“الكلمة الحرّة”؛ لدينا جميعًا صورة عنها: شيء ما عن حريّة التعبير والقيم الغربية النموذجية، كما أنها تبدو بطولية بعض الشيء. ولكن ما هي بالضبط؟ ماذا تعني؟
ولدت وكبرتُ في روتردام، ودرست في أنتويرب. في هاتين المدينتين تشكّلتُ، شعرت طوال الوقت بأنني في وطني وأنّني مكتمل، وفي الواجهة تمامًا. ولكن في فلسطين انهرت مجدّدًا، عرفت ما هو المنفى بعد زياراتي لفلسطين.
لم أبحث عن ذلك الجزء من أصلي، الجزء الذي لا يمكن قراءته من وجهي، حتى بلغتُ العشرينات من عمري. حتى ذلك الحين كنتُ أعرف نصف كلّ شيء، كنتُ راضيًا للغاية عن ليوبولد، وسلاورهوف، وهيني هويسمان، ودوللي دوتس، وفوكوينبروخ، وفيرمير، وسيس فان دونجن، وبالطبع “روبرتو جاكيتي والدرّاجات البخارية”، تلك كانت ثقافتي (يعدّد الكاتب هنا رموز الثقافة الهولندية والبلجيكية- المترجم).
حين التقيت بعائلتي الفلسطينية لأوّل مرة، كان الأمر أشبه بجسد فقير يُضخّ فيه الدّم، كان ذلك في عام 1996، زمن اتفاقيات أوسلو. ذهبت إلى القدس، إلى غزّة، إلى رام الله، وكنت أعود مع والدي بانتظام بعد ذلك. كانت المرّة الأولى بالنسبة لي عندما زرنا بلدته في الضفّة الغربية، والمرّة الأولى له منذ 30 عامًا، كما زرنا المكان الذي ولد فيه: نابلس.
| رمزي نصر |
أشهر صابون في العالم
أبهرتني مصانع الصابون بشكل خاص في هذه المدينة التاريخية الجميلة، لم أرَ مثلها من قبل، تمّ اختراع عملية صناعة الصابون في الشرق الأوسط منذ 4500 عام، ووجدت صناعة الصابون في نابلس منذ القرن العاشر الميلادي، يُطلق على الصابون النابلسي أحيانًا اسم أفضل صابون في العالم، وهو مصنوع من زيت الزيتون والماء والغسول. عرفتْ المدينة 30 مصنعًا. لم يبق منها اليوم سوى اثنين فقط، يخنقهما الاحتلال الإسرائيلي خنقًا. آخر مصنع صابون في نابلس قد يغلق أبوابه قريبًا… ستباع المصانع بعد أكثر من ألف عام.
كان تدمير الثقافة الفلسطينية هدفًا رئيسيًا للصهيونية منذ الأيام الأولى، التدمير على شكل “إحلال”… فبعد فترة وجيزة من وعد بلفور عام 1917، تقدّمت اللجنة الصهيونية بطلب لإنشاء مصنع صابون خاص بها في فلسطين، وكان ردّ المسؤول البريطاني أنّ صناعة الصابون المزدهر موجودة بالفعل في نابلس، ولو افتتح المستوطنون اليهود أيضًا مصانع صابون، فما مصير الآخرين؟
كان من الواضح ما هو مصيرهم؛ نشرت صحيفة هآرتس في عام 1919 إعلانًا يعرض صابونًا صهيونيًا محلي الصنع، من زيت الزيتون أيضًا، لكنّه أنقى. وبالفعل كان هذا الصابون “خاليًا من أيّ خليط عربي”، وله “جودة أعلى من صابون نابلس”. لم تتحقّق هذه الجودة الأعلى أبدًا، بل تحقّقت “عملية التنقية”.
نعرف الفلسطينيين اليوم بوصفهم “حيوانات سياسية”، كائنات مقاومة. لكن هذا لا يقول شيئًا عن الفلسطينيين أو أي شيء عن الاحتلال. وكما اشتهرت نابلس بصابونها، اشتهرت غزّة بأسماكها، كان الناس يسافرون بالساعات ليأكلوا السمك المشوي في أحد المطاعم التي لا تعدّ ولا تحصى على شاطئ البحر.
|
|
| صناعة الصابون النابلسي تمتد لمئات السنوات |
قبل تأسيس إسرائيل، كان لكلّ منطقة أو مدينة في فلسطين خصوصيتها الثقافية أو صناعتها الفريدة؛ اشتهرت الخليل في عشرينيّات القرن العشرين بإنتاج الجلود، وكان لعكا صناعة البناء والتنقيب عن النفط، ولمدينة يافا الساحلية عدد لا يحصى من محلّات الحدادة وصناعة البلاط المزدهرة. وجنين؟ لا تزال تلك المنطقة مشهورة بأراضيها الزراعية الخصبة؛ فهي منطقة البطيخ والعنب والملوخية والفريكة والزهور، زهور لا حصر لها، كما أن جنين هي المكان المناسب للوجبة الفلسطينية الوطنية “المسخّن”.
لعنة اللجوء
كثير من الناس لا يعرفون ذلك، كما أنهم لا يعرفون أن الجيش الإسرائيلي يشنّ هجمات شاملة على هذه المدينة منذ أكثر من ستّة أشهر، لقد كان يفعل ذلك على فترات منتظمة منذ عقود، ولكن ما يحدث اليوم هو إبادة… لم يبقَ شيء تقريبًا على حاله؛ لقد بدأوا ذلك بعد يوم واحد من سريان وقف إطلاق النار قصير الأجل في غزّة؛ وبينما تنفّس الغرب الصعداء بسذاجة، واصل الإسرائيليون تدميرهم في الضفّة الغربية. وبذلك أعلن الجيش الإسرائيلي صراحةً أنه: “سيطبّق في جنين الدروس التي تعلّمها في غزّة”. لم يستمع أحد أو يتدخّل في الغرب، حتى استطعنا في شباط/ فبراير الماضي أن نشاهد عبر مواقع التواصل الاجتماعي الجيش الإسرائيلي وهو يفجر في وقت واحد 20 مبنىً سكنيًا كاملًا في جنين.
| حولت آلة القتل الإسرائيلية قطاع غزّة إلى أنقاض |
يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد استخلص دروسًا لغزّة مرة أخرى في جنين؛ ففي الشهر الماضي رأيت 50 شقة سكنية ضخمة يتم تفجيرها في هواء مدينة غزّة، كل ذلك في غضون 48 ساعة… التقدّم في العمل.
قال نتنياهو عن ذلك بسرور واضح: “كلّ هذا مجرّد بداية، مقدّمة”.
نعلم أن نكبة 1948، التي طُرد فيها أكثر من 750 ألف فلسطيني من أراضيهم، ودُمرت 500 قرية على الأقلّ، كانت أيضًا “مجرّد بداية”. إسرائيل هي مقدّمة للشيء الحقيقي: إسرائيل الكبرى… أي كلّ فلسطين التاريخية، ولكن بدون الفلسطينيين، بدون ثقافة.
“أبراج الإرهاب” هو المسمّى الذي أطلقه نتنياهو على الأبراج السكنية التي تمّ تفجيرها في غزّة، لم يقدّم أي دليل على هذا الادّعاء، لا حاجة لذلك في الغرب الحرّ… فمن يملك اللغة يستطيع أن يحتلّها ليقول ما يشاء، حتى أنه يستطيع أن يستخدم الكلمات لـ”إخفاء اللاجئين”.
وإليكم الأمر: في عام 1948، عندما طُرد السكّان الفلسطينيون من ديارهم في ما يسمّى الآن بـ”إسرائيل”، فرّ الآلاف منهم إلى جنين، وفي عام 1953 أصبح المخيم رسميًا “مخيمًا للّاجئين” أنشأته الأمم المتّحدة في انتظار عودتهم إلى ديارهم، العودة التي لم تتحقّق أبدًا على الرغم من وعود الأمم المتّحدة. وهكذا أصبح “مخيّم اللّاجئين” مدينة تطلّ على المستوطنات الإسرائيلية المبنية على القرى الفلسطينية المحتلّة، ولا يزال أحفاد هؤلاء اللاجئين يصعدون إلى التلال في بعض الأحيان للنظر إلى منازلهم وأراضيهم.
اللجوء ليس نزلة برد تزول من تلقاء نفسها، بل لعنة تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، إلى أن تتحقّق العدالة وتُرفع اللعنة، في أي شكل كان، فهذا أمر ثانٍ؛ العودة أو التعويض… ولكن الحق لا يزول. وبصرف النظر عن القانون، هناك طرق أخرى لمعالجة مشكلة اللاجئين التي هي بحجم مشكلة الحياة. على سبيل المثال، من خلال تدمير اللاجئين أنفسهم.
على أيّة حال، لم يعد مخيّم جنين للّاجئين موجودًا، فقد تمّ طرد جميع سكّانه البالغ عددهم 20 ألف شخص (كل ذلك حدث في الأشهر القليلة الماضية، حين أشحنا بأبصارنا بعيدًا لبرهة)، وينطبق الأمر نفسه على مخيّمي طولكرم ونور شمس، اللذين تمّ تدميرهما أيضًا، ما يعني أن هناك ما مجموعه 40 ألف لاجئ أصبحوا بلا مأوى للمرّة الألف.
الطواعية العجيبة للّغة
إلى أين يجب أن يذهب هؤلاء؟ بعيدًا. ويفضّل أن يكون ذلك بالمعنى الحرفي للكلمة.
وحتى ذلك الحين، يستغلّ نتنياهو “الطواعية العجيبة” للّغة. ففي آب/ أغسطس، على سبيل المثال، ذكر أنه على استعداد تام لسحب الجيش من جنين، بشروط قليلة؛ الأول: ألّا يُسمّى “مخيّم اللّاجئين” من الآن فصاعدًا “مخيّمًا للّاجئين”! وبدلًا من ذلك، سيُطلق عليه اسم منطقة أو حي.
أمّا مطلبه الثاني: على منظّمة الأونروا للّاجئين مغادرة جنين!
هدف إسرائيل هو جعل اللّاجئين الذين لا حصر لهم يختفون بضربة واحدة بوسائل قانونية، من خلال تغيير الاسم والحرمان من المساعدات ذات الصلّة. وبالطريقة ذاتها التي انتهجتها الصهيونية ذات مرّة وجعلت جميع القرى والبلدات العربية في فلسطين تختفي: من خلال استبدالها، عن طريق تجريفها وتسويتها بالأرض عام 1948 (تم تجريف بيوتهم ونسفها حتى في ذلك الوقت!) ومن خلال اختراع أسماء عبرية جديدة لتاريخهم، ولمواقع عمرها آلاف السنين، بأسماء تبدو توراتية وجديدة تمامًا، من خلال ربط استخدام الكلمات بالدمار.
فهذه هي غاية اللغة في أيدي الاستعمار؛ إذ يصبح المعنى هدفًا. اللغة الاستعمارية ترفع من شأن اللجوء، وتعبث بالسبّب والنتيجة، وتجعل من السياق عدوًا. ولكن عاجلًا أم آجلًا، ستسعى الكلمة الحرّة العليا إلى تغيير الواقع.
| قصف لغزة في 26 سبتمبر/ أيلول. تصوير سعيد الخطيب/ وكالة الصحافة الفرنسية |
كانت الكلمة المجانية هي التي وصمت منظمة الأونروا في غزّة بأنها “منظّمة حماس”، مرّة أخرى من دون أدنى دليل، من دون أدنى ذرّة من الحقيقة. كانت أكذوبة كما أظهرت التحقيقات المستقلّة، كانت منظمة الأونروا شريان الحياة لسكان غزّة الذين يعانون الفقر، وحذّر عمال الإغاثة من كارثة محقّقة، ومع ذلك فقد عمل الغرب على تفكيك المنظمة وحلّها بالكامل، واليوم نرى مجاعة ملايين اللاجئين على شاشاتنا… (تم تحقيق الهدف).
أمّة من اللّاجئين
تبحث إسرائيل منذ عقود عن طرق لتدمير منظمة الأونروا، إذ شكّلت المنظمة شوكة في خاصرة إسرائيل؛ تذكّر العالم يوميًا بأن اللاجئين وأحفادهم يشكلون 80 بالمائة من سكان غزّة، وقد طُرد معظمهم إليها في عام 1948، وبدلًا من مواجهة الكارثة، يتمّ محو هذه اللطخة.
نحن نقصف أمّة من اللاجئين، جميعنا، لأنّنا نفعل ذلك بدعمنا العسكري والمالي والمعنوي والسياسي، ونفعله بتلذّذ لأننا بدلًا من الاعتراف بالواقع، نفضّل أيضًا الانخداع بـ”الكلمة المجانية” لمهووس الإبادة الجماعية نتنياهو.
قادة اليمين المتطرّف مثل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وخيرت فيلدرز لم يجعلوا اللغة “مجانية” فحسب، بل محظورة أيضًا. وفي مأوى تلك الطليعة يستغلّ “اليمين المحترم” اللغة نفسها، جميعنا اليوم مصابون بهذه اللغة، أولئك الذين كانوا يأخذون كل شيء أصبحوا الآن يسمّون “الباحثين عن الثروة”، أمّا أفقر الفقراء فنسمّيهم “مبتزّين”، ونسمّي المهمشين في مجتمعنا، الأكثر ضعفًا، بـ”الأشرار المتسبّبين في كلّ مشاكلنا”، وبهذه الطريقة نحوّل اللاجئين إلى وحوش همجية قذرة، والمستعمرين إلى غزاة، والمواطنين إلى إرهابيين.
نحن نفضّل كلّ هذا؛ وإلّا لما سمحنا بحدوثه… وإلّا لكنّا قاومنا…
| قافلة من الشاحنات تحمل لاجئين فلسطينيين طردوا عام 1948 |
من بين كلّ 6 قتلى في غزّة هناك خمسة مدنيّين، أي 83 بالمائة. وباحتساب ما وقع في شهر آذار/ مارس الماضي، بعدما خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار من طرف واحد، فإن ذلك يعني 15 من أصل 16، بكلمة أخرى: 94 بالمائة من القتلى هم من المدنيّين! هذه أرقام لا يمكن فهمها… وفوق ذلك تم الكشف للتو عن أن ما يقرب من نصف القتلى في غزّة هم من المناطق التي حدّدتها إسرائيل كـ “مناطق آمنة”. لا يهمّ، لا يهمّ على الإطلاق، فأينما كنت في غزّة، يصبح كل مدني هدفًا في أي مكان. يُظهر لنا مصطلح “المنطقة الآمنة” في غزّة ما يمكن لـ”كلمتنا الحرّة” أن تقوم به: الإبادة الجماعية.
لقد سلّمناهم اللغة باسم حريّة التعبير لأنّنا نؤمن بها
أنا لا أؤمن بها… أؤمن بالكلمات التي يتم اختبارها على أرض الواقع، بالكلمات المحددة التي لا يمكن تجريدها من كل المعاني الكامنة فيها… الإفلات من العقاب يؤثّر علينا جميعًا… وطالما يسود الإفلات من العقاب (الذي هو مرادف للفعل الحرّ)، فلا وجود لحريّة التعبير، على الأقل ليس كما نفهمه نحن بلا مبالاة.
الإفلات من العقاب
الإفلات من العقاب هو السبب في قتل مئات الصحافيين؛ لماذا يتم إيقاف سيارات الإسعاف عمدًا من قبل الجنود الإسرائيليين حتى ينزف المصابون حتى الموت؟
الإفلات من العقاب هو السبب في إصابة طفلة تبلغ عامين من العمر برصاصة قنّاص في الرأس، تم إطلاق النار عليها بينما كانت تأكل في حجر عائلتها في الداخل.
الإفلات من العقاب هو السبب في أن يأتي المستوطنون غير الشرعيين في مسافر يطا راكضين إلى فناء منزل عائلة فلسطينية بالهراوات والقضبان؛ تجلس العائلة على كراسٍ بلاستيكية في الخارج، مشغولين بأمورهم، وسرعان ما يقوم المستوطنون بضرب الرجل والمرأة ويواصلون دهسهما على الأرض، لا يكتفي أفراد الجيش بالمشاهدة، بل يقوم أفراده بمرافقة المستوطنين إلى العائلة العزلاء ليقوموا بضربهم بعصيهم تحت حماية الجيش.
الإفلات من العقاب هو ما يدفعهم إلى المزيد، مثل المحرك في الآلة.. ولامبالاتنا هي الوقود.
أهداف إسرائيل، في أثناء كل هذا، مكشوفة للعلن؛ فقد تعهدت الوزيرة الليكودية جيلا جمليئيل في التلفزيون الوطني قبل أسبوعين بأن غزّة “ستتوقف في نهاية المطاف عن كونها مكانًا صالحًا للسكن أو للعيش”، وهي “متفائلة” بأن الأمر نفسه سيحدث للضفّة الغربية، ودعت إلى “التطهير العرقي” لكلا المنطقتين.
إن الهدف الرئيسي للاحتلال هو تدمير نسيج المجتمع القائم، اقتصاده وثقافته ونظامه الاجتماعي، من خلال “خلق مساحة لم تعد صالحة للعيش”. لا يحدث ذلك فقط عبر الجرائم التي ذكرتها للتو، بل يحدث من خلالنا، من خلال أولئك الأحرار الذين لا يكلّفون أنفسهم قول شيء ضدّ ما يحدث، أو لا يقرنون أقوالهم بالأفعال.
| من مشاهد نزوح الفلسطينيين عام 1948 |
الإفلات من العقاب يؤثّر علينا جميعًا… إنه يقضي على كل إحساس بالأخلاق والكرامة الإنسانية والعدالة، إسرائيل تضرب بعرض الحائط كلّ معيار وكلّ معاهدة وكلّ اتفاقية وكلّ قانون، تتصرف كإله يهوى الأعاصير.
عباءة البراءة
تواصل إسرائيل، في الوقت نفسه، القول بأنها تريد فقط كسر شوكة المقاومة، وهذا أيضًا كذب. تريد إسرائيل كسر المجتمع، ومن ثم استبداله، ولتحقيق هذه الغاية تستخدم عمدًا مصطلحات مثل “الحضارة” و”الغرب الحرّ” و”الديمقراطية الوحيدة في بحر من البربرية” و”الخير ضدّ الشر” لأنها تستطيع – متستّرة بعباءة البراءة هذه – أن تمحو حضارة قائمة بمساعدتنا. تنوي إسرائيل طمس بلد بأكمله كما لو كان مجرد رسم على ورق، مثل هذا الأمر له اسم، اسمه “الاستعمار الاستيطاني”، وهو جريمة ضدّ الإنسانية.
هدف إسرائيل هو أن تعيش وحدها في فلسطين التاريخية، في دولة يهودية خالصة، “خالية من الاختلاط العربي”. عندما يرى الجنود الإسرائيليون فلسطينيًا، فهم لا يرون فيه مواطنًا ولا شخصًا ولا أمًا ولا ابنًا، بل يرون كيانًا سياسيًا معاديًا يجب أن يرحل، وهذا يطرح السؤال عما تعنيه إسرائيل بـ”المقاومة”. أنا أعرف فلسطين الآن، لقد تمكنت من أن أرى بنفسي: لا يمكن للفلسطيني إلّا أن يقاوم، لأنه من المستحيل أن تترك إسرائيل الفلسطيني يمارس حياته ويهتم بشؤونه في فلسطين. وهكذا، يصبح الوجود نفسه شكلًا من أشكال العصيان والمقاومة والإرهاب، وهذا ما يجعل فجأة من إطلاق النار على رأس طفلة في الثانية من عمرها أمرًا مفهومًا وواضحًا.
الفلسطينيّون جميعهم إذًا: الصحافيّون، سائقو سيّارات الإسعاف، الأطبّاء، نشطاء حقوق الإنسان، عمّال الإغاثة، الخبّازون، الأساتذة، المعلمون، المحاضرون، الطلّاب، المتدربون، الرّضع، كلّهم يرتكبون المقاومة، بوجودهم وعدم مغادرتهم. لا يهم إن كانت هذه الفكرة جنونية أم لا، فتحت الاحتلال لا يهم سوى تعريف المحتلّ، وهنا… يتحدّث الناس بشكل “استعماري”.
الاحتلال لا يعني كلمات كبيرة مثل “الحريّة” و”المساواة في الحقوق”. الاحتلال يعني أن أجزاء أساسية من الحياة، مثل حصاد الزيتون، أو الحصول على التعليم، أو التلويح بالعلم الوطني، أو أكل البطيخ، أو غناء أغنية أو صناعة الصابون، تصبح كلّها تعبيرات عن المقاومة. وبما أن الهدف هو استبدال ثقافة بأخرى، فإن الثقافة هي العدو.
قضت إسرائيل على مجتمع بأكمله في غزّة؛ مطاعم السمك والمستشفيات والجامعات والمكتبات والمدارس والمعاهد والمخابز والطرق والمساجد والكنائس والمنازل ومحطّات معالجة المياه والحقول والأراضي الزراعية… ويحدث الشيء نفسه حاليًا في الضفّة الغربية والقدس الشرقية.
ضدّ حرّية التعبير
إذا كان كلّ هذا يحدث نتيجة لحريّة التعبير والحضارة الغربية، فأنا ضدّ حريّة التعبير…
أنا ضدّ الكلمة الحرّة إذا كانت تحمل أي معنى. أنا ضدّ الكلمة الحرّة إذا كانت تجرّد بلدًا من أصله وجذوره. أنا ضدّ الكلمة الحرّة إذا استُخدمت لتحويل “اللاجئين” إلى “جُناة” ورفع “الإبادة الجماعية” إلى مصاف “الدفاع عن النفس”.
في عالمٍ عقابي، فإن حريّة التعبير وحريّة التبادل وحريّة التجارة وحريّة تجارة الأسلحة هي بالضبط ما يجعلنا متواطئين، فالانحناء يعني الاستسلام للتدمير… فما العمل إذًا؟ علينا أن نحارب ضدّ حريّة لم تعد تمتلك جوهرًا أو معنى لكي نتجنّب البقاء متواطئين، حرية تنحني مع السلطة، والانحناء معها هو الاستسلام للدمار، أولئك الذين يريدون الدفاع عن حريّة التعبير يعرفون ماذا يفعلون… حان وقت المقاومة… حان وقت المقاطعة…
وماذا عن إسرائيل؟ أليس لها الحق في الوجود إذًا؟
أرجوكم توقّفوا! لا توجد دولة لها الحقّ في الوجود، بما في ذلك هولندا، هذا الحقّ غير مسجّل في أي مكان، إنه تلفيق. الشيء الحقيقي الموجود هو القانون الدولي والحقّ في تقرير المصير والمساواة في المعاملة والكرامة الإنسانية. حقوق الإنسان موجودة للّاجئين، على سبيل المثال. أما هل لإسرائيل الحقّ في الوجود فهو سؤال غير منطقي يهدف إلى خنق النقاش. ولكن إذا كان لا بدّ من الإجابة في حدّ ذاتها: لا، ليس بهذا الشكل. لا ينبغي أن يكون لأيّ نظام دولة قائم على الفصل العنصري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية هذا الحق في الوجود. ودعوني أكون أكثر وضوحًا؛ الأيديولوجية التي:
1- تدّعي لنفسها الحريّة في تقرير مصيرها على حساب حريّة الآخرين وتقرير مصيرهم؛
2- والتي تضع – كشرط لذلك – غزو أراضي الآخرين، وتدمير الثقافة المعنية، بما يعني الإبادة الكاملة لذلك الشعب الآخر كإجراء متطرف؛ والتي أخيرًا
3- تنفّذ الأهداف المذكورة أعلاه باستمرار من الألف إلى الياء…
تلك الأيديولوجية ليس لها الحقّ في الوجود في القرن الحادي والعشرين، ذلك لأنّ المحتلّ ليس هو صاحب الكلمة الحرّة… لقد ولّت أيام الاستعمار.
إحالات:
(*) النص أعلاه هو الكلمة التي ألقاها الشاعر والكاتب والممثّل المسرحي الهولندي الفلسطيني رمزي نصر في حفل استلامه “جائزة آرك 2025 للكلمة الحرّة”، في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والتي نالها الكاتب في دورتها الخامسة والسبعين “لموقفه النقدي الصريح ضد أي ظلم، ومعارضته المستمرة لتقويض الديمقراطية، وليس أقلّها لموهبته الأدبية العظيمة”، وفقًا لبيان لجنة الجائزة البلجيكية الرفيعة.
(*) في عام 2023 دان نصر في نص مؤثر الخلل في تقديم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على وسائل الإعلام الأوروبية، ثم قرأ جزءًا من النص ذاته على التلفزيون الهولندي، ندّد فيه بالحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة بمباركة القوى الغربية، ما ترك انطباعًا عميقًا لدى الكثيرين.
(*) ولد رمزي نصر عام 1974 لأب فلسطيني وأم هولندية، ودرس في استوديو الممثل البلجيكي هيرمان تيرلينك في مدينة أنتويرب الفلمنكية، حيث عاش لسنوات عديدة، وتم اختياره عام 2005 كأول شاعر من أصول غير أوروبية ليكون شاعرًا رسميًا لمدينة أنتويرب البلجيكية، ما أثار وقتها عداء اللوبي اليهودي البلجيكي ضده. وفي عام 2009 وقع الاختيار على رمزي نصر ليكون شاعر البلاط الهولندي لمدة أربع سنوات. قدم نصر في مجال الشعر أكثر من 10 مجموعات شعرية، وفي مجال المسرح قدم الكثير من العروض كممثل وكاتب، كما ارتبط رمزي نصر بمسرح “إنترناسيونال أمستردام” لسنوات عديدة، وحصل على جائزة “لويس دور”، وهي أهم جائزة مسرحية في هولندا مرتين في عامي 2016 و2019.