل القسري، إلا أنه لم يتم تعريف الرأسمالية كنظام قائم على العمل المأجور والملكية الخاصة، بل كنظام قائم على التراكم اللانهائي لرأس المال، والذي كان يُقصد به القيمة المخزنة أو المضافة. وبرز تقسيم للعمل يعكس الانقسامات الطبقية داخل الدول، حيث استغلت الدول الغنية والقوية دول الأطراف المُعدمة واستفادت منها. ومع ذلك، فإن العنصر المحوري في تحليل النظم العالمية هو الاعتقاد بأن جميع الأنظمة زائلة، حيث يولد النظام ويمرّ بفترة من الهشاشة ثم القوة، قبل أن يدخل أخيرًا في فترة أزمة فاصلة. وعليه، يجادل فالرشتاين بأن للرأسمالية عمرًا محدودًا، وأن عملياتها وآلياتها ستفضي في النهاية إلى نهايتها. وفق هذا المنظور التحليلي، المستند إلى فكرة الدورات الطويلة في التاريخ، يعتبر فالرشتاين أن النظام الرأسمالي يمرّ بمرحلة انتقالية قد تؤدي إلى انهياره أو تحوّله إلى شكل جديد لم تُعرف ملامحه بعد.