ساطع نورالدين. كاتب. وباحث لبناني
بعد معركة الروشة السخيفة، والتي نمّت عن ضحالة في مخيلة أهل حزب الله، وعن بشاعة أيضاً في اختيار الصور والأدوات والخصوم، وبينهم رئيس الحكومة نواف سلام الذي يجرى تضخيم دوره وسلوكه، ربما آن الأوان للتفكير في البحث عن كل ما هو متاح من أساليب المقاومة السلمية، التي لا تؤدي الى حرب، وتقفل باب السجال الداخلي العقيم حول “تسليم السلاح” الذي لم يعد موجوداً أصلاً، أو ربما لم يبق منه سوى “الطائرات المسيرة”.. وتلك هي القصة الآن.
سخافة معركة الروشة ليست مستمدة من كونها لامست حدود الفتنة المذهبية، والطائفية، وهي حدود تنتهك يوميا في بلد مثل لبنان ، في أي موقف وفي أي قضية. الصخرة نفسها بريئة من هذا الجدل. أما الصورة التي بثت عليها، فقد كانت في الأساس بشعة ومشوهة ومسيئة، ولا تخدم أي غرض: أي ذكرى يمكن ان تعلق في الاذهان من صور حسن نصر الله ومعه رفيق الحريري، وسعد الحريري (وهو ما زال على قيد الحياة)، وهي قد ظهرت متكسرة على الجدار المفتت للصخرة، وبين الأعشاب البرية اليابسة.
لم يعد السؤال: لماذا كان اختيار تلك الصخرة بالذات في وقت عز فيه السياح العرب والأجانب التي تغويهم رؤيتها ربما؟ بل لماذا لم يتم إختيار بديل أكثر جاذبية وجرأة، مثل تسليط الصور على جدار أملس، مميز، ولافت للانظار، والامثلة كثيرة.. لكنها هي الأخرى تبقى قاصرة عن التعبير عن الولاء والوفاء للرجل، الذي كان يمكن ان ترفع صوره في السماء، على منطاد صغير، أو على بالونات حرارية صغيرة، كتلك التي كان يطلقها فلسطينيو غزة الشجعان قبل الحرب، لتعبر الحدود وتسقط على المستوطنات القريبة وتتسبب بحرائق صغيرة، لا تشعل الحرب ولا تستدعي رداً عسكرياً من العدو.
أما السؤال الأكثر إلحاحاً، والذي قد يبدو ساذجاً مع انه لا يخرج عن هذا السياق، فهو: لماذا لم تُستغل الذكرى لاطلاق مسيرات صغيرة تحمل صور الأمين العام وتجوب سماء العاصمة، بما فيها الاحياء السنية والمسيحية والدرزية، كما هو الحال في المناسبات العامة والخاصة في كل مكان من لبنان. كانت المناسبة صالحة للإعلان ، او حتى لاختبار ما اذا كان “سلاح المسيرات”، الذي يستحيل تسليمه لأنه شبح فعلاً، ما زال يصلح ويفيد “المقاومة السلمية” التي إختارها الحزب، وباتت تقتصرعلى شتم نواف سلام.
لكن ظهور هذا “السلاح السلمي”، الفائق التطور، والتأثير، والذي يستخدمه العدو بأسلوبٍ فتاكٍ ومؤثرٍ جداً، كان يمكن ان يمر مرور الكرام، وأن يخفف من وطأة البؤس الذي يعكسه سلوك الحزب، وموقف الدولة، في مواجهة مسيّرات إسرائيلية تنتهك المحرمات والخصوصيات في الفضاء الجنوبي خاصة، فتدخل الى المنازل وتقتحم غرف الجلوس والنوم.. وتبث رسائل صوتية مرعبة، أكثر من تلك المسيّرات التي تطلق الصواريخ والقنابل الصوتية وتستخدم أساساً في الاغتيالات المتواصلة لعناصر الحزب والمدنيين الجنوبيين، وفي المراقبة اليومية المستفزة للجغرافيا اللبنانية كاملة.
وهذه ليست دعوة الى الحزب لكي يمتشق السلاح مجدداً، ويطلق مسيراته المسلحة ليتسبب بكارثة جديدة للجنوب ولبنان كله، هو مجرد اقتراح بان يجري التلميح بشكل أو بآخر بان لدى الحزب، مثله ومثل أي “تنظيم سلمي” او جمعية او حتى مؤسسة للتصوير الجوي للحفلات والمناسبات، “مسيرات مسالمة” لتسجيل الذكريات وحفظها لدى أصحابها.. بدل ان يظل الفضاء اللبناني حكراً على مسيرات العدو وانتهاكاتها اليومية المخيفة والمهينة.
يقال هذا الكلام، فقط، تعبيراً عن التضامن مع المهندس المعماري البطل، الرفيق طارق مزرعاني، إبن بلدة حولا الجنوبية، الذي ورد إسمه في رسالة صوتية بثتها مسيّرة إسرائيلية فوق منزله في النبطية، لتحذره من المضي قدماً في مشاريع وجهود إعادة الاعمار لما هدمه وما زال يهدمه العدو في الجنوب.. وتضعه في دائرة الاستهداف والخطر.
بيروت في 13 / 10 / 2025