
-
-
حسام جزماتي كاتب سوري
قبل أسبوع من ذكرى حرب تشرين (6 أكتوبر) أصدرت السلطة السورية الجديدة مرسوماً يُحدد الأعياد الرسمية في البلاد، غاب عنه هذا اليوم الذي كان، في السابق، عطلة حكومية واحتفالاً وطنياً. فضلاً عن تغيير بعض المناسبات المُعتمَدة.
ويُومِئُ السجالُ الذي دار حول إلغاء الاهتمام بذكرى تلك الحرب إلى أبعاد كثيرة تكشف أطرافاً من ديناميات المجتمع/ المجتمعات السوري/ـة، سياسةً وتأريخاً وهويات.
ففي السياق جاءت الحرب رداً على الهزيمة المدوية التي مُنيت بها مصر وسورية (والأردن)، ومن ورائهم العرب، أمام إسرائيل في حزيران (يونيو) عام 1967. وبالنسبة إلى حافظ الأسد، الذي كان وزيراً للدفاع في الحرب الأولى ورئيساً للجمهورية قائداً للجيش والقوات المسلحة في الثانية، حملَ الأمر بُعداً شخصياً بعد ما طاله إثرَ الهزيمةِ من اتهامات؛ أقلّها عدم الكفاءة وأعلاها بيع الجولان للأعداء.
ولعل غريزته، كدكتاتورٍ مُستجد، أنبَأتهُ أن من الأوراق المطلوبة لاستكمال ملف المستبد أن يُتوَّج بنصر عسكري يستقر بعده ويعيش على شرعيته الوطنية. ولذلك صار يُعرَف، في إعلامه، بلقب «بطل التشرينَين» الذي يُشير، أولاً، إلى تشرين الثاني 1970 الذي أوصله إلى الحكم في ما أسماه «الحركة التصحيحية»، التي كانت حرب تشرين «التحريرية» واحدة من «ثمارها» وفق الإعلام نفسه وكتب الثقافة القومية. بل إنه استند، لتسويغ الخوض في محادثات سلام مع إسرائيل بعد عقود، إلى شرعيته المستمدة من الحرب. فكان «بطل الحرب والسلام»، في سُنّة شقها قبله أنور السادات، الرئيس المصري وقتئذ وشريكه في المعركة من جبهته.
غير أن هذه الواقعة، الأسدية، لم تكن الوجه الوحيد للحرب. فقد كان عموم السوريين يشعرون بالإهانة بعد «النكسة». وكانوا يتوقون إلى استرداد كرامتهم المُستباحة وأرضِهم «السليبة». ولذلك خاضوا الحربَ بأكثر ما لديهم من حماسٍ وتفانٍ، وتماشَوا طويلاً مع مبالغة قيادتهم في تثمين النتيجة التي تحققت منها باستعادة مدينة القنيطرة ثم تثبيت وقف إطلاق النار منذ العام 1974.
ومن الطبيعي أن هذه المشاعر كانت لدى العسكريين، حتى الإلزاميِّين منهم، أكثر من المواطنين المدنيين.
والحق أن الويلات التي جرت في البلاد، منذ أواخر السبعينيات وحتى سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، أنست الكثيرين أن الشعوبَ تنظر إلى جيوشِـ«ـها» بولاءٍ واحترام وفَخَار، وأن هذه كانت حال الجيش السوري حتى الستينيات، وأن النفور من المؤسسة العسكرية، عند أكثر السوريين، لم يترسخ إلا في عقد الثمانينيات نتيجة أسباب متضافرة كان منها مشاركة الجيش في قمع الإسلاميين، وقيامه، أثناء ذلك، بتمشيط مدن وحرب شوارع وارتكاب فظائع وانتهاكات طالت كرامات وممتلكات، فضلاً عن تَطييفِه بجرعات متزايدة لضمان الولاء، والزيادة الكبيرة في أعداد الضباط بالتضاد مع انخفاض مكانتهم الاجتماعية.
لكن «السلك» استمر في الوجود والنمو من دون النظر إلى اضمحلال جمهوره الذي انحصر في بيئات مُعسكَرة، أبرزها بين العلويين، بالإضافة إلى بلدات وقرى وأُسَر من مناطق أو طوائف مختلفة اعتادت التطوّع في الجيش، غالباً وراء ضابط كبير ومن تبعه من ضباط متوسطين من الأقارب.
وكما في كل البيئات «المهنيّة» تنتشر حكايات السلك إلى حاضنته المحيطة، فيحفظُ من لا شأن جدياً لهم تنقلاتِ الضباط وترفيعاتِهم، ولا سيما في موعدَي 1/1 و1/7 اللذين كانت تصدر فيهما النشرة الخاصة بذلك. وتتعملقُ، في أسمار القرى البعيدة وليالي المناوبات المُملة، سِيَر و«بطولات» هذا أو ذاك منهم.
والحال أن الجيش السوري لا يملك الكثير مما يمكن الفخر به. فأكثر ما اشتُهر به بعد الاستقلال هو الانقلابات المتتالية على الحكم المدني. ومعظم ما خاضه من معارك، بعد الهزيمة الحزيرانيّة، كان في حروب «أهلية». ففي العام 1976 زجَّ به الأسد الأب في الأتون اللبناني، متنقلاً من دعم فريق إلى الانقلاب عليه، حتى أُخرِج من هناك في عام 2005. وأثناء ذلك شارك في قمع أهله السوريين في حماة وحلب ودمشق وسواها خلال الثمانينيات. وفي العام 1984 انقسم بشكل خطر في معسكرَين شديدَي العائلية عند صراع الأخوين حافظ ورفعت. وفي العام 1991 أسهمَت فرقة منه في طرد الأشقاء العراقيين من بلد الأشقاء الكويتيين. وتُوِّجَ ذلك كله بمشاركةٍ، هي الأوسع والأطول، في قتل مواطنيه منذ اندلاع الثورة في ربيع العام 2011 حتى تبخُّره وحَلِّه.
ورغم أنك لن تعدمَ وجود من يُشيد بدور الجيش في بعض هذه الحروب أو في معارك مُحددة منها؛ فإن الفخر الصافي، من دون غضاضةٍ، يُوجَّه عادة إلى أعداء البلاد. وهنا ليس لدى أبناء السلك ومُحبيه وجمهوره ومؤرِّخيه، الشفويين والكتابيين، إلا حربَ تشرين بالكامل، ومعاركَ منتخبة من تصدي بعض الوحدات للاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، بالاشتراك مع فلسطينيين ولبنانيين.
كما أن لحرب تشرين وظيفةً أخرى. فهي جزء ثابت من سِيَر من سيصبحون قادة الجيش وكبار ضباطه منذ الثمانينيات ولعقودٍ تالية. الاستثنائيون المُقدَّسون من ألويةٍ وحتى عمادات. وزراء الدفاع ورؤساء الأركان وقادة الفرق والهيئات. علي حيدر وعلي أصلان وعلي ديب وشفيق فياض وإبراهيم الصافي وتوفيق جلول وعزت زيدان. الذين يخرجُ الواحد منهم لممارسة الرياضة في الثلج عاريَ الصدر ويتغدّى نصفَ خروفٍ يومياً!
ولحرب تشرين وظيفة مضادة للطائفية في حجّة من يتذكرونها مباشرة أو من وعَوها بالتناقل. ففي ذلك الوقت لم يكن تَطييفُ القوات المسلحة قد وصل إلى النِسَبِ التي سيَبلُغها لاحقاً، وكانت الروح الوطنية طاغيةً بين عموم المقاتلين بتنوع رتبهم، مما يتيح رواية حكايات صادقة عن أُخوّة السلاح التي لم تميّز، أثناء المعركة، بين أبناء المناطق أو الطوائف. وقد بدا هذا، كذلك، من اللغة الدينية غير المألوفة لكلمة الأسد أثناء المعركة، والتي حثَّ فيها «أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي» على «الجهاد» في «هذا الشهر الفضيل» رمضان، كما سبق وضحّى أجدادُهم «دفاعاً عن دين الله ورسالة الحق». وإن كان الكثير اشتكوا من أن توزيعه للمكافآت بعدها كان مُتحيِّزاً؛ سواء بمنح القدم الاستثنائي، أي الرتبة الإضافية، أو بالنقل إلى موقع هام، أو بالأوسمة التي ظلَّت الصور، التي وثَّقت تعليق الأسد لها على صدور الضباط، تحتل مكاناً بارزاً من مكاتبهم المتصاعدة وغرف الاستقبال في بيوتهم.
أخيراً، فإن سورية دفعت أرواح ثلاثة آلاف من أبنائها في هذه الحرب التي ربما كانت موقعتها المشرّفة الوحيدة بعد معركة ميسلون. فهل من الضروري أن تَعمدَ كل سلطة جديدة إلى تصفير العدّاد الوطني على توقيت قدومها وتُعيد كتابة التاريخ من جديد، وكأن لدينا الدهر كله؟
-