جاء اللقاء بين مسؤولين سوريين وأتراك في أنقرة ضمن سياق إعادة تموضع إقليمي واسع تشهده المنطقة بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني. فتركيا، التي تعدّ الساحة السورية جزءاً من أمنها الجيوسياسي، تسعى إلى توسيع حضورها في ملفات الشمال السوري وتعزيز التنسيق السياسي والأمني مع دمشق. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ متبادلة لضبط الحدود، وإعادة صياغة العلاقات بما يخدم استقرار المنطقة، مع اهتمام خاص بمصير قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومستقبل اندماجها في مؤسسات الدولة السورية.
وكان قد أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أنقرة تأمل في تحقيق اندماج “قسد” مع الجيش السوري قريباً، مشدداً على أن “من يتجه نحو أنقرة ودمشق سيربح، بينما من يبحث عن أوصياء آخرين سيخسر”. كما أوضح أن بلاده تواصل اتصالاتها الشاملة مع دمشق لتعزيز التعاون والحفاظ على مكاسب الاستقرار. وشهد اللقاء حضور وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الاستخبارات من الجانبين، وبحث التطورات الميدانية والتعاون الأمني، في خطوة تعكس تقدماً تدريجياً نحو بناء تفاهمات عملية بين العاصمتين.
قضية إقليمية ودولية
يقول الكاتب والسياسي السوري محمد إرسلان في حديثه لـ”963+” إن الأزمة السورية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل تحوّلت إلى قضية إقليمية ودولية تتقاطع فيها مصالح العديد من القوى.
ويبيّن إرسلان أن دول الجوار السوري، ولا سيما تركيا، تسعى منذ سنوات إلى بسط نفوذها داخل الساحة السورية، مشيراً إلى أن أنقرة حاولت التأثير في مجريات الأحداث سواء عبر دعم بعض الفصائل أو من خلال التدخل العسكري المباشر. وأكد أن لتركيا أهدافاً واضحة تتعلق بالهيمنة على الجغرافيا السورية والتحكم بالقرار السياسي في دمشق.
ويضيف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى منذ فترة إلى فرض نفوذه في سوريا عبر أدوات متعددة، موضحاً أن لقاءاته المتكررة مع المسؤولين الدوليين، ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت تهدف إلى تأمين غطاء سياسي لتلك التحركات. واستنتج أن تصريحات ترامب حول دعم أردوغان لم تكن عبثية، بل تحمل دلالات واضحة على وجود تفاهمات غير معلنة.
ويشير إرسلان إلى أن الاجتماعات المكوكية بين الجانبين التركي والسوري ليست جديدة، ولن تكون الأخيرة، لافتاً إلى أن معظم هذه اللقاءات تأتي متزامنة مع تحركات قوات سوريا الديمقراطية أو وفود الإدارة الذاتية نحو دمشق، مما يدل على سعي أنقرة للتأثير على مجرى تلك الحوارات.
ويرى السياسي السوري أن تركيا تحاول أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الملف السوري، إلا أن هذا الطموح يصطدم بعقبات عديدة، أبرزها تدخلات دول إقليمية ودولية أخرى لا ترغب في ترك الساحة لتركيا منفردة.
ويبيّن أن أنقرة تعمل على استخدام الفصائل الموالية لها كأدوات ضغط ضد قوات سوريا الديمقراطية، بل وتسعى إلى دفعها نحو مواجهة مسلحة معها في مناطق مثل شرق الفرات أو محيط سد تشرين، إلا أن هذه المحاولات فشلت مراراً.
ويوضح إرسلان أن الهدف التركي الأساسي هو الضغط على المكوّن الكردي في سوريا وإضعافه تمهيداً لدمجه قسراً ضمن الجيش السوري الرسمي أو تفكيك تنظيمه العسكري المستقل. وأكد أن تركيا تنظر إلى أي قوة كردية منظّمة داخل سوريا كتهديد مباشر لأمنها القومي.
ويضيف المصدر ذاته أن أنقرة لا ترغب في حلٍّ سياسي للمسألة الكردية داخل سوريا، لأن أي اعتراف سياسي بحقوق الأكراد يُعدّ من وجهة نظرها إقراراً بوجود قضية كردية، وهو ما تخشاه أنقرة بشدة خشية انتقال “العدوى” إلى الداخل التركي.
ويختم إرسلان حديثه بالقول إن تركيا تضغط على ما يُعرف بالحكومة السورية الانتقالية والفصائل التابعة لها لممارسة مزيد من الضغط على قوات سوريا الديموقراطية، بهدف انتزاع تنازلات يمكن لأنقرة استثمارها في مفاوضاتها الداخلية، خاصة في ما يتعلق بملفّ عبد الله أوجلان والورقة الكردية داخل تركيا نفسها.
تعنت تركي
من جانبه، يقول الباحث في المركز الكردي للدراسات، طارق حمو، إنّ التدخل التركي في الشأن السوري ليس جديداً، وخاصة في ما يتعلق بالملف الكردي.
ويوضح حمو في حديثه لـ”963+” أن تركيا ترفض الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وترفض كذلك الإقرار بصيغة اللامركزية، كما ترفض أن تندرج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري ككتلة موحدة.
ويضيف أن الحكومة السورية الانتقالية تتعرض لضغوط كبيرة، إذ باتت تركيا تمارس نفوذاً واسعاً على سوريا، وتسعى لأن تلعب دورًا أكبر من دور إيران نفسه.
ويشير إلى أن دمشق تحاول في المقابل استثمار هذا الضغط التركي لتقليص مكاسب قوات سوريا الديمقراطية والكرد في المفاوضات الجارية.
ويلفت الباحث السوري إلى أن تصريحات الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في صحيفة “ملييت” التركية حملت تهديدًا صريحًا للكرد وقوات سوريا الديمقراطية، عبر التلويح بالدور التركي، مؤكداً أن هذا يستدعي موقفاً سورياً أكثر حزماً وقوة.
لكنّه استدرك قائلاً إن سوريا اليوم ضعيفة اقتصادياً وسياسياً، وتعتمد على تركيا في كثير من المفاصل الحيوية، مثل القطاع الزراعي حيث تتحكم أنقرة بتدفق المياه، وكذلك القطاع الصناعي، الأمر الذي يمنحها قدرة واسعة على التأثير في السياسة السورية وصنع القرار الداخلي.
ويؤكد حمو أن هذا الوضع لن يتغير ما لم تُبدّل تركيا نظرتها إلى القضية الكردية، عبر حلّها داخليًا والتوصل إلى سلام نهائي مع الكرد داخل حدودها.
وفي رده على سؤال آخر حول طبيعة المقاربة التركية تجاه الملف السوري، قال الباحث: “بالتأكيد، المقاربة التركية ما تزال أمنية بحتة، فأنقرة تريد دمج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري كأفراد، لا كهيكلية مستقلة، رغم إدراكها أن ذلك غير ممكن عملياً. فكل فرد يمكنه الانخراط في الجيش السوري، لكن التميّز يكمن في الاعتراف بالقوة كهيكل منظم، كما حدث مع فصائل “الجيش الوطني” الموالي لتركيا، التي انخرطت ككتل عسكرية كاملة تحت أوامر ضباط سوريين مرتبطين بالاستخبارات التركية”.
ويبيّن أن المقاربة التركية تجاه الكرد ذات طابع أمني، لكنها تتحول إلى مقاربة جيوسياسية أوسع تجاه الملف السوري برمته، حيث ترى تركيا سوريا منطقة نفوذ لا يُسمح لأي طرف بالتحرك فيها دون علمها.
ويضيف حمو: “نلاحظ أنه بعد كل اجتماع بين دمشق والإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية، تستدعي أنقرة المسؤولين السوريين للاستفسار عن تفاصيل اللقاء، وتعلن مواقفها فوراً عبر تصريحات رافضة أو مهددة. هذه المقاربة ثابتة حتى الآن، وربما لا تتغير إلا إذا تحقق سلام داخلي دائم بين الدولة التركية والكرد”.
ويتابع حمو قائلاً: “تركيا لا تريد أن يجري أي تطور في سوريا دون موافقتها، فهي تتحكم فعليًا في القرار السوري. وزارات الخارجية والاستخبارات والدفاع السورية تعمل بتنسيق مباشر مع أنقرة. هناك زيارات شهرية متبادلة، وقواعد عسكرية تركية منتشرة داخل الأراضي السورية”.
ويشير إلى أن تركيا فرضت في مناطق سيطرتها نظامًا إداريًا وتعليميًا وماليًا تركيًا، حتى إن بعض مسؤولي المحافظات يحملون الجنسية التركية، وواجهات المحلات تُكتب باللغتين العربية والتركية، كما بدأت اللغة التركية تتسرب إلى التعليم المحلي
ويضيف حمو في ختام حديثه أن هناك مخططاً تركياً للإحلال الناعم في شمال سوريا، خصوصاً في مدينة حلب، بما قد يفتح الباب مستقبلاً أمام ضم هذه المناطق أو منحها وضعاً خاصاً تحت الهيمنة التركية”.
وكان قد أكد وزير الخارجية التركي أن الاجتماع الذي عُقد في أنقرة مع الوفد السوري شكّل تقييماً شاملاً للتعاون الأمني بين البلدين، مشدداً على أن أمن سوريا جزء لا يتجزأ من الأمن القومي التركي.
وأوضح أن المباحثات تناولت الجوانب الاستراتيجية للعلاقات الثنائية والخطوات المشتركة الممكنة لضمان أمن سوريا ووحدة أراضيها، لافتاً إلى أن الجانبين قيّما الخطط العملية بشكل مفصل. كما أشار إلى أن الإدارة السورية تُبدي عزماً واضحاً على تجاوز التحديات، مؤكداً استمرار أنقرة في دعم “الإخوة السوريين” لتعزيز التعاون والاستقرار في المنطقة.
مرحلة جديدة
وبدوره، يرى الباحث التركي إسلام أوزكان في حديثه لـ”963+” أن المباحثات التركية – السورية، التي انطلقت مؤخراً في أنقرة، تعكس مرحلة جديدة من التحولات في موازين القوى الإقليمية.
ويشير أوزكان إلى أن هذه المباحثات تأتي في ظل الأنباء عن توصل دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى تفاهم واسع بشأن دمج قوات قسد في الجيش السوري، وهو تطور وصفه بأنه قد يمنح العملية التفاوضية بُعدًا جديدًا ومفصليًا.
فمن وجهة نظر أنقرة، يعني ذلك أن الطرف المباشر المعني بمخاوفها الأمنية لم يعد “قسد” وحدها، بل الحكومة السورية ذاتها.
وبناءً على ذلك، لم تعد المباحثات تقتصر على ملفات “مكافحة الإرهاب” أو “التنسيق الأمني”، بل بدأت تتشكل حول مبدأ سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، وهو تحول لافت في مسار العلاقات بين الطرفين.
ويرى الباحث التركي أن هذا المشهد يفتح أمام دمشق أفقاً جديداً من الشرعية الميدانية والديبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يفرض على أنقرة إعادة تعريف موقعها العسكري والسياسي في شمال سوريا.
ورغم استمرار حالة انعدام الثقة المتبادلة بين الجانبين، فإن احتمال تسوية ملف “قسد” بهذه الصيغة يمنح المفاوضات أرضية أكثر واقعية للبحث عن حل سياسي شامل.
وباختصار، لم تعد هذه اللقاءات مجرد نقاشات أمنية ضيقة، بل تحوّلت إلى منصة تُناقش فيها ملامح البنية المستقبلية للحكم في سوريا، وموقع تركيا ضمنها.