انتشر تعبير «ثقافة الحياة» باللغة العربية منذ مطلع الألفية، في إطار الجدل المحتدم حول نزعة الاستشهاد والتضحية، التي باتت مركزية في فكر كثير من الحركات السياسية المسلحة، وأنصارها. ففي مواجهة مقولات «الثمن»، الذي على المجتمعات دفعه في حروبها الوجودية ضد العدو؛ وضرورة صمودها وسط الموت والدمار، ركز أنصار «ثقافة الحياة» على مسائل مثل الازدهار الاقتصادي، والاندماج في العالم، والنظام الديمقراطي، والتعليم عالي المستوى، واعتبروها نقيضاً لـ»ثقافة الموت»، التي يحملها المتطرفون. كما رأوا أن بلدانهم بأكملها رهينة لمغامرات مجموعات من المسلحين، تسطو على القرار السياسي، وتودي بالمجتمعات إلى التهلكة. ويمكن اعتبار هذا من أكثر الجدالات مركزيةً في الثقافة العربية المعاصرة، منذ حرب تموز/يوليو 2006، وحتى حرب غزة الأخيرة، مروراً طبعاً بما يسمى «الربيع العربي».
وبغض النظر عن المسارات التي اتخذها الجدل، يبدو طرح «ثقافة الحياة» فقيراً بعض الشيء، إذ لا ينبني على مرجعيات ثقافية واضحة، أو يقدم سلسلة متسقة من المفاهيم، فيما يستند طرح أنصار الحركات المُسلحة على مرجعيات وأسئلة تأسيسية في الثقافة العربية، مثل سؤال الهوية؛ والسؤال حول التراجع الحضاري للأمة (وأفضل من صاغه الأمير شكيب أرسلان، وهو من أعلام ما يسمى «النهضة العربية»: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم»)؛ وكذلك «سؤال الهزيمة»، الذي وصل إلى ذروته بعد هزيمة حزيران/يونيو عام 1967، وكتب حوله عشرات المفكرين والأدباء. كل تلك الأسئلة ركزت على الوضع التاريخي للأمة، وما يميزها عن غيرها، وأسباب ضعفها وانحدارها، اللذين يمكنان العدو من هزيمتها؛ وبحثت عن السبل الأنسب لتجاوز هذه الحال. وأياً كان ما تدعو إليه، سواء التحديث أو الأصالة، العلمانية أو الإسلامية، الديمقراطية أو «الاستبداد العادل»، فما يهمها هو نهوض وانتصار الأمة. قد يبدو ساخراً القول إنها جانب من «المجهود الحربي» للدول والميليشيات، وغيرها من ممثلي الأمة، ولكنها تبدو كذلك بالفعل في اللحظات الفاصلة، ووسط المعارك.
ولكن ماذا عن الحياة نفسها، بوصفها قيمة مستقلة عن الأمة ومعاركها؟ قد يصعب كثيراً إيجاد مرجعيات بالعربية عن هذا السؤال، لها تأسيسها النظري المتين. سنجد أحاديث عن الانفتاح والرخاء والحريات ومقاومة التطرف، ولكن النقد العميق لأسئلة الأمة، وتجاوزها نظرياً، والتأسيس لبدائل لها، وطرح أسئلة جديدة، لا يعدو كونه محاولات فردية لبعض الكُتاب، لم تصل لمرحلة المشروع الفكري المتكامل. يمكننا أن نفهم إذن، دون أن نتفهم بالضرورة، السبب الذي قوبل به طرح «ثقافة الحياة» بكثير من الإدانة والسخرية، فهو ليس مُؤصلاً بما فيه الكفاية، ويبدو أقرب لتهويمات من مترفين، أو من معادين للأمة، لأسباب طائفية أو شخصية؛ كما يُتهم بالغرق في الفردانية أو الفئوية، بعيداً عن معاناة الجموع أو الشعب، وهو على ما يبدو روح الأمة. إلا أن سؤال الحياة ليس ترفاً بكل تأكيد، خاصة في مجتمعات تعاني من دمار غير مسبوق، وتخسر مئات الآلاف من أبنائها، بين قتيل ومُهجر، في صراعات مركبة وشديدة الدموية، بل خسرت نمط تمدنها نفسه، بعد أن باتت حواضرها الأهم أطلالاً، أو في طريق الاضمحلال والموت البطيء. قد لا يتسق السؤال، رغم جماعيته، مع «روح الأمة»، ولكن هل عليه ذلك بالفعل؟ ألا يمكن أن تكون المشكلة في تلك «الروح»، التي باتت خانقة للبشر؟ ربما تحتاج الإجابة لتجاوز الأسلوب السطحي، الذي طُرحت به «ثقافة الحياة»، والتساؤل بدلاً من ذلك حول طبيعة ثقافة، لم تطرح بجدية سؤال الحياة.
أول مرحلة للتجاوز قد تكون التفكير بالمجالات الأساسية، التي يطرحها التركيز على الحياة: استمرارها، أخلاقياتها، مستواها، وجمالياتها. وكل من هذه المجالات ميدان فلسفي كامل. الاستمرارية تحيل إلى القوى الحيوية، وكيفية اشتغالها، وتشابكاتها وصداماتها، وما تنتجه من ظواهر وعلاقات؛ الأخلاقيات تهتم بطبيعة الحكم الأخلاقي، وكيفية بنائه، والقدرة على نقد المرجعيات الأخلاقية القائمة؛ أما مستوى الحياة فهو سؤال السياسة أساساً، وعملها على الأجساد، وتنظيمها للمجتمعات، باقتصادها وعقائدها وأيديولوجياتها وسلوكها؛ فيما الجماليات تركز على الشكل والأداء، وعلاقتهما بالمعنى والحقيقة، وطبيعة «الملذات الجمالية» التي ينتجانها، الأساسية في بناء الذات الفردية والجماعية.
التفكير في مجالات الحياة هذه، لا يتجاوز فقط أسئلة الأمة، ويفككها نظرياً وعملياً، بل أيضاً ينزع بديهية مفهوم «الحياة» نفسه، الذي لا يمكن أن يكون مفهوماً بسيطاً أو أولياً، فهو متعلق بالسلطة والجماعة والمعرفة والأخلاق والجسد، أي أنه في نهاية المطاف، ومثل كل المفاهيم الإنسانية، مبني اجتماعي، وليس طبيعياً. فهل الانطلاق من الحياة نفسها، بدلاً من الأمة أو الهوية، سيساعدنا على تجاوز الأيديولوجيات المتطرفة، التي ساهمت في وضعية الدمار الشامل التي نحياها؟ بعبارة أخرى: هل سيحسن التفكير بـ»الحياة» حياتنا فعلاً، ويساعدنا على النجاة؟
ابتكار «الحياة»
في حواره الشهير مع نعوم تشومسكي، في هولندا عام 1971، قدم المفكر الفرنسي ميشيل فوكو نفسه بوصفه «مؤرخ علوم»، ومن النقاط اللافتة جداً التي ذكرها، تأكيده على أن البيولوجيا (علم الحياة) لم تكن موجودة قبل نهاية القرن الثامن عشر، لأن فكرة «الحياة» نفسها لم تكن قد تشكلت، بوصفها مفهوماً علمياً مستقلاً. وبالتالي لم يكن بإمكان ذلك العلم أن ينشأ، قبل أن تصبح «الحياة» موضوعاً للمعرفة في العصر الكلاسيكي. قبل ابتكار مفهوم «الحياة» الحديث، كانت توجد فقط كائنات، أجسام، أنسجة، يتم تشريحها، والمقارنة بينها، وتصنيفها. بعد ابتكاره، صرنا في عصر تعتمد كثير من علومه وسياساته على التعامل مع «الحياة»، وتفحصها ومراقبتها. لا يعني هذا أن الناس لم تكن تعرف الحياة والموت قبل ذلك العصر، ولكن الحياة في ذاتها لم تكن موضوعاً مستقلاً، بل كانت مختلطة بالدين، والتقليد، والعرف، وكان التعاطي معها ملحقاً بتلك الميادين؛ فيما العلوم القديمة لم تكن تحتاج إلى هذا المفهوم، فقد كانت تعتمد على الوصف الظاهري، والتأمل في نظام الطبيعة، وما وراءها.
إلا أن ميشيل فوكو ليس مجرد مؤرخ أكاديمي للعلوم، بل صاحب واحدة من أهم النظريات عن السلطة في التاريخ، وبالنسبة له فإن ظهور حقل معرفي جديد، يعني ظهور ميدان جديد من ميادين السلطة، والعكس صحيح. ظهور «الحياة»، بوصفها موضوعاً معرفياً، ترافق مع ظهور مؤسسات وآليات وتقنيات جديدة، لرقابة الحياة، وتطويعها، ومنها المستشفى، والمستشفى العسكري، والسجن، والمدرسة الحديثة، وهكذا ظهر ما يسميه «السياسات الحيوية» Biopolitics، وانبثق نمط جديد من السلطة هو «السلطة الحيوية» Biopower، التي تُعنى سياسياً بكل مناحي الحياة: الولادات والوفيات، مستوى الحياة، إحصاء السكان، الطب والطب الوقائي، الجنسانية، إلخ.
عندما نتحدث عن الحياة، وثقافتها، فنحن نستند إلى مفهوم مرتبط بقوة بالمعرفة والسلطة الحديثة، وليس بإمكاننا على الإطلاق تجاوز ما أنتجه التحديث من ميادين، ساهمت بصياغة أجسادنا وذواتنا نفسها. الأمر ذاته ينطبق على أنصار «الأمة» ومعاركها، فهم ليسوا مقبلين من عصور ما قبل حديثة، بل يستندون إلى المفهوم الحديث لـ»الحياة» نفسه، ولكن من زاوية أخرى، فهم يرون «الحياة» سلاحاً، دائم التوالد، في المعركة الوجودية ضد العدو؛ ويؤكدون حق «الأمة» في ضبط الحياة، واستعمالها، بما يلائم «المجهود الحربي». يمتد هذا من الأخلاقيات الجنسانية البسيطة، والنوع الجندري، وحتى حياة وموت أطفال الأمة أنفسهم. ربما يكون النقد الأساسي لهذا التصور هو التشكيك بالسلطة التي تمنح لنفسها كل هذه القوة الضارية على أجساد البشر، والتي ترى أن من حقها السيطرة حتى على الأرحام، ورقابتها، باعتبار أن «معركة الأرحام» جانب من صراعات «الأمة»، التي تدمج، وتوحد، وتصهر، وتراقب وتعاقب، وتطبع وسمها على الأجساد، وتُعدم جماعياً في مشاهد احتفالية؛ وتتوفر لها إمكانيات للسيطرة والتطويع والحشد، غير مسبوقة تاريخياً، هي تقنيات السلطة الحديثة وأجهزتها.
ورغم الاهتمام الكبير، والعمل الواسع على «الحياة»، من قبل هذا النوع من السلطات، إلا أنها تموه الموضوع الحياتي، ولا تذكره في أدبياتها وخطابها، بل تجعله ملحقاً ثانوياً بأسئلة الأمة، المذكورة سابقاً، مثل الهزيمة و»النهضة» والهوية. وهو تمويه قاتل، حقيقةً لا مجازاً، إذ يُنتج حشداً، يمكن «الاستثمار» في حياته حتى آخر رمق؛ ويعجز، في الوقت نفسه، عن طرح أي سؤال واعٍ عن الحياة.
في محاضراته المتأخرة، أبدى فوكو رفضه لسؤال المعرفة في التعاطي مع الحياة، فهو بالنسبة له سؤال السلطة. وطَرَح سؤال «الإيتك» (الفلسفة الأخلاقية) بديلاً عنه، غير أن ذلك قد يكون ترفاً لمفكر غربي، اكتمل عنده الشرط الحديث بشكل نموذجي، فيما لا يتوفر هذا الشرط لمنطقتنا، التي تختلف «حداثتها» بنيوياً.
في حالتنا يغدو الحديث عن الحياة، ومحاولة معرفتها بشكل أكبر، والتنوير بخصوصها، والتركيز على استمراريتها ومستواها (سؤالا القوى الحيوية المُنتجة، والسياسة)، أحد أهم أساليب مواجهة الاحتيال الأيديولوجي، الذي يمارسه أنصار الأمة وسلطاتها. دون التخلي بالطبع عن سؤال «الإيتك»، أو حتى الجماليات.
أخلاقيات وجماليات
لا تموه السلطة/الأمة أسئلة الاستمرارية والسياسة فقط، بل تجعل طرح السؤال الأخلاقي متعذراً، إذ لا توجد إلا شرائع وأوامر، علينا الالتزام بها، التشكيك بها هرطقة، تُدرج تحت طائلة الكفر أو الخيانة، أو حتى الانفصال عن الشعب والناس، والخضوع للكولونيالية والإمبريالية والرجل الأبيض، وغيرها من التُهم المُحدثة، التي انتشرت مؤخراً مع «اليسار الناشطي»، وهو «يسار» الأمة نفسها، التي يقبع الإسلاميون على يمينها. يخدم «اليسار» و»اليمين» السلطات ذاتها في نهاية المطاف، سواء كانت دولاً أو أشباه دول، أو ميليشيات، ويثبتان نمطاً موحداً من أخلاق الطاعة، وبالتالي فإن إعادة طرح سؤال الأخلاقيات، بما يتضمنه من نقد المرجعيات الأخلاقية، وتفحص طبيعة الحكم الأخلاقي، يساهم في مقاومة السلطات المدمرة للحياة، وقد يساهم في النجاة من معاركها التي لا تنتهي.
بالنسبة للجماليات، فنحن نعاني من فقر واضح في التأمل الفلسفي بها، وتقتصر علاقتنا بها غالباً على الاستنساخ والتقليد والاستيحاء، دون إطار نظري ومفاهيمي متماسك، ما يجعل حتى جماليات أنصار «ثقافة الحياة» أقرب لـ»الكيتش»، أي الأشكال والأداءات المبتذلة والمتكلفة والإنشائية، لأنها بالضبط تحاول أن تبدو راقية أو رفيعة، أو حتى «متمردة» و»مضادة»، دون تفكير جدي بمعنى كل هذا، أو قادرة على نقد وتحليل الجماليات التي تحاول تقليدها. ربما أيضاً يساهم طرح سؤال الجماليات في إعادة إنتاج الذات الفردية والجماعية، عبر تفحص الشكل والأداء، المتعلق برغبتنا وخيالاتنا، وأدوارنا ورموزنا الاجتماعية، بعيداً عن السلطة/الأمة، التي تعرقل طرح كل الأسئلة.
«أمة» دون أخلاقيات أو جماليات سهلة الانقياد إلى حد كبير، وهذا يصبح مأساةً تاريخية، حين يبدو أنها تُقاد إلى الانحدار إلى الهمجية الكاملة. قد يكون مفهومنا عن «الحياة» مشوهاً للغاية، بل حياتنا نفسها رخيصةَ علينا، لأن حضور التأمل الأخلاقي والجمالي ضعيف للغاية في ثقافتنا، ما يحرمنا حتى من احترام وتقدير ذواتنا، ووجودنا الاجتماعي. تحتاج «الحياة» إذن إلى كثير من السياسة والأخلاقيات والجماليات، كي تؤمن استمراريتها، ويمكن اعتبار كل تلك الميادين الأسئلة الأساسية للتنوير، وهو في حالتنا ليس ترفاً فكرياً، بل محاولة للنجاة. وهذا قد يجعل أسئلتنا في ما وراء النصر أو الهزيمة، وفي ما بعد الأمة.
كاتب سوري