ألكسندر دوجين بمثابة المبشّر بالحضارة القادمة النقيضة، وهي الحضارة الأوراسية البرية بمواجهة الغربية البحرية؛ تكون في هذه الحالة ربما أقرب إلى تهويم ورغبات من المستحيل أن تتجسد واقعًا وتاريخًا.
في معرض بعض كلامه المنطقي – كون الغرب تتقدمه أميركا راهنًا- لا يخوض صراعًا بنزاهة وتكافؤ. إنه صراع المفترس مع الفريسة، وهو يستخدم الحيل والخداع بكل أنواعهما كي تتآكل الضحية وتتهاوى من الإعياء والإرهاق. الغرب هكذا أو أكثر بالطبع، فما من مرحلة من تاريخه منذ بدايات ما سميت بالكشوفات الجغرافية، إلا ومارس غزو أراضي الغير واستعمارها نهبًا وتنكيلًا وإفناءً لسكانها وشعوبها الأصلية، من أجل السيطرة والهيمنة المطلقتين. وأقوى دليل على صحة مقولة ألكسندر دوجين حديثًا هو الإبادة الصهيونية في فلسطين، وقبله بسنين الغزو الأميركي على العراق وبلاد الرافدين، فليس هناك تكافؤ في الصراع، وإنما مفترس وفريسة.
لكن ألكسندر دوجين أنكر على الغرب الغزو، يقول إنه لا يغزو بل ينخر ويفترس ضحاياه من الداخل حتى تنهار، وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضًا أن العصور الحديثة افتتحت بغزوات الغرب وما قبل الحديثة، منذ غزو الجزيرة الإيبيرية لأميركا اللاتينية ومحو هوياتها الأصلية وسحقها أيما سحق. مثلما يقول المفكر والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث: “نحن صرنا أبناء القاتل”، أي أن القارة أضحت من نسل الغزاة الجزارين والقتلة. وحتى نابليون بونابرت الأول، أكبر غازٍ كبير في بداية عصر الحداثة، وقبله وبعده، الغرب غزوات لا تنتهي، ولكن تغير شكلها في البرهة الراهنة، فبدلًا من تسيير الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة على جاري الطرق المعهودة، صار يعتمد أكثر ـ كما عبر ألكسندر دوجين ـ على افتراس الضحية من داخلها، بقر أحشائها من غير غزوٍ خارجي كامل الصفات والمعالم.
النظم الإمبراطورية المهيمنة، خاصة الغرب الذي طالت هيمنته، في حين انهارت منافسته الإمبراطورية السوفياتية انهيارًا مدويًا مذلًا، وهو مثال على انهيار كبير من غير حرب مسلحة. وهو الذي دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – معلم “دوجين” على مستوى السلطة والنفوذ، والعكس على مستوى التنظير والتبشير- إلى محاولة الثأر من الغرب على ذلك الانهيار المخزي لإمبراطورية حديدية.
لكن انعدام النزاهة واتباع كافة وسائل الفتك والهتك للخصم بعيدًا عن أي قيمة أخلاقية أو حد أدنى من معيار قانوني وإنساني، هذه الصفات من طبائع تلك الأنظمة كبيرها وصغيرها، وإن برع الغرب فيها أكثر وصار المرجع والحجة، رغم ادعاءاته الديمقراطية والحقوقية التي لا قيمة لها ولا أثر إلا داخل حدوده وأسوار بلدانه وحماه. أما الآخر فهو دائمًا مشروع افتراس واستغلال واستعباد، وبكل الطرق والوسائل مهما انحطت وتوحشت وراوغت، وهو ما ينسحب كما أشرت على كافة هذه الأنظمة والدول على تاريخ البشر القديم والحديث.
فالاتحاد السوفياتي، صاحب النشيد الأممي والإنساني وصاحب مشروع محو فوارق الطبقات في المجتمعات وبين الشعوب، وكل تلك الادعاءات والشعارات التي خدعت أجيالًا من الشرق والغرب، لم يكن إلا جزارًا في التاريخ بجانب الغرب. بل كانت جزارته وهتكه لما سميت بمنظومة الاشتراكية وغيرها التي كان يتربع هو في طليعتها وفق رطانة المرحلة، عارية عريًا دمويًا وحشيًا من غير قناع ولا ورقة توت يتستر بها في الهتك والاعتداء، من فرط سطوعه على أي حركة ترى فيها القيادة السوفياتية الموسكوفية أنها تؤشر إلى انحراف عن الخط الصحيح للماركسية اللينينية. هذه ورقة التوت الوحيدة الأقرب إلى المهزلة، ولا ترقى إلى الخدعة والدهاء. هكذا صار عند غزو تشيكوسلوفاكيا والمجر حين فكرتا في استقلالٍ نسبي، وجرى التدخل حتى في تفاصيل الحياة اليومية التي لا تتطابق مع الخط الصحيح اليقيني كما تراه.
| حين غزا بوتين سورية، بغية إنقاذ ما تبقى من حاكم دمشق المخلوع، كان غزوه يبدو ليس بعيدًا عن ضوء أميركي، حيث إن بنيامين نتنياهو كان صباحًا مع بوتين في موسكو |
بوتين الذي يقف خلفه ألكسندر دوجين منظّرًا ومحلّلًا، ورث بعض صفات السوفيات من ستالين خاصة، وقيصريًا من بيتر الكبير، لكن في سياق تاريخ وشروط مختلفة تمامًا، ومن حيث القدرات العسكرية والاقتصادية، عدا وهم المشروع وهلوساته الدموية في استعادة السيطرة والنفوذ الواسعين. وصار يتصرف تجاه ما تتاح له من فرائس بوحشية فائقة، مثل تدميره لغروزني التي أحالها إلى رماد. والمفارقة أنها من عواصم الحكم التتري بفرادَة معمارها الهندسي والجمالي، وتلك الحقبة هي ما يدعم بها هذا المشروع بنيانه، بنيان الحضارة البرية في مواجهة البحرية.
وحين غزا بوتين سورية، بغية إنقاذ ما تبقى من حاكم دمشق المخلوع، كان غزوه هذا يبدو في سياق الأحداث ليس بعيدًا عن ضوء أميركي، حيث إن بنيامين نتنياهو كان صباحًا مع بوتين في موسكو، وبدأ سلاح الجو الروسي في التدمير مساء اليوم نفسه. ومارس تحطيمًا وتكسيرًا فاحشين من غير أن تستدعي الوقائع الأرضية كل ذلك، وشمل هذا التدمير ما تبقى من المرافق المدنية والطبية، حتى مصادر المياه قُصفت، واستُكمل ما دمرته الدكتاتورية الطويلة، ولاحقًا المليشيات الطائفية ومرتزقة العالم.
وتفاخر وزير خارجية الرئيس بوتين أنهم جربوا مائتين وخمسين نوعًا من الأسلحة على الأرض السورية المنهكة، وبأنه يتوقع زيادة على شراء الأسلحة الروسية التي احتكر معظمها الأميركان والغرب.
إيران في نظر دوجين ليست إلا فريسة عمل الغرب ويعمل على تآكلها من الداخل، وهي ليست إلا تمهيدًا، وسيأتي على روسيا بداية من أوكرانيا، وسيأتي على الصين بداية من تايوان. إذا كان كلام ألكسندر دوجين فيه مظاهر منطقية تجاه الغرب من ظلمه وسحقه للآخر – كما نرى بالنسبة للإقليم وفلسطين مثلًا- فبوتين لم يقف أي موقف عادل جديّ تجاه الإبادة في فلسطين، وهو استتباع للموروث السوفياتي الروسي من الزعيم الأكبر هازم النازية ستالين – أبي الشعوب- الذي كان أول من اعترف بالكيان الصهيوني حين قيامه عام 1948. وكذلك لم يفعل بوتين شيئًا تجاه إيران في الحرب الأخيرة، حيث رجع وزير خارجيتها من موسكو خالي الوفاض.
الغرب الأميركي راهنًا وماضيًا لا قيم له في الصراع، ولا أخلاق، ولا حدود في سياق الهيمنة على البلدان الأخرى وامتصاص الثروات وتكبيل المصائر. لكن الشرق، وكل المسميات الأخرى أيضًا، على نفس الشاكلة والمنوال.
الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين يشكل منعطفًا في تاريخ روسيا وبلدان الاتحاد السوفياتي، وله إنجازاته في هذا المجال، من نقل روسيا والاتحاد السوفياتي من المراحل الزراعية إلى الصناعية، وإن غلبت عليها الصناعات العسكرية الثقيلة على حساب المدنية، مما دق مسمارًا آخر من مسامير كثيرة في نعش القطب السوفياتي، استغله الغرب بصبر وهدوء منهجيين من غير أن يطلق رصاصة واحدة باتجاهه. وهو من أقوى الأمثلة التي تندرج ضمن مفهوم دوجين.
فقد كان الاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين في الحرب العالمية الثانية، رغم انتصاره مع الحلفاء، قد خرج مثخنًا بالجراح العميقة والدمار الذي طاول معظم مدن وبلدان روسيا الشاسعة، حيث التقط هذا الوهن الزعيم العنصري الداهية ونستون تشرشل، وذهب إلى روزفلت شارحًا له هذا الوضع الفاجع حد مشارف الانهيار للاتحاد السوفياتي، فقال لروزفلت: “لقد هزمنا النازية، وعلينا أن نُجهز على الشيوعية، مستغلين الظروف والبؤس لذلك القطب الندّ المزعج”. تقول الرواية إن روزفلت لم يوافق على أفكار تشرشل، لكن معاول الهدم والغزو أخذت المنحى الذي عبر عنه ألكسندر دوجين.
ربما يقول قائل من أبناء العالم الثالث، خاصة وقد جرفه الحنين الجريح إلى الثنائية القطبية وإلى الاتحاد السوفياتي، على ضوء ما تكشف من حقائق غطاها غبار التاريخ وتوحش الغرب، يقول إن وجود الاتحاد الروسي مثلًا بوزنه الاستراتيجي في الإطار الأوروبي سيكون مؤثرًا وفاعلًا، وريثًا عالميًا للإمبراطورية الآفلة، بدل حرب أوكرانيا، حرب لاهوت الحضارات البرية والبحرية، المفهوم الذي لم يبتكره ألكسندر دوجين، لكنه دفع به إلى أفق جديد من السلوك الدموي المتوحش، حد إخضاع البلدان السلافية بقوة السلاح والإذلال، وأوكرانيا ليست إلا البداية في هكذا مشروع طويل واهم.
خلاصة الخطاب لدى ألكسندر دوجين أن كل هذه السياسات الحوارية والترقيعية مع الغرب لا فائدة منها، فلا بد من تحطيم “المنظومة”، أي التي تحكم أميركا والغرب، وهذا بالطبع يستدعي ليس أقل من حروب عالمية نووية وغير نووية. هل بمقدور روسيا البوتينية احتمال أوزارها؟ لأن الصين القوية اقتصاديًا، والبرغماتية جدًا، من الصعب أن تدخل هكذا حروب لاهوتية أو حتى أقل منها.
وأيضًا، تحطيم المنظومة الغربية، لكن صالح أي منظومة؟ ففي الاتحاد السوفياتي كانت الاشتراكية والشيوعية هما ركنا أيديولوجيا المنظومة البديلة الجاهزة. أما في الحال الراهنة، في كل من روسيا وحتى الصين، فالحزب الشيوعي ليس إلا رأسمالية متوحشة نافية للمجتمع المدني وللتعددية، ولأي رأيٍ مخالف أو حتى مناقشٍ متسائل.
المنظومة الغربية تتبدى أكثر دهاءً وبُعد نظر في الإيمان بالمؤسسات والتعددية والمجتمع المدني وفاعلية الرأي العام الحاسمة… إلخ. وربما كان هذا سر ديمومتها واستمرارها أمام النكبات والأزمات الخانقة، الاقتصادية وغيرها، التي كادت ـ وفق علماء وفلاسفة غربيين ـ تودي بها إلى مقبرة التاريخ.
وكان الجنرال ألكسندر ليبيد، من بقايا الاتحاد السوفياتي، الذي مات عند سقوط مروحيته الغامضة بمنطقة سيبيريا، قد قال بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بأن الغرب، وطليعته أميركا بالطبع، صار يتصرف بعد ذلك السقوط الكبير كالثور الهائج وسط معرض من فخار.
ولا عزاء للشعوب والدول الباحثة عن أفق خلاصٍ ما، إلا أن تتدبر أمرها وتفكر في استثمار قدراتها وثرواتها بكل المعاني والدلالات للكلمتين الشاسعتين، كي تنجو من فك الضباع والوحوش المتربصة بالفرائس، واحدة بعد أخرى.
المصدر ضفة ثالثة