طرحت خارطة الطريق السورية-الأردنية-الأميركية التي تم إعلانها الشهر الماضي خطةً للخروج من الوضع الراهن في السويداء، تقوم على أن الحل يكون من خلال إجراءات وترتيبات تتخذها السلطة المركزية الحالية في دمشق بالتفاهم مع «المجتمعات المحلية في السويداء»، بحسب تعبير الاتفاق الذي لم يكن ممثلون عن هذه المجتمعات حاضرين في التفاوض بشأنه، وهو التصوّر الذي لم توافق عليه القوى المحلية الأساسية في السويداء، التي بدأت تنظّم نفسها عسكرياً وإدارياً وتبني نوعاً من مؤسسات الحُكْم المحلي، بينما ما تزال السلطة المركزية تتصرف بناء على أنها سلطة الدولة التي يجب أن تمارس أعمالها في السويداء.

توجهنا بأسئلة عن اللحظة الراهنة ومآلاتها الممكنة لعدد من الصحفيين-ات والناشطين-ات المنحدرين-ات من الجماعة الدرزية في السويداء، إلى الصحفي عمر الأسعد، والصحفية هبة محرز، والصحفي وضاح عزام، والناشطة الحقوقية أمل نعيم، والصحفية رجا سليم، والناشطة نجوى الطويل.

هل يفتح الاتفاق الثلاثي أفقاً أمام الحلّ؟

كان سؤالنا الأول عمّا إذا كان الاتفاق يمكن أن يفتح باباً للتواصل السياسي بين سلطة دمشق والقوى المحلية المسيطرة في السويداء. يرى عمر الأسعد أن هذا «ليس وارداً في المدى المنظور»، لأن «الاتفاق ينطوي على خلل جوهري، حيث تُعقَدُ الاتفاقات أو التسويات بين أطراف النزاع، بينما غاب عن اتفاق عمّان أي ممثل عن السويداء، أي الدروز هنا. وتم تأجيل حضورهم من خلال بند غامض يُشير إلى مشاركة وفود تمثل السويداء للتفاوض لاحقاً. فيما كانت الفصائل الجهادية حاضرة من خلال ممثل السلطة التي قامت بالغزوة، ومهدت لها، وحرضت عليها، وما تزال تحاصر المحافظة وأهلها».

يقول الأسعد إن اتفاق عمّان «جاء نتيجة ضغوط وتوافقات دولية، لكنه لم ينعكس على الأرض حتى اليوم، ولا يبدو أن هذا سيحصل في القريب العاجل، خاصة أن في الاتفاق خللاً آخر إذ لا يحوي جدولاً زمنياً لتنفيذ بنوده، ولا يُشير وضوحاً للانسحاب التام من الحدود الإدارية للمحافظة، أي القرى والبلدات المحتلة، وهذا وحده ما يضمن عودة نحو 150 ألف مُهجَّر». تتفق هبة محرز مع القول بوجود قصور جوهري في الاتفاق، إذ ترى أن «المشكلة الأساسية ليست في بنوده المكتوبة، بل فيما بين السطور، بمعنى أنه لم يحدد مدة زمنية لأي من نقاطه، وليس هنالك آلياتٌ واضحة لتنفيذها. وبالطبع يمكن الردُّ بالقول إن الاتفاق لا يحتمل الدخول في كل التفاصيل، ولكن لم يتبع هذا الاتفاق أي مراحل أو خطوات».

تُشير هبة محرز إلى أن الخلل في آليات تنفيذ الاتفاق ظهرَ منذ البداية، إذ «لم تعترف السلطة مثلاً بجميع المخطوفين، بل قالت إن عدد الموقوفين لديها من السويداء 110 أشخاص من الذكور – خرج منهم حتى الآن قرابة الستين شخصاً – بينما وثَّقَ الناشطون والناشطات في السويداء 481 مخطوفاً من الذكور، بالإضافة إلى 17 مخطوفة أنثى». ينص الاتفاق على «استكمال إطلاق سراح جميع المحتجزين والمخطوفين وتعداد المفقودين وتحديدهم»، وهو ما ترى هبة محرز أنه يواجه عقبات منذ اللحظة الأولى.

مع ذلك، ترى هبة محرز أن «النقاط المذكورة في الخارطة إيجابية في العموم، وتحقق جزءاً كبيراً من مطالب أهل السويداء، وأولها دعوة لجنة التحقيق المستقلة الدولية بشأن الجمهورية العربية السورية لإجراء تحقيق حول مجازر السويداء. المهم في رأيي هو أن الحكومة مطالبةٌ بالتنفيذ على الأرض، مثل إيجاد حلول مستعجلة لإنهاء تواجد العشائر وقوات الأمن العام في قرى السويداء الشمالي والغربي».

أمّا وضاح عزام فهو يرى أن الاتفاق الثلاثي لن يكون باباً للتواصل السياسي بين القوى المحلية في السويداء وسلطة دمشق «أولاً لأن الفصائل المحلية في السويداء ليست تنظيماً أو تنظيمات سياسية ذات طبيعة إيديولوجية، بل هي تشكيلات محلية أهلية تعبّر عن السكان، والسكان لديهم شعور جمعي وموقف عام بأنه لا يمكن التعاطي مع هذه السلطة بعد أن ارتكبت المجازر الإبادية، ويرون بأن من يريد اتفاقاً عليه أن يتفاوض معنا، أي مع القوى المحلية التي تُعبِّر عنا، وهو ما لم يحدث لأن القوى المحلية في السويداء لم تكن طرفاً في الاتفاق الثلاثي أصلاً. يبدو من الاتفاق الثلاثي كما لو أن سلطة دمشق هي طرفٌ ثالثٌ يمكن أن يلعب دور الحَكَمْ بين الدروز والبدو، لكن الصراع ليس بين الدروز والبدو، بل هو بين القوى المحلية التي تعبر عن الدروز في السويداء وبين سلطة دمشق، والتحريضُ الذي قامت به السلطة هو الذي أدى إلى تفاقم الشرخ المجتمعي واتّساع النزاع بين الدروز والبدو. وبالتالي فإن التصور الذي يقدمه اتفاق عمّان غير مناسب لحل المشكلة، لأن سلطة دمشق هي المشكلة ولا يُمكن أن تكون هي المُوكَلة بالحل كما لو أنها طرف محايد».

تقول نجوى الطويل في الاتجاه نفسه إن «الاتفاق الثلاثي كان دون الحد الأدنى المطلوب في السويداء، لأنه تعاطى مع السلطة وكأنها طرف محايد أو غير مسؤول عن المجازر والانتهاكات، فيما ترى السويداء أن السلطة هي المحرك الأساسي لقواتها الرسمية في وزارتَي الدفاع و الداخلية وكذلك المسلحين من البدو والعشائر».

من جهتها ترى أمل نعيم أن «الاتفاق الثلاثي قد يُشكّل بداية لمسار سياسي جديد بين السلطة والقوى المحلية، لكن هذا لن يكون ممكناً ما لم تتوافر مجموعة من الأسس الواضحة، وأولها اعتراف السلطة في دمشق بالمجزرة وما تخلّلها من انتهاكات تُعَدُّ جرائمَ حرب وفق القانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المتورطين في تلك الجرائم». كما تؤكد على «ضرورة ضمان مشاركة فعلية وحقيقية لأبناء السويداء في أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية قادمة، إلى جانب تأمين عودة المهجّرين والمخطوفين وتعويضهم بشكل مباشر ومنصف».

ترى رجا سليم بدورها أن الاتفاق يمكن أن يفتح إمكانية التعاطي السياسي بين السلطة السورية والقوى المحلية في السويداء، ولكن «ليس لأن هذا يُمثِّلُ رغبة أبناء المحافظة بالضرورة (أؤكد هنا أنني لا أقصد الدروز فقط بل كل من يسكنها من دروز ومسيحيين وسُنّة)، بل لأن الولايات المتحدة طرف أساسي في الاتفاقية، وهي لها الكلمة العليا على دمشق والسويداء على حد سواء. ما حدث في السويداء أعطى للشيخ حكمت الهجري وقيادة الفصائل العسكرية المحلية ورقة سياسية تُتيح لهم رفع سقف مطالبهم لأقصى ما يُمكن، لكن في نهاية الأمر سيكون هناك حدٌّ تقف عنده هذه المطالب، وهذا الحد ستضعه الولايات المتحدة عاجلاً أم آجلاً. نحن هنا نتحدث عن واقع سيكون مفروضاً من الخارج، وليس نتيجة رغبة حقيقية بالاتفاق والمضي قدماً للعمل الجاد في سبيل تطويق الأزمة بشكل وطني ودستوري. تغيبُ عن سوريا اليوم أي ملامح جديّة لسنِ قوانين تُراعي المواطنة والديمقراطية والكرامة لكافة السوريين كما كان مأمولاً. والدلائل على ذلك حاضرة، بدايةً بالدستور الجديد ومؤخراً بانتخابات أو تعيينات مجلس الشعب التي تمت كغيرها من الإجراءات الحكومية، التي اتخذتها سلطة دمشق بتفرُّد وتعنُّت وإهمال لأي مشاركة حقيقية للشعب السوري».

لكن ما البدائل إذا لم يكن الاتفاق خارطةَ طريق ممكنة؟

يقول عمر الأسعد: «تعمل القوى السياسية والاجتماعية في السويداء، وبدعم من أبناء السويداء المغتربين وخبراتهم، على إدارة شؤونها، وترسيخ حضورها في المجتمع المحلي ولو ببطء. لا يمكن الاستهانة بحجم الصدمة التي خلفتها المجازر وعمليات التهجير القسري والإعدامات الميدانية في وعي الناس، ورغبتهم في إدارة شؤونهم بعيداً عن سلطة الفصائل الجهادية المستولية على الدولة، وهناك تيار ذو ثقلٍ عندما يتحدث عن تقرير المصير فهو جاد فيما يطرح، ولا تعني السخرية منه أو ترديد تعاويذ الوطنية في وجهه زواله من الوجود، وعودة مناصريه لحضن دولة الفصائل الجهادية ومجازرها».

أمّا أمل نعيم، فهي ترى أنه في حال عدم تحقق الشروط اللازمة ليكون الاتفاق الثلاثي مدخلاً إلى الحل، «فإن البدائل الواقعية أمام القوى المحلية في السويداء تتمثل في تعزيز الإدارة الذاتية المحلية أو اللامركزية المُوسَّعة، مع التمسك بالهوية الوطنية السورية وعدم القبول بأن تكون السويداء ورقة سياسية بيد أي جهة خارجية. بالنسبة لي أرفض ما يسمى بالانفصال أو المنطقة العازلة بحماية إسرائيلية. لا تستحق السويداء أن تُحصَر في هذه الزاوية معدومة التنمية والمنفصلة عن المحافظات السورية، ولا أن تكون كبش فداء».

يقول وضاح عزام في هذا الشأن أن «التصور الذي يطرحه الاتفاق الثلاثي هو أن يُمسكَ بالمناصب الإدارية في السويداء كوادر من أبنائها لكن تحت قيادة سلطة دمشق، وهذا غير ممكن وغير مقبول كما قلتُ سابقاً. والبديل هو الذهاب نحو الإدارة الذاتية في السويداء، وهذا هو المقصود تماماً بحق تقرير المصير الذي نطالب به، أي أن يُقرر سكّان السويداء مصيرهم بأنفسهم، ويبنوا مؤسساتهم الأمنية والإدارية بأيديهم ويُديروا حياتهم بعيداً عن سلطة دمشق التي ارتكبت المذابح الطائفية بحقهم».

وعن البدائل تقول نجوى الطويل: «أحد البدائل الممكنة هو ترسيخ تحالفات مع دول مؤثرة في المنطقة والعالم، لتحقيق استقلالٍ من نوعٍ ما للسويداء. كذلك قد تكون إعادة صياغة الإعلان الدستوري، بطريقة تضمن حقوق جميع السوريين على أساس نظام ديمقراطي علماني، مدخلاً مُحتملاً إلى حلٍّ في المستقبل».

الموقف من السلطة والعلاقة مع سوريا

يُشير جميع من تحدثنا إليهم إلى شبه إجماع في السويداء على الرفض التام للسلطة الحالية في دمشق، لكن التباين في طيف المواقف ينصرف إلى الرأي في مستقبل العلاقة مع سوريا كبلد وإطار وطني. تقول أمل نعيم: «الموقف الواضح هو رفض العودة إلى هذه السلطة الإرهابية المجرمة التي لا يمكن الوثوق بها. لن نضحي بدماء شهدائنا، ولن نمد يدنا إليها.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن الخلط بين هذا الموقف السياسي وبين الانتماء الوطني. نحن سوريون، ونسعى إلى بناء دولة سورية جديدة ذات طابع علماني، تقوم على الديمقراطية والإدارة اللامركزية أو الفيدرالية أو الإدارة الذاتية، من دون أن نفقد سوريتنا. أعلم أن المعادلة صعبة، بسبب الشعور الكبير بالخذلان نتيجة عدم بروز مواقف واضحة واسعة من الوطنيين السوريين. لدى الموحدين الدروز إرث وطني لا ينبغي التخلي عنه، ويمكن أن يتمسّكوا بهويتهم السورية عبر السعي مع باقي المكوّنات إلى بناء الدولة السورية التي نريدها: دولة العدالة والمساواة وسيادة القانون، ودولة دستور منسجم مع الشرعية الدولية والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان».

تُشدّد أمل نعيم على أهمية المحاسبة عندما نتحدث عن مستقبل علاقة السويداء مع الوطن السوري: «محاسبة المتورطين في الجرائم ليست تفصيلاً، بل هي شرطٌ أساسي لتحقيق العدالة وإنصاف ذوي الضحايا، معتبرة أن أي حديث عن مصالحة مجتمعية لا يمكن أن يُبنى على النسيان أو التسويات الشكلية، بل على عدالة انتقالية تضع الحق فوق الاعتبارات السياسية». وتُضيف: «مع قسوة ما حدث، لا بدّ أن نبحث عن سُبل للحياة والاستمرار. أنا لست مع من يرفعون شعار ’أريد أبي حيّاً‘، فالحياة يجب أن تمضي لمن بقي على قيد الحياة، لكن استمرارها لا يكون إلا بتحقيق العدالة أولاً. العدالة للضحايا، وللمجتمع الذي يستحق أن يعيش بسلام قائم على الحقيقة والمحاسبة».

تقول رجا سليم أيضاً إنها ترى «إجماعاً غير مسبوق في السويداء على عدم الاعتراف بسلطة دمشق»، لكن هناك نوعين من التفاعل مع هذا الموقف: «هناك فئة تجنح لفكرة الانفصال، وهذه برأيي مطالب انفعالية أفهمها مرحلياً ولا أدعمُها لعدم واقعيتها، فحتى أعتى الأنظمة تزول، والأوطان تبقى. وهناك فئة تسعى إلى حكم ذاتي أو نظام لامركزي، أي أن تُديرَ المحافظة شؤونها بكوادر من المحافظة، وهذا ما حصل في سنوات الحرب السورية حيث امتنع أبناء السويداء عن الخدمة العسكرية في جيش نظام الأسد كيلا يشاركوا بقتل سوريين في محافظات أخرى». تُشير رجا إلى فئة ثالثة تصفها بأنها منبوذة اجتماعياً وأنها الأقل عدداً، وهي تلك التي «تضع يدها بيد سلطة دمشق بشكل فردي دون احترام لحقوق ومطالب أهالي المحافظة».

على صعيد العلاقة مع سوريا عموماً، تلفتُ هبة محرز النظر إلى أوضاع الدروز في بقية البلد: «يعيش الدروز خارج محافظة السويداء في خوف وترقب دائمين. ليس لدينا إحصائيات، لكن عدداً كبيراً من العائلات الدرزية التي تعيش في مناطق مختلطة طائفياً في دمشق انتقلت مؤقتاً إلى جرمانا، وبعضٌ من أهالي أشرفية صحنايا انتقلوا إلى القرى الدرزية في جبل الشيخ، كما أن عدداً لا بأس به من دروز سوريا انتقل نحو الأردن ولبنان، كما أن كثيراً من أهالي جرمانا ظلوا لمدة شهر ضمن حدود مدينة جرمانا بعيداً عن أي تواصل مع ريف دمشق أو دمشق. يعكس كل هذا حجم التوتر الذي يعيشه الدروز في علاقتهم مع سوريا».

يقول وضاح عزام: «القطيعة تامة مع السلطة إلى درجة أن أبناء السويداء يُطلقون على المناطق التي تُسيطر عليها السلطة في ريفي السويداء الشمالي والغربي تسمية المناطق المحتلة، وأن بعضهم يرون أنه بات ينبغي تحريرها بالقوة. أمّا العلاقة مع سوريا كوطن فهي لم تذهب إلى القطيعة التامة بعد، بدليل أن أبناء السويداء ما زالوا يتضامنون مع بقية السوريين الذين يتعرضون لانتهاكات من جانب هذه السلطة، وما يزالون معنيين بما يجري في بقية سوريا. ثمة مشكلة هي أن شرائح واسعة من السوريين لا تصدق، أو لا تريد تصديق، ما لحقَ بأبناء السويداء على يد هذه السلطة، وبالمقابل فإن ما نريده في السويداء ببساطة هو أن لا تحكمنا هذه السلطة. نحن لا يمكننا فرض إرادتنا على بقية السوريين، ولا نفكر في ذلك أصلاً، لكن فلترحل هذه السلطة عن السويداء بأي صيغة كانت، حتى لو كان ذلك في النهاية يعني الانفصال».

يقول عمر الأسعد بشأن علاقة الدروز مع الوطن السوري بعد المجزرة: «ما يجب على المهتمين بالشأن العام في سوريا إدراكه هو أن الأشهر التي سبقت المجازر، والتي شهدت استهدافاً للدروز على أساس هويتهم الطائفية، بما فيها داخل الجامعات، ومظاهرات هتفت صراحة بإبادتِهم، عدا عن الاعتداءات على الدروز في ريف دمشق، ثم اجتياح السويداء وارتكاب انتهاكات جسيمة، دفعت الدروز إلى حسم أمرهم بالاعتماد على أنفسهم وإدارة شؤونهم، على الأقل حتى يُعلنَ بقية السوريين موقفهم من السلطة القائمة في دمشق، خاصة بعد المواقف المخزية التي اتخذتها قوىً سياسية ونخبٌ ثقافية وحقوقية واقتصادية قبل المجازر وأثناءها وبعدها. هذا لا يمكن أن يمر مروراً عابراً، ففي الذكرى المئوية للثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، التي كرَّست موقع الدروز في النسيج الاجتماعي السوري، اقتحمت الفصائل الجهادية مضافاتهم ونهبتها، وقصّت شوارب رجالهم، وخطفت نساءهم، وأمعنت في امتهان كراماتهم. هذا ليس تفصيلاً عابراً لمن يريد أن يفهم، ومن الصعب أن يكون عابراً، رغم محاولات التمييع الجارية حالياً وخطابات التَكاذب التي يُتقن الفضاء العام السوري إنتاجها».

إدارة السويداء في اللحظة الراهنة

تجمعت أغلب الفصائل الدرزية المسلحة في السويداء في تحالف تحت مُسمّى «الحرس الوطني»، فيما تُدير هيئة تحمل اسم «اللجنة القانونية العليا» حياة الناس، ويبدو واضحاً دور الشيخ حكمت الهجري في رعاية تشكيل هذين الجسمين ودعمهما، وقد بات أحدهما جسماً عسكرياً أمنياً والثاني جسماً إدارياً حَوكمياً. ورغم التباينات السابقة في مواقف مشايخ العقل الثلاثة في السويداء (الهجري – الحناوي – الجربوع)، يُجمع كل من تحدثنا إليهم على أن هذا التباين لم يعُد له وجودٌ، ظاهرٌ على الأقل، بعد المجازر. كما لا توجد أي قوة سياسية أو عسكرية في السويداء تُعلن رفضها لأي من هذين الجسمين أو تُنازِعُهُما الآن، وفي الوقت نفسه لا توجد أي قنوات معروفة مفتوحة للتفاوض بين هذين الجسمين وبين السلطة في دمشق، التي ما تزال تُسيطر على أجزاء من شمال وغرب المحافظة، وهي أجزاء خالية من السكان الدروز تقريباً، تتخذ أجهزة السلطةُ من بلدة المزرعة فيها مقراً لها.

تقول نجوى الطويل عن اللجنة القانونية العليا إنها «لجنة فرضها الأمر الواقع، وهي تُدير الملف الخدمي وليس الملف السياسي، ولا شك أن تجربتها جديدة وتواجه تحديات صعبة متنوعة. وليس هناك تواصل بين اللجنة والسلطة الحاكمة في دمشق على ما أعلم، لكن ليس هناك ما يمنعها من التواصل مع عموم سوريا سوى الحالة السلفية الجهادية المُمسكة بالسلطة».

يتحدث وضاح عزام عن اللجنة القانونية العليا أيضاً مبيناً أنها «لجنة إدارية بادرت فعاليات نقابية محلية لإنشائها، والهدف منها كان إيجاد بدائل في ظل القطيعة مع السلطة، وهي بالتالي ليست لجنة ذات طابع تشريعي ولا تقرّ قوانين جديدة، بل تعتمد في عملها القانون الإداري السوري المعمول به. وقد انبثقت عنها لجان ومكاتب لإدارة كافية مناحي الحياة، بما في ذلك عمل شرطة المرور والشرطة الجنائية».

وتقول رجا سليم إن اللجنة القانونية العليا «تشكَّلت استجابة للوضع الطارئ، وهي تُلاقي ترحيباً من أبناء المحافظة. من الناحية الخدمية، اللجنة منخرطة بشكل كبير في تسيير الشؤون المعيشية اليومية للأهالي، وخاصة المهجرين من القرى التي ما تزال تُسيطر عليها سلطة دمشق، ويبلغ عددهم أكثر مئة ألف التجأوا إلى مدن السويداء وشهبا وصلخد. بالإضافة للإشراف على توزيع الحصص المعيشية على الأهالي ومحاولات استصلاح الأفران بشكل أساسي وموارد الماء والكهرباء».

أمّا في الملف السياسي، فتقول رجا سليم: «من متابعتي لنشاط اللجنة لا أرى أن مواقفها منفصلة أو مستقلة عن مشيخة العقل، فالخطاب واحد والموقف واحد. لكن الجانب الأكثر أهمية في عمل اللجنة يتركز في نقطتين: الأولى هي لجنة المفقودين والضحايا الفرعية المعنية بمتابعة ملف المفقودين والمفقودات والمخطوفين والمخطوفات، فهي الآن مرجع رئيسي للتوثيق وحفظ البيانات والمتابعة مع عائلات هؤلاء. والآلية التي تعمل بها في هذا الصدد مُراعية ومُشجِّعة للأهالي خاصة من ذوي النساء المخطوفات للإبلاغ والمتابعة دون القلق من الوصمة الاجتماعية، إذ تؤكد حرصها على سرية المعلومات. النقطة الثانية، هي توفير وجهة للأهالي للرجوع إليها لتسيير شؤونهم المعيشية. في الأسابيع الأولى بعد المجرزة كان الأهالي هائمين على وجوههم حرفياً في مواجهة الموت والخطف والتهجير وانعدام سبل الحياة».

ورغم الارتياح العام الذي نقله جميعُ من تحدثنا إليهم بشأن عمل اللجنة في غياب مؤسسات الدولة، إلّا أن أمل نعيم تنقل عن ناشطين وناشطات من السويداء بعض الانتقادات، منها «صعوبة التواصل مع اللجنة، وضعف الشفافية في إعلان ما تقوم بتنفيذه أو التخطيط له، ما يجعل الناس في موقع تزداد فيه التأويلات والتحليلات والتوقعات المُتباينة التي قد تتسبب بشق الصفوف أحياناً»، وتُضيف أن «إدارة مجتمع معقّد يجب ألا تُختصَر باللجنة فقط، بل تتطلب أيضاً تفعيل دور كافة النقابات ومنظمات المجتمع المدني، كما يجب أن تضم اللجنة تمثيلاً حقيقياً لكل مكونات المجتمع المحلي في السويداء».

ماذا بعد؟

لدينا إذاً بداية لتكوين «حكم محلي» في محافظة السويداء، يبني أجهزته الأمنية والعسكرية والإدارية ببطء، ولدينا موقف عامٌ في المحافظة رافضٌ لأي خضوع لسلطة دمشق، بينما تتراوح التصورات بين مطلب الاستقلال التام ومطلب الإدارة الذاتية ومطلب اللامركزية الموسَّعة، في مقابل سلطة ما تزال مصرّة على مقولات فرض «سيادة الدولة»، ولم تتخذ خطوات فاعلة نحو الحل رغم توقيعها على الاتفاق الثلاثي. ما الذي يمكن أن تسير إليه الأمور بعد ذلك؟

تقول هبة محرز إن «الحصار في السويداء بدأ يأخذ أشكالاً عنيفة مع دخوله شهره الثالث. الشحُّ المقصود في المواد الأولية والأساسية بدأ يترك آثاراً قاسية على حياة الناس، وبقاء قوات الأمن العام والعشائر في قرى الريف الغربي والشمالي يحرم عشرات آلاف الناس من بيوتهم وأشغالهم ومصادر رزقهم. بالمقابل، تُشير محاولات السويداء لتنظيم القطاع العسكري في ما يُسمى الحرس الوطني والقطاع المدني مع اللجنة القانونية إلى أن الاستعصاء الراهن قد يطول، والاستعصاء في جوهره سياسي. كل خطوط التواصل مقطوعة مع سلطة دمشق نتيجة المجزرة، وربما يمكن كسر هذه القطيعة من قبل السلطة عبر القيام بخطوات أولها إنهاء حالة العداء الإعلامي الرسمي للدروز عموماً وأهالي السويداء خصوصاً، والتوقف عن محاولات تكريس شخصيات درزية تابعة لها ولا تتمتع بأي عمق شعبي وبأشكال أثبتت فشلها المستمر، وتفعيل مؤسسات الدولة بعيداً عن المناكفات الطائفية».

تقول أمل نعيم أيضاً إن الوضع في السويداء يمر بمرحلة حساسة جداً: «الهجوم كان ممنهجاً، استُخدمت فيه أسلحة ثقيلة استهدفت البيوت والمدنيين، مما أدى إلى دمار كبير في القرى المحتلة من المحافظة. هذا يعكس طبيعة السلطة التي تتعامل بعنف وتعصّب ديني واضح.

خارطة الطريق الناتجة عن الاجتماع الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن ليست بين ثلاثة أقطاب فحسب، بل بين قوى تُمثل الأميركيين والأوروبيين والعرب. هذه الخارطة فيها مثالب كثيرة لأنها لم تشمل تمثيلاً حقيقياً لأهل السويداء، ويجب النظر إليها سياسياً ووطنياً، مع ضمان مشاركة واضحة لأبناء السويداء في أي ترتيبات مستقبلية، والعودة إلى القرار 2254، وهذا هو الطريق الوحيد إلى الحل».

يرى وضاح عزام أن «الوضع متجه نحو مزيد من التشنج، لأن السلطة الحالية غير قابلة للسير على طريق الحل، وهي حتى لا تسير على طريق تطبيق الاتفاق الثلاثي الذي وافقت عليه بنفسها، بدليل استمرار الحصار وتقييدِ دخول المواد الأساسية، واستمرار سيطرة قوات السلطة على قرى في الريفين الشمالي والغربي بينما ما زال أهل هذه القرى مهجرين حتى اللحظة. هذه السلطة ما تزال تريد فرض سيطرتها على أبناء السويداء، ولا تريد أن تقبل حقيقة أنها باتت مرفوضة تماماً شعبياً فيها».

يرى عمر الأسعد أن «النظام السوري السابق انهارَ نتيجة حرب داخلية مديدة، ومضاعفات حروب إقليمية وتدخلات خارجية باتت معلومة، واستولى على السلطة تحالفٌ من فصائل جهادية، ارتكبت سابقاً وعلى مدار سنوات انتهاكات جسيمة بحق السوريين، وتضم آلافاً من الجهاديين الأجانب، حلّت ما تبقى من الجيش السابق واستبدلَته بمقاتلِيها، وتعمل بشكل حثيث للاستيلاء على أجهزة الدولة المتبقية من إعلام وقضاء وتعليم، وإخضاعها لإيديولوجيتِها وخطابها، وفي هذه الأثناء عادت وارتكبت مجازر على أساس إثني وديني. هكذا، يُصبح سقوط النظام السوري السابق، والمجازر بحق العلويين والدروز، تواريخ في سياق صراعات أهلية وإقليمية مستمرة على المدى المنظور للأسف».

يقول عمر الأسعد إنه لا يرى مخرجاً من استمرار الصراعات «إذا لم يَقُم مشروع أو مشاريع سياسية شجاعة، تتحمل مسؤولية قول الحقيقة للخروج من سلطة الميليشيات وقوى الأمر الواقع، وتطرح بجرأة ما يمكن فعله لإنقاذ ما تبقى من أرواح ونسيج اجتماعي وإمكانية للعيش المشترك، خاصة وأن مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية يبدو أنها انفتحت، بعد تراجع النفوذ الإيراني، ووقوف قوتين إقليميتين هما إسرائيل وتركيا للمرة الأولى على حدود بعضهما دون من يفصل بينهما، وجزءٌ مما تعيشه سوريا من صراعات هو نتيجة لهذا التنافس التركي الإسرائيلي على الإقليم».

المسألة الدرزية؟

مع مجازر السويداء، وما تلاها من حصار وقطيعة واستعصاء سياسي، وما سبقها ورافقها وأعقبها من اعتداءات وتضييق على دروز خارج السويداء أيضاً، بات لدينا اليوم بوضوح مسألة درزية في سوريا، يعتبرها عمر الأسعد جزءاً من مسألة درزية في الإقليم عموماً، ويقول إنها تصاعدت مع تصاعد الصراعات الهوياتية منذ مطلع الألفية، وعلى وقع الحروب والأحداث السياسية في سوريا ودول الجوار: «ما وقع في السويداء من مجازر هو محطّة من محطات تَشكُّل هذه المسألة، وكان سبقها محطات في سوريا مثل رفض التجنيد الإجباري في جيش النظام السابق منذ 2011/2012، ومجزرة قلب لوزة 2015 وما تلاها بشأن مصير الوجود الدرزي في إدلب، ثم اجتياح قرى الريف الشرقي من قبل داعش 2018. كذلك فإنه لا يمكن التغاضي عن أحوال الدروز السياسية وموقعهم في الدول المجاورة، لفهم المسألة وأبعادها ومحطاتها في مجتمع متماسك، تربطه لليوم قرابات من الدرجة الأولى مُوزَّعة على دول الإقليم، ويبقى حريصاً على بنيته، ويستشعر خطورة العبث بها وفرض الوصاية عليها، وهذا العبث لا يمرّ دون مقاومة محلية».

تُظهِرُ الآراء المتنوعة في هذا النص أن الرفض الواسع الملحوظ لسلطة دمشق في السويداء لا ينعكس على شكل تطابُق في الرؤية بشأن المستقبل والحلول للوضع الراهن، لكنها تُظهِرُ أيضاً إصراراً على التصورات اللّامركزية لحل هذه المسألة، وأن الحل لا يمكن أن يأتي من خلال «فرض سلطة الدولة» في السويداء، وأن محاولات سلطة دمشق لفرض نفسها هناك لن تقود إلّا نحو مزيد من تعقيد المسألة، ومزيد من تعزيز مطلب تقرير المصير لدى فئة واسعة من دروز السويداء.