عملياً، ما يحدث في سورية اليوم هو نهاية كلاسيكية لدولةٍ متهالكة خرجت من جورة الاستبداد، وقد تحوّلت ميدانَ صدامٍ فوضويٍّ يصبح العنف فيه وسيلةً لإدارة المجتمع، لا لكبته فقط. لكن هذا لا يعني القفز فوق الدلالة البالغة للتشوّه الذي لحق بـ”الذاكرة السورية”، أبرز مخرجات “مزرعة الأسد” التي ابتكرت نوعاً مستجدّاً من المواطنين المشبّعين بسردياتٍ تاريخية مشوّهة، يحاولون استعادة الأصل منها، عبثاً. وعليه، تُثار خصوصية المواطنة العادلة، بينما يفشل السوريون في تقاسم الأعباء والعوائد الوطنية، لعدم انخراطهم في مراجعةٍ جادّةٍ لنصف قرن من الديكتاتورية. وهذا من القطعيات، فالشعوب تتغذّى من مخيالها الجمعي للوقوف على أخطائها بدلاً من تعليقها على شمّاعة المؤامرات، خصوصاً أنّ الذاكرة السورية “الممسوخة” باتت تغذّي مظاهر “التوحّش الوضعي” على اعتبار أنّ له مبرّراته داخل فضاء منفلتٍ يفيض بالانفعالات والمظلوميات، وتتكثَّف فيه لغةٌ التخوين لإعادة تدوير سرديات الانقسام الاجتماعي والسياسي في أشكال إقصائية حادَّة، تُسهم في إعادة تشكيل وعي السوريين وتحديد مصائرهم.
ويتجاوز خطاب التوحّش أن يكون مجرّد طارئ لغوي يصوّر قدرة “ذاكرة القهر” على الكتابة والمحو، بل هو صراعٌ كامنٌ في تاريخ الهُويَّات السورية المتنازعة، أقلّه منذ ستينيّات القرن الماضي، فالأمر يتعلّق بذاكرة انتقائية “طائفية” تبدو مسرحيةً هزليةً مُحكمةَ الإخراج، شأن جلّ الأشياء المصيرية التي لم تسلم من تلاعب نظام الأسد ومكره، متعرّضة لتأويلات خبيثة، وها هي تُلقي بظلالها السوداء على مجتمعٍ يعاني حالة استقطاب متطرّف، مستفيدةً من الفراغ السياسي، وتآكل المرجعيات الجامعة التي يُفترض أن تؤطّر المجال العام.
وللمفارقة، سورية، الأرض التي انطلقت منها شرارة الحياة وعرف العالم دمشق أمّاً للعواصم، مُسخت (طوال عقود) حظيرةً وحّدت السوريين تحت مظلة واحدة، “ذاكرة العار”، متجاهلةً تعقيدات رؤاهم وخلفياتهم. هذا الاحتجاز المهين لشعبٍ عظيم كان يربّي ذاكرة غاضبة تتغذّى من عمق الشقاق والشعور بالعزلة عن المجتمع، إذ كان السوري يُولد بعثياً، ويشبّ طلائعياً، ويراهق ثورياً، ويموت ممانعاً، من دون أن يدرك الحدّ الأخلاقي المستقلّ بين حيّز الدولة وحيّز الحظيرة، لتنشأ عصبيّات أوليّة أرجعته إلى عهد ما قبل الدولة، مُفعِّلة قوانين محلّية للتحكّم بشريعة التوحّش، التي لا بدّ أن يكون لها سطوة مطلقة عند انفراط عقد القانون وتفسّخ الميثاق الوطني.
فكيف ستُفهم إذاً مصطلحات من قبيل: “بنو أميّة”، و”حلف الأقلّيات”، و”فزعة العشائر”، و”مكوّعون”، و”انفصاليون”، و”طبق الكرامة”… إلخ، من دون ربطها بشكلٍ عضوي بذاكرةٍ ملتبسة وغائمة الملامح، تدير اليوم عجلة العنف والفرز المجتمعي بحرفيةٍ صادمة، ما يطرح فهماً مكمّلاً لكيفية تحوّل اللغة، والرموز، أدواتٍ متوحّشة، سلاحاً قاطعاً يُعيد تعريف كلّ شيء، معتمداً إحياء الانقسامات التاريخية قطيعةً وجوديةً تنفي إمكانية العيش في وطن واحد، بينما يرى مراقبون أنّ هذه الظاهرة الشاذّة لا يمكن ردّها إلى عامل منفرد، بل إلى تضافر ديناميات متراكمة أفقدت المجتمع السوري عصبه الروحي إثر تحوّله ذاكرةً فارغةً من الحوار الوطني والمشترك الإنساني.
والأمر لا يتعلق هنا بتقديم وصفةٍ سياسية جاهزة للجم مارد الذاكرة الغاضبة، بل في إعادة تعريف الوطن السوري نفسه، خاصّة أنه ما إن تُدغدَغ خواصر التاريخ حتّى يستيقظ السوريون على صراخ مجازر وأحقاد..، أمّا التساؤل المجدي هنا: هل يخاف الشعب السوري حقّاً من خسارة ذاكرته كي لا يُترك فريسةً للعبث السلطوي الانتقائي؟ وهل يدرك أنّ الطريق نحو دولة المواطنة لن يأتي أوتوماتيكياً بعد انهيار نظام الأسد، بل عبر بناء ثقافةٍ واعية تسمح لهم بمساءلة أنفسهم والآخرين من دون خوف أو تخوين؟ وقد بلغت الاتهامات درجةً تعطلّت فيها لغة الكلام، وغاب الحسّ الوطني الذي يُعلي الذات الجمعية على حساب الذوات الضيقة.
في ضوء ما سبق، يبدو أثر السياسة التدميرية التي استمرّت حتّى فرار الأسد ظاهراً في كلّ مكان، من خلال خلق نقاط ارتكازٍ قسريةٍ عبر العنف المفرط، محولاً ذاكرة البشر والحجر والشجر “عبئاً تاريخياً”. هناك خطابات متناقضة، وروايات مشوّهة، وأحلاف متعدّدة، ورؤىً متشرذمةٌ حتّى في الفريق الواحد، وهنا اقتتال وصدام وخلاف على أتفه الأمور وأعظمها، نتيجة تراكم الصور مسبقة الصنع مشكّلةً مادّةً غنيّةً للصراع يُعاد تدويرها حسب الحاجة أو المصلحة. مثلاً جاء إلغاء السلطة الجديدة إحياء ذكرى حرب تشرين (الأول) عام 1973، ليزيد حدّة الجدال ويشعله، فبينما يعتبر فريقٌ الحربَ تجسيداً لخيانة حافظ الأسد، يجزم فريق آخر أنها لم تكن بين نظام مستبدّ ودولة عدوة، بل كانت بين سورية وإسرائيل. يشكّل هذا المثال دليلاً حيّاً على إشكالية الذاكرة “الوظيفية” وتعظيم ما هو مختلف على حساب ما هو مشترك، وهو واقع تتقاطع عنده مجموعة من الأمور الوجودية التي تعرّضت للاهتزاز في الآونة الماضية.
بالتساوق مع مقولة الفيلسوف الفرنسي موريس هالبڤاكس: “الذاكرة لا تُحيي الماضي، ولكن تُعيد تشكيله”، تبدو أيُّ سردية نمطية واعية بمركزيتها، ومهما بلغت قدرتها على الإقناع، غير قادرة على الصمود إذا استُبعدت مكوّنات كاملة من ذاكرة وطن يُفترض أن يُؤسَّس عليها مستقبل “سورية الجديدة”. بالتالي، كلّ ما تقدّم يطرح فكرةً في غاية الخطورة، وهي صناعة جمهور محدّث بذاكرة مشبوهة، غائب عن السؤال الأخلاقي الملحّ حول مستقبل البلاد، كي يكون هناك دائماً انتكاسةٌ هائلةٌ في عملية التحوّل المشتهى، خاصّة أنه غير قادر اليوم على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومجتمع لا تزال بنيته الهشّة في طور التكوين، فيما يخيّم على المشهد العام انعدام الثقة وتراكم الأحقاد، وتُوظّف المظلوميات أداةً في الصراع السياسي وتصفية الحسابات. هكذا تتحوّل الذاكرة المشتركة رافعةً وطنيةً منتهيةَ الصلاحية، فتنزلق إلى حرب “الهُويَّات القاتلة”، ولن ننكر أنّ الصراع القائم حالياً بين من يملك ذاكرةً مثخنةً بالدماء، ومن يُنفَى عنه هذا القهر، فيتبنّى سياسة العدالة “الانتقامية” ضدّ من يطالب بحقّه في الحياة.
في ضوء المحدّدات السابقة نرى علاقة مطردة بين إشكالية الذاكرة وتعثّر المواطنة، والدليل إعادة إنتاج المجتمع السوري على نحو أكثر حدَّةً واستقطاباً من خلال ذكرى مجزرة حماة (1982)، وأيضاً مجازر الحولة والغوطة الشرقية وحيّ التضامن… بعد عام 2011، عبر آلياتٍ يمكن رصدها بوضوح جليّ في الحالة السورية منها تبرير مجازر العلويين على أنها ردُّ طبيعي على “انقلاب” عسكري ضدّ السلطة الجديدة، تسويق رواية القتل الطائفي على أنها حربٌ صرفة ضدّ “فلول” النظام البائد، وتحميل المرأة “السبور” مسؤوليةَ اختطافها، وحتّى اغتصابها… إلخ.
بناء عليه، سيبقى السوريون منهمكين في أكل لحم بعضهم لأنهم بلا رواية وطنية توحّد الهموم والآمال، حتّى ذاكرتهم القريبة غير متّفق عليها، تُركت مليئةً بالندوب ففَقدَ الحاضر المرتبط بها حيويته الولّادة ليصبح متوحّشاً في ذاته، إمّا لكونها ما تزال موضوع تأويل سياسي لإنتاج الطاعة، أو لفيض تداعياتها السلبية على مستقبلٍ يتعرّض لاستلابٍ مرير.
نافل القول، في الصراعات الوجودية تتحوّل الذاكرة الرمزية فضاءً مادّياً حاملاً للصدام، لذا تغدو هدفاً حيّاً يتوجّب اغتياله لاقتلاع ملامح التمرّد وإعادة إنتاج المشترك الوطني بتصورٍ سلطويّ جديد، فالذاكرة الوطنية مركِبٌ إنْ يغرقَ، يغرقُ معه الجميع.
المصدر العربي الجديد