
-
-
بشير امين كاتب1. نسبة إلى لقب عبد الله أوجلان المعروف بـ«آبو» (أي العمّ). تُستخدم كلمة «آبوجي» في التركية والكردية للدلالة على من يعتنق فكر أوجلان أو ينتمي إلى مدرسته الفكرية.
-
ليس من قبيل المصادفة أن كلاً من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهيئة تحرير الشام (هتش) له خلفية في العمل السياسي والعسكري سابقة للثورة والحرب السورية. هذا التاريخ العسكري شكّل رأسَمال للطرفين خلال الحرب السورية. ربما بفضله نجيا من الحرب الطويلة والمعقدة ليصلا إلى سوريا ما بعد نفوذ الأسد وإيران وحزب الله، بوصفهما قطبي المعادلة السورية، وبفضل قدرة كل منهما على المناورة ضمن اللعبة السياسية الإقليمية التي أفلتت من أيدي السوريين سريعاً بُعيد الأشهر الأولى من الثورة. وعلى الرغم من التصعيد العسكري المحدود بين الطرفين في عدة بقع سورية، آخرها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، يبقى خيار التوافق هو الأكثر ترجيحاً والمفضّل عند الأطراف المتداخلة. توافق تُحتمه طبيعة قطبي الصراع السوري نفسه.
عندما كان أحمد الشرع ومن حوله منخرطين في مشروع أممي إسلامي في العراق، شكّل الربيع العربي فرصة للنشاط بحثاً عن الاستمرارية والتمدد خارج العراق. فالشرع، بوصفه مجاهداً بالمعنى الثوري الإسلامي للكلمة، بحث عن إيجاد مساره الخاص، ولم تبدأ ثورته مع ثورة السوريين عام 2011، بل لسنوات قبل ذلك. ومؤخراً أجاب الشرع الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس في لقائه مع منصة كونكورديا، رداً على انخراطه في تنظيم القاعدة بالعراق: «المهم أنّ النوايا كانت سليمة تجاه الدفاع عن الناس وحقوقهم وإنقاذ الأطفال والنساء من الظلم الذي كان حاصلاً في المنطقة – فهذا هو الخط الدائم». كما صرّح لإعلاميين عرب بارزين بأنه لا يُعرّف نفسه كامتداد للربيع العربي. وبالتالي، فإن سوريا كانت محطة في ثورته الشخصية من خلال جبهة النصرة بعد قرابة عام من انطلاق الثورة.
وبسبب قمع نظام الأسد الشديد للإسلاميين والسلفيين، غدا الربيع العربي فرصة للتواجد في سوريا، وأصبحت النصرة مركز جذب للسلفيين من السوريين والعرب، بل حتى لبعض التيارات الثورية الأولى التي كانت تبحث عن أي نصير لثورتها المقموعة.
في الطرف المقابل، غادر مظلوم عبدي سوريا ليصبح مقاتلاً «غيريلا» ضمن صفوف حزب أممي ماركسي من أجل قضية كردية تتجاوز الحدود السورية. إن قسد، وجلّ قادتها البارزين، من متبني فكر عبد الله أوجلان (آبو)، مؤسس وقائد حزب العمال الكردستاني المعتقل لدى تركيا منذ عقود. وبالنسبة لـ «آبوجية» 1 سوريا، أفسح الربيع العربي نافذة لينشط الحزب في سوريا بعد أن قمعهم نظام الأسد أيضاً منذ خروج أوجلان من سوريا واعتقاله عام 1999. فقد تأسس حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا عام 2003، أي بعد أن أُخرج حزب العمال الكردستاني من سوريا، ليؤسس المنتمون للفكرة الأوجلانية من السوريين حزبهم الخاص.
وتبنّى مظلوم عبدي ورفاقه من السوريين الأوجلانيين أفكار قائدهم المستحدثة ونظريته في «الأمة الديمقراطية» و«الإدارة الذاتية»، حتى استطاعوا أن يقودوا مشروعه الفكري ضمن كُرد سوريا. ومثل نظيرتها، فإن ثورة روجافا (غرب كردستان الملحق بسوريا) قد بدأت في التاسع عشر من تموز (يوليو) عام 2012، أي بعد أكثر من عام من بداية الثورة في سوريا. ولم تحضر الثورة السورية بوضوح ضمن الخطاب الرسمي للإدارة الذاتية، رغم عدم معاداتها لها.
خلافاً لهذا التناظر، يبرز أحد أوجه الاختلاف (وهي كثيرة) بين الطرفين أيضاً. فمشروع الإدارة الذاتية يبدو وكأنه تطبيق لنظرية أوجلان المحدّثة في نسختها ما بعد القومية. بمعنى آخر، مشروع الإدارة الذاتية بقيادة عبدي هو امتداد لحركة التمرد الكُردية، ولكن في إطار نظري وفكري جديد. ومع ذلك، يبقى الارتباط الفكري والنظري مع أوجلان قائماً رغم خصوصية التجربة السورية، ولا سيما بعد انخراط قسد في التعاون مع التحالف الدولي والولايات المتحدة.
أمّا الشرع فيقدّم مشروعه في سياق انقلابه على التيارات التي انتمى إليها (داعش، جبهة النصرة، والقاعدة)، وبرز ذلك من خلال إعلانه القطيعة مع ماضيه وتاريخه في أكثر من حديث إعلامي له.
كلا المشروعين إذاً يصنعان قطيعة واضحة مع الربيع العربي بشكل من الأشكال، أو على الأقل مع ثورة آذار (مارس) 2011، ويقدّمان مشاريع سياسية محدّثة على المشاريع التي انتميا إليها قبل عقود. لكن في حين يحاول الشرع التبرؤ من الجماعات السلفية وتقديم نموذجه الإسلامي الخاص، فإن عبدي يقدّم نموذجاً جديداً متطوراً عن مشروع حزب العمال الكردستاني، وأقرب إلى حزب المساواة والشعوب الديمقراطي (DEM Party) في تركيا.
وصل الطرفان إلى سوريا خالية من الأسد، حاملين مشروعين سياسيين متعارضين أيديولوجياً، وهما المشروعان الوحيدان على الطاولة السورية. فالأطراف السورية الأخرى التي تمخضت عن الاقتتال السوري خلال عقد ونيّف، إلى جانب قسد وهيئة تحرير الشام، لم تبلور سوى فصائل عسكرية خلت من مشاريع سياسية ونظريات حوكمة، إنما ظلت مناطق نفوذ بإرشاد دولي (تركيا شمالاً، روسيا جنوباً وغرباً). أمّا في السويداء فتبلورت حركة الدروز ضمن حالة محلية شعبية دون مأسسة ملموسة، وكان هدفها الرئيس الدفاع عن النفس، ولم تقدّم مشروعاً سياسياً حتى وقت قريب قُبيل وقوع المجازر بحقها من قبل السلطة والقوات الرديفة لها.
سوريا أمام قطبَين وندَّين
ضمن هذه الصورة، يلجأُ كلا الطرفين إلى إعادة هيكلة تحالفاتهما، حيث عزّزت هيئة تحرير الشام علاقتها مع تركيا التي تُعدُّ اللاعب الرئيس في المشهد السوري بعد خروج إيران وهزيمتها. وأبدت الهيئة انفتاحاً على الانضمام إلى التحالف العسكري ضد داعش وفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة. وبالمثل قامت قسد بفتح قنوات جديدة مع تركيا من خلال مسار السلام في تركيا، الذي وفّر لها فرصة تحويل الصراع إلى صراع دبلوماسي وسياسي بدلاً من الصدام العسكري. وبدت أنها تتحضّر لخطط بديلة تحسباً لأي انسحاب أميركي محتمل من المنطقة.
تبدو كفّتا الميزان متساويتين نسبياً. كل طرف لديه ما يمكّنه أو يضعفه أمام المجتمع الدولي وفي الداخل السوري على حد سواء.
داخلياً، ربحت السلطة في دمشق قدراً معقولاً من رضا الشارع السوري، وتحكم اليوم باسم «الشرعية الثورية» بوصفها قدّمت الهدية الأغلى للسوريين (إسقاط نظام الأسد). أمّا قسد فتتحصن خلف التماسك العسكري لقواتها على أرضية مجتمعية هشّةٍ غير معلوم مدى تماسكها أو احتمال انفجارها المفاجئ، وتحظى بقدر من التأييد بفعل المخاطر الخارجية أكثر مما تستند إلى قبول شعبي حقيقي.
حظيت قسد باحترام أكبر في الأوساط الدبلوماسية من خلال تحالفها القوي مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومشاركتها الفاعلة في محاربة داعش، وإظهارها وجهاً منضبطاً أمام فوضى السلاح في سوريا. وهو ما لم يتحقق في مناطق سيطرة السلطة حتى الآن، بل ربما على العكس، شهدت مزيداً من الشِقاق بعد مجزرتي الساحل والسويداء.
تصعيد الشيخ مقصود والأشرفية
الخلافُ بين قسد ودمشق صراعٌ سياسي على السيادة والشرعية، لا على شكل إدارة البلاد والاندماج العسكري. ولا يبدو أن للسلطة في دمشق مشكلة في البقاء خارج مناطق نفوذ قسد. على سبيل المثال، اتفاق حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، قبل خرقه، إلى جانب تجربة امتحانات الطلاب أعطيا مؤشراً لإمكانية التعاون بين الطرفين على الأمور الإدارية (التعليم وجهاز الشرطة) في إطار لا مركزي. غير أن الخلاف على السيادة هو ما يُمكن أن يكسر هذا الاتفاق، وهو ما يؤخر اندماج قسد في السلطة، لأن قسد تطالب بضمان دور سيادي في المرحلة القادمة، ما يُفسر بالمقابل اندلاع المواجهة الأخيرة انفجار المعركة بين الطرفين في حلب.
تكمن أهمية التصعيد الأخير في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، في أن هذه الأحياء شكّلت بذرة الحل نحو توافق وحل سياسي بين الطرفين. وبغض النظر عن أي طرف يقف خلف التصعيد في حلب، فإنه يوجّه رسائل بإمكانية نسف الاتفاق بشكل كامل. إنها معركة إخضاع في المفاوضات إذاً، وخاصة بعد ما رُشح للإعلام من أن اللقاء الذي جرى في دمشق بوساطة توم براك كان مجدولاً بالفعل، الأمر الذي يعزز فرضية أن كل طرف يحاول دفع الآخر للقبول بشروطه أثناء اللقاء. إنها رسائل وليست معركة بعدُ، بالنظر إلى السياق الذي سبقها أيضاً، فإنه شكّل تتويجاً لسلسلة من المناوشات التي حصلت في مناطق اشتباك أخرى (دير حافر ومحيط سد تشرين).
وبرغم هذه الاشتباكات، حافظ الطرفان على الخطاب نفسه المتمسك باتفاقية العاشر من آذار وتفضيل الحوار على الصدام العسكري. يُمكن التكهن هنا بأن غياب التوافق وغياب أي قرار إقليمي بمعركة مباشرة أدّيا إلى هذا الصدام الذي تبلور على شكل مناوشات واستعراض عسكري. كما أظهر التيسير الأميركي السريع لوقف إطلاق النار حرص المزاج الدولي على تجنّب معركة مفتوحة.
لماذا وصلنا إلى هنا؟
الوصول إلى طريق مسدود في المفاوضات له مستويان: أحدهما داخلي والآخر خارجي. دمشق تسارع بدعم ودفع تركيين نحو بناء النظام على عجالة بهدف إقصاء الأطراف السياسية الأخرى وحصر الحياة السياسية في برلمان صُوري وقانون أحزاب موعود به منذ شهور. في حال اندمجت قسد الآن فلن تجد لنفسها مساحة سياسية أو تأثيراً على القرار السوري.
تُدرك السلطة جيداً أن وجودها في دمشق هش حتى الآن، وتفردها بالسلطة مؤقت لحين دمج قسد وأطراف سياسية أخرى عاجلاً أم آجلاً. وخلال هذه المرحلة تسعى إلى تسريع إحكام قبضتها على مفاصل الدولة، فتُعين وتُشكل اللجان على هواها وتحت شعار الشرعية الثورية. وإذا ما استمرت هذه التوافقات الدولية وتفاهمات دول الإقليم، فإنها تُبعد شبح العودة إلى المسارات القانونية، ذلك لأن المسار القانوني سيُجبر السلطة على إشراك الأطراف السياسية مثل الائتلاف ومنصتي موسكو والقاهرة، وعلى رأسها الإدارة الذاتية. الأمر الذي يُفسر مطالبات قسد بالقرار 2254 كلما تعسَّرت المفاوضات مع دمشق، بينما تجنّبته السلطة منذ استقرارها في دمشق.
بالنسبة لقسد، فإن التمسك بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وتقديمها لنفسها كطرف مُنفتح على الغرب ومتَبَنٍّ للديمقراطية – ولو شكليّاً – والجاذب للأقليات والمجتمعات المُضطهَدة السورية، يشكّل نافذتها لكسب معركة على مدى أطول. ولن تتنازل قسد عن مكتسباتها السياسية ومشروعها القائم، على الرغم من إدراكها لضرورة تقديم بعض التنازلات. يرتكز رهان قسد هنا على أن حدوث انقلاب كبير في التوازنات على المدى القريب يوحّد جميع الجبهات ضدها أمر بعيد الاحتمال، وبالتالي استبعاد المعادلات الصفرية التي قد تُهدد وجودها. وأحد أهم أعمدة هذه التوازنات هو مسار السلام في تركيا بين حزب العمال الكردستاني (PKK) والدولة التركية. فلماذا قد تُفرّط تركيا بهذا المسار؟ فأي التفاف على المسار الدبلوماسي في سوريا سيُفشل بالضرورة مسار السلام في تركيا أيضاً.
تدخل عسكري تركي؟
انخراط تركيا في عملية عسكرية مع قسد في المدى القريب سيكون أمراً مستغرباً في ظلِّ الحرب الباردة وصراع النفوذ في الجنوب السوري بين أنقرة وتل أبيب. تُدرك تركيا أن القطبية الجديدة في سوريا ستكون بينها وبين إسرائيل، ولذلك هرولت لكسب الورقة الكردية في تشرين أول (أكتوبر) 2024 عندما استشعرت سقوط نظام الأسد، ودعمت هيئة تحرير الشام على حساب فصائل الجيش الوطني أو الائتلاف السوري. لذلك تُصرُّ تركيا على إضعاف دور قسد مقابل تعظيم دور سلطة الشرع. في المقابل، تُدرك قسد أن غياب دور واضح لها في المرحلة الانتقالية بصلاحيات حقيقية داخل السلطة سيجعلها عرضة لانقلاب تركي في المدى البعيد على مسار المفاوضات في تركيا وسوريا معاً، وبالتالي خسارة حرب عقود في معركة واحدة.
إن البيئة ثنائية القطب في سوريا بين دمشق والقامشلي هي نتيجة للتوافقات بين دول الإقليم وهندسة إخراج إيران من سوريا وسقوط الأسد. لذا تجد الأطراف مصلحة كبيرة في التوافق والتعامل مع هذا العَرَضْ الجانبي لسقوط النظام. وأي خلل في هذا التوافق الهش قد ينعكس على فتح جبهات متعددة لا يبدو أن لأي من الدول مصلحة فيها. أردوغان الباحث عن أبدّية لحكمه في تركيا وهيمنة إقليمية، ترامب الراغب في خفض الانغماس العسكري على حساب صفقات اقتصادية، ودول الخليج التي تشاركه الطموح في الاستثمار. تبدو إسرائيل المستفيد الوحيد من التوترات حتى تتوسع في الجنوب السوري.
يبدو إن توافقاً وسطياً بين دمشق والقامشلي لا يزال ممكناً على الرغم من الهدنة الهشّة في أحياء حلب الكردية. إن توافقاً بغطاء سياسي حقيقي يوفر بيئة معقولة من اللامركزية الموسعة، ويضمن لقسد دوراً فاعلاً في السلطة، قد يُشكل الحل الأكثر واقعية في الأشهر المقبلة، وذلك مقابل تنازل قسد عن بعض مناطق سيطرتها الجغرافية. غير أن توافقاً من دون إطارٍ سياسي واضح ومُعلن سَيُبقي وقفَ إطلاق النار هشّاً، وعُرضة للانفجار في أي لحظة.
المصدر الجمهورية .نت
-