تخدم “اللامركزية التشاركية المتدرجة” حلاً وسطياً بين المركزية الصارمة والفيدرالية الصريحة، وتُطرح اليوم في سياق سوري تهيمن عليه تناقضاتٌ في السيطرة الإقليمية، وفراغٌ دستوري، وفي ظلّ بُنى حكم محلي غير معترف بها رسمياً.
يأمل هذا المقترح رسم صيغة انتقالية تُنظّم الصلاحيات الإدارية والخدمية محلياً، مع إبقاء القضايا السيادية الكبرى في قبضة السلطة المركزية أو ضمن ترتيبات تمثيلية مشتركة.
سياسياً، تستمدّ هذه الفكرة قابليتها من قدرتها على تقديم مخرج عملي لإدارة الواقع الميداني المتشابك إلى حين التوصّل إلى ترتيبات دستورية دائمة، غير أن نجاحها يبقى مرهوناً بثلاثة شروط متداخلة: قبول الأطراف الداخلية، وتوفّر ضمانات دستورية وقانونية، وتوازن مصالح الفاعلين الإقليميين الذين يتعاملون مع هوية القوى المسيطرة أكثر تعاملهم مع الشكل الإداري المطروح.
عملياً، ثمة تجربة فعلية لإدارة بديلة ذات طابع محلي متمثلة في الإدارة الذاتية أو الكيانات المحلية في شمال سوريا وشرقها، تمتلك مؤسسات و”دستوراً داخلياً” وآليات تمثيل محلي. إلا أنها تظلّ من دون اعتراف حكومي رسمي، ما يجعل أي انتقال نحو صيغة “لامركزية تشاركية” عمليةً تحتاج ترتيباً قانونياً وسياسياً دقيقاً.
أبعاد ومطالب
اللامركزية التشاركية المتدرجة خيار سياسي انتقالي يوازن بين المركزية والفيدرالية، بمنح الإدارات المحلية سلطات إدارية ومالية أوسع، من دون فك ارتباطها بـ”الدولة”، من حيث هي كيان تشريعي ناظم، بهدف تخفيف الاحتقان وإدماج المكوّنات المحلية تدريجياً في المؤسسات الوطنية. يواجه هذا النموذج مخاطر عدة إن غابت الضمانات الدستورية والرقابية الواضحة.
عسكرياً، يعتمد دمج “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) على رسم نهج توافقي تدريجي يضمن الاستقرار ويمنع الصدام، بينما يؤدي التسرّع أو الإكراه إلى تفكك أمني. إدارياً، تعيقُه غياب التشريعات الدستورية والمالية التي تنظم العلاقة بين المركز والإدارات المحلية، ما يستدعي رسم خارطة طريق قانونية دقيقة. أما اجتماعياً، فتحدّ الانقسامات والذاكرة الصراعية وضعف الثقة من فاعليته، وهذا يجعل نجاحه رهينة برامج مصالحة وضمانات حقوقية وتنموية طويلة الأمد.
ورغم توقيع دمشق و”قسد”، وبرعاية أميركية، اتفاق 10 آذار/مارس 2025 الذي يهدف إلى دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، بما فيها الجيش، فإن التطبيق يواجه تحديات مستمرة. فقد أكد الجنرال مظلوم عبدي، قائد “قسد”، وجود “تنسيق شفوي” مع دمشق، مع تمسكه بعدم انسحاب قواته من الرقة ودير الزور. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في حلب بعد تصاعد الاشتباكات بين الطرفين.
تطالب “قسد” بتعديل الإعلان الدستوري لضمان تمثيل المكونات السورية القومية والدينية كلها، وإقرار مبدأ اللامركزية السياسية، بما في ذلك الاعتراف بـ”الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا”، بينما تتمسك دمشق بالوحدة الوطنية والسيادة المركزية، مع مراعاة دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، فيما تراقب تركيا التطورات السورية عن كثب، وتشدد على ضرورة دمج “قسد” في الدولة من دون أي عناصر أجنبية أو انفصالية في صفوفها، وفق تصريحات أدلى بها مسؤولوها.
ربما تمثل اللامركزية التشاركية المتدرجة نافذة لبناء الثقة المرحلية بين أطراف متباينة، إذا رافقها إطار دستوري وانتقالي واضح، وخطة زمنية شفافة في توزيع الموارد والتمثيل، لكنها لا تقدم ضماناً نهائياً. فيمكن أن تتحول إلى صيغة مؤقتة تُجمّد الخلافات من دون حلول جذرية إذا غابت الضمانات الداخلية والإقليمية والإصلاحات القانونية. لكن، يبقى تنفيذ أي نموذج عملي هشاً، يحتاج إلى رعاية دولية وإقليمية، وعقد تفاهمات سياسية واضحة بين دمشق و”قسد”، مع مراعاة مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة.
صعوبة التطبيق
يتفهّم آلان بيري، الكاتب السياسي وخريج كلية العلوم السياسية في جامعة فيينا، طرح اللامركزية التشاركية المتدرجة خياراً ثالثاً بين الفيدرالية والمركزية في السياق السوري الراهن، “فهذا الطرح حلٌّ يتمتع اليوم بميزة مهمة، وهي القدرة على إدارة المرحلة، نظراً للصعوبات التي تعترض الأطراف في التوصل إلى حلٍّ مستدامٍ ومتكاملٍ”، مضيفاً لـ “963+”: “يمكن فهم هذا النمط ضمن سياقٍ معينٍ، حيث لا وجود لمركزيةٍ مطلقةٍ، وحيث تقوم اللامركزية على الجوانب الإدارية والأمنية والاقتصادية، مثل القضايا الخدمية وقضايا الجيش وقوى الشرطة وتقاسم الميزانية، في حين تقوم التشاركية على الجوانب التمثيلية السياسية، أي المشاركة في القرارات التشريعية”.
إلا أن الخبير العسكري الاستراتيجي العميد الركن جلال العبادي يقول لـ “963+” إن اللامركزية في العالم العربي لم تُجَرَّب بعدُ، لأنها بحاجة إلى ثقةٍ متبادلةٍ، وإلى وعيٍ وحسٍّ وطنيٍّ عالٍ، وإلى ثقافةٍ مجتمعيةٍ أعلى كثيراً مما هو سائدٌ عند العرب.
ويضيف: “هذه التجربة مطبقةٌ في الغرب، ونراها بوضوحٍ في الولايات المتحدة، حيث كلُّ منطقةٍ هناك تعادل في مساحتها دولةً عربيةً كاملةً، وكلُّ طرفٍ في الدولة الاتحادية يعرف حدوده ومسؤولياته في إطار التشاركية واللامركزية، وفي العلاقة بين الحكومة المحلية والحكومة الفيدرالية، وكل جهةٍ تعرف ما لها وما عليها”. وبحسبه، لن تنجح التشاركية المحدودة ولا غير المحدودة، ولا أيُّ شكلٍ من أشكال اللامركزية، ولا أي نوعٍ من أنماط التقارب السياسي في العالم العربي، “والحلُّ الوحيد هو الحكومة المركزية الواحدة”.
تباين في التقييم
وإذ يصرّ العبادي على أن “لا داعي لإضاعةِ الوقتِ في تجريبِ أفكارٍ مثل اللامركزيةِ أو التشاركيةِ لأنها، من وجهةِ نظري، لن تنجح لا في سوريا ولا في أيِّ بلدٍ عربيٍّ آخر”، يقول بيري: “إدارياً، تبرز التحديات القانونية والدستورية التي قد تواجه تطبيق نموذجٍ إداريٍّ مرنٍ يسمح بلامركزيةٍ مؤقتةٍ خاضعةٍ للتقييم، في غياب إطارٍ دستوريٍّ واضحٍ يحدد صلاحيات الإدارات المحلية، وضعف التشريعات الناظمة للعلاقة بين المركز والأطراف، إضافةً إلى تضارب القوانين المعمول بها حالياً في مناطق مختلفة من البلاد”، موضحاً أنه، من الجانب الاجتماعي، ما زال استعداد المجتمع المحلي في مناطق الإدارة الذاتية للانتقال من حكمٍ ذاتي واسعٍ إلى نموذجٍ تشاركي مع المركز محدوداً، “وهذا الحل يُعد اليوم إجراءً إسعافياً لإيقاف أعمال العنف وبناء الثقة والتمهيد لحلٍّ أكثر استدامةً ووضوحاً”.
ويلفت بيري إلى أن علاقة المركز بالأطراف “على المحكّ” بعد مجازر الساحل والسويداء، والهزيمة التي مُني بها بعض أطراف المركز في المواجهة العسكرية مع “قسد”، ومع ذلك – كما يقول – ما زال هناك آمالٌ تُعقد على تطوير هذا النمط ليصبح أشد استقراراً ووضوحاً، وهذا أمرٌ يتطلب وقتاً وجهداً أكبر، ولا يمكن تحقيقه إلا في ظلّ السلام والاستقرار ووجود الثقة المتبادلة”.
التأثير الخارجي
في المجال الديبلوماسي، يرى بيري أنه يمكن فهم تعامل القوى الإقليمية – خصوصاً تركيا وروسيا – مع أيّ مشروع “لامركزي مرحلي” في شمال وشرق سوريا من منظار مصالحها، “فهذه القوى لا تهتم بشكل الحكم في ذاته، وإنما بهوية القوة الحاكمة وتقاطع سياساتها مع مشاريع هذه القوة داخل سوريا”، مبيناً أن روسيا لم تعد ترى نفسها معنيةً بسوريا كلها، ولا هي منحازة لطرفٍ ضد آخر، “بل اقتصر دورها – بعد سقوط الأسد – على الحفاظ ما تبقى لها من نفوذ، أي الحفاظ على هيمنتها العسكرية. أما تركيا فتبدو معنيةً بالشأن السوري الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وتسعى للتحكم بكل ما هو جوهري، غير أن طموحاتها تصطدم أحياناً بالسياسة الإسرائيلية في سوريا، وأحياناً بالسياسة الأميركية”.
ويختم هذا المحور بالقول إن حلّ القضية الكردية في تركيا يؤدي دوراً مؤثراً في صوغ موقف أنقرة من “قسد”، الأمر الذي يجعل من أيّ مشروعٍ لامركزيٍّ مرحليٍّ رهناً بموازين القوى الإقليمية والدولية القائمة، “وربما تشكل اللامركزية التشاركية المتدرجة مخرجاً مؤقتاً للأزمة السورية، لكنها تبقى بحاجةٍ إلى توافقاتٍ داخليةٍ وإقليميةٍ واسعةٍ، وإلى ضماناتٍ تمنع تحوّلها إلى انقسامٍ دائمٍ في بنية الدولة والمجتمع”.
دمج تدريجي
بالنسبة إلى فكرة دمج “قسد في الدولة السورية، يقول العبادي: “يجب القبول بالوضع الحالي مؤقتاً، بحيث تبقى ’قسد‘ كما هي الآن، على أن يتم دمجُها في القوات السورية في المستقبل القريب، بعد السنة الأولى، فهي تدافع الآن عن دير الزور ومناطق شرق سوريا، وتعتبر نفسها شبهَ دولةٍ أو حكومةً لا مركزيةً، لكن في المرحلة الثانية، يجب دمجُ قسد في القوات السورية، وممكن توزيع جزء كبير من هذه القوات – ويبلغ عديدُها حالياً نحو 50 ألفَ مقاتلٍ – على أنحاء سوريا، في الشمال والجنوب ودرعا والمناطق الغربية، على أن يُدمَج في أماكنهم عناصرُ سوريةٌ أخرى خلال ثلاثِ سنواتٍ، فتذوب حينها الفوارقُ المحليةُ والعنصرية”.
ويخالفه بيري إذ يرى أن فكرة الدمج العسكري التدريجي لـ “قسد” في مؤسسات الدولة يمكن أن تنجح بدرجةٍ محدودة، إذا تم التعامل معها ضمن إطارٍ توافقي وتدريجي، يضمن بقاء عناصر “قسد” ضمن هيكليةٍ أمنيةٍ مرنةٍ إلى حين إعادة بناء الثقة، “فربما يؤدي فرض الدمج بالقوة أو من دون ترتيباتٍ أمنيةٍ متفقٍ عليها إلى تفجير صراعٍ ميدانيٍّ واسعٍ، وإلى استمرار قوى الأمر الواقع، وبالتالي تكريس حالٍ من الفيدرالية القسرية”.
ويصرّ العبادي على أن الهدف من الدمج هو “ألا تبقى المناطقُ الشرقيةُ تابعة لـ ’قسد‘ ولا لأي جهة أخرى، بل تكون مناطقَ لسوريا وجيشها وشعبها”، مشدداً على أن تنفيذ هذه الخطة لا يتمَّ إلا على مراحل، وهذه المراحل ضروريةٌ جداً لأنها الطريقُ الأفضل، ومضيفاً: “يجب أن تكون هناك مرحلةٌ أولى من الحكم الذاتي المؤقت مدتها سنة واحدة، تليها مرحلةٌ ثانية تُخفَّف فيها ’قسد‘ وتُدمَج مع قواتٍ أخرى تتجانس معها. وفي السنة الثالثة يُدمجُ ما تبقّى منها في الجيش السوري لتصبح المنطقةُ الشرقية مثل باقي مناطق سوريا، كالساحل وغيره، وتنتقل إليها الوحداتُ العسكريةُ بشكلٍ طبيعي”. ففي المرحلة الأولى، يجب تفكيكُ البُعد العنصري والطائفي للكتائب العسكرية، فلا تبقى كتيبةٌ مخصصةٌ لمنطقةٍ معينةٍ أو لطائفةٍ معينةٍ، أكانت كرديةً أم درزيةً أم غير ذلك، “بل يجب أن تذوب كلُّ هذه التشكيلاتِ في إطارٍ وطنيٍّ واحدٍ، تحت اسم ’سوريا‘، وأن يكون الهدفُ هو الدفاعَ عن سوريا وشعبِها، تحت شعار: سوريا لكلِّ السوريين، والجيشُ السوري جيشٌ لكلِّ سوريا ويحمي كلَّ سوريا”. المصدر موقع ٩٦٣