لم يكن سؤال الهويّة في سورية مسموحاً أن يكون موضوعاً للنقاش العام، إذ اختُزل في سردية واحدة تفرضها السلطة، حيث استُغلت العروبة إطاراً أيديولوجيّاً للهيمنة السياسية والثقافية، وهو ما فعله حافظ الأسد ومن بعده ابنه. لكن اللافت أن هذه الهيمنة لم تكن في صالح العرب أنفسهم داخل سورية، الذين لم ينعموا بحرية الفكر ولا بالعدالة الاقتصادية. بقيت الهويّة محصورة ضمن دوائر نُخب مختارة بعناية من النظام، فيما غُيبت عنها إمكانات العمل الثقافي والاجتماعي والسياسي الحر. ورغم محاولات شخصيات فكرية بارزة كسر هذا الاحتكار، بقي تأثيرهم محدوداً، لأن البنية السياسية والثقافية للنظام كانت مُحكَمة الإغلاق.
خلال العقد الأخير، تحوّل سؤال الهويّة من ترفٍ نخبوي إلى سؤال وجودي يواجه به الجيل السوري الجديد نفسه، خصوصاً من أبناء القوميات والمكوّنات المُغيبة. أصبح التساؤل “من أنا؟” و”ما هي هويتي؟” فعل مقاومة رمزية وسط حطام دولة ومجتمع، بعد أن تهاوت الصور الكبرى عن الهويّة السورية التي لطالما ردّدناها عنوة، في المدارس والمعسكرات والقصائد. لم يعد السؤال عن الهويّة بوصفها رمزاً سياسيّاً، بل عن بقاياها: هل يمكن أن تُعاد صياغة هويّة سورية جامعة بعدما استحال التنوّع إلى خنادق، والأقليات إلى رهائن في رواية الأغلبية، واللغة إلى أداة تزييف وخطاب سلطوي؟
لقد جرى في سورية تسييس الهويّة وتوظيفها لخدمة مشروع السلطة. لم يكن هناك تركيز على العروبة خياراً ثقافيّاً مشتركاً، بل على أنها إلزام عقائدي. كان الكردي يُجبر على أن يكون عربيّاً، والآشوري والمسيحي جرى اختزالهما في هويات دينية خالية من بعدها القومي أو الثقافي، والعلويون جرى استخدامهم رافعة أمنية من دون أي تمكين حقيقي. هكذا تشكلت هويّة مزدوجة: واحدة جامعة للخوف والفقر، وأخرى ضيقة تخص دائرة النظام. كما قال أمين معلوف في “الهويات القاتلة”، حين تُختزل الهويّة في عنصر واحد تصبح أداة قتل، لا تعريف. هذا ما حدث في سورية تماماً، حيث غُيبت بقية الهويات عبر الإنكار، لا عبر الحوار أو الإدماج.
في زمن ما بعد القتل، تكون الكتابة والمسرح والفن أول أدوات الترميم
ثم جاءت الثورة، فانفجرت معها كل الهويّات المكبوتة. خرج الكرد يهتفون بـ “آزادي”، وكسرت الطوائف صمتها، وصرخ المهمّشون بما كانوا يخجلون قوله. لم تعد الهويّة شيئاً سرّياً، بل أصبحت الشارع نفسه، صارت جزءاً من الدم المسكوب. حينها، لم يكن السوري سنيّاً أو كرديّاً أو علوياً أو درزياً أو مسيحياً فقط، بل كان حاملاً لعذابات مشتركة، وعليه أمل مشترك أيضاً.
أسئلة كهذه ليست حكراً على السوريين. واجهت مجتمعات كثيرة ممزّقة سؤال الهويّة في خضم الحروب والانهيارات. تساءل الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو بعد الحرب العالمية الثانية: هل يمكن كتابة الشعر بعد الحرب؟ كان تساؤله عن الإمكان الثقافي بعد العنف، لا عن الجماليات فقط، فحين تُشظّى المجتمعات، لا يبقى سوى الثقافة ملاذاً أخيراً للمشترك الإنساني. في زمن ما بعد القتل، تكون الكتابة والمسرح والفن أول أدوات الترميم، كما كانت في عديد من دول ما بعد النزاع، مثل
لبنان، رغم الهشاشة في كل شيء، إلا في السردية الثقافية بتنوعها واختلافاتها. في أثناء دراستي الأكاديمية، كُنت أتردّد على بيروت وخلدة كثيراً، شدّني ما شاهدته من التنوّع الثقافي لدى المجتمع المحلي، من جبران إلى فيروز، ومن مارسيل خليفة إلى ربيع مروة، ورغم أن الثقافة في لبنان لم تحسم الجدل، لكنها كانت تسمح بالتعبير بأبهى صورها.
كما تقول الكُتب إن جنوب أفريقيا لم تعتمد على المصالحة القانونية فقط، بل كان المشهد الثقافي الأوسع الوعاء الجامع، من أغاني مانديلا، إلى الرقص والشعر والغناء. كما أن التجربة البوسنية ما بعد المجازر لم تلجأ إلى سردية الكراهية في بناء هويّتها، بل شكل المتحف والرواية والمسرح المدماك الهويّاتي رغم التمزّق الإثني.
لا يمكن أن تكون هناك هويّة سورية قابلة من دون اعتراف بالاختلاف أساساً للتعايش
إلا أن المفارقة العجيبة أن إعادة إنتاج الهويّة السورية لم تنشأ من داخل البلاد، بل من خارجها. في المنفى، عبر روايات المنفيين، وسينما الشتات، ومسرح المنافي، وأغانٍ لمغنين شُبّان في إسطنبول وبرلين وهولير وفيينا. لم تعد دمشق وحلب وقامشلو حواضن التعبير عن الهويّة، بل صارت المنافي المختبر الثقافي. لقد هاجرت الثقافة، وهاجر معها السؤال: هل بإمكان المنفى أن يُعيد إنتاج هويّة؟ أم أنه فقط يُضخّم الحنين إلى وطنٍ لم يعد موجوداً؟
في هذا الغياب، تبقى الثقافة السورية عالقة بين خطابين متناقضين: خطاب نُخب السلطة التي تحاول إعادة تدوير المفاهيم القديمة عن الهويّة الوطنية وفق سردية قديمة غير مناسبة والوضع السوري الجديد. وخطابات محلية للطوائف والقوميات وهي رد فعل على الخطاب الأول، وتسعى، من خلاله، إلى فرض وجودها الهويّاتي. ومن ثم يترسَّخ الانقسام أكثر، بدل تجاوز الانهيار. النتيجة: لا مشروع ثقافي جامع، ولا هويّة جديدة، بل فقط فيض من السرديات الجهوية والتخوين المتبادل.
من هنا، لا يمكن بناء الهويّة بقرار سياسي أو مؤتمر للمعارضة أو نشيد وطني، كما يُحاول بعضهم. الهويّة تُبنى بالزمن، بالاعتراف، بالسردية الجمعية. كما يقول بول ريكور: الهويّة تمر عبر سرديات الذات، وتحتاج إلى الاعتراف والذاكرة والتأمل. أما غرامشي، فيرى أن الهويّة تتشكل داخل حقل الثقافة، باعتبارها ساحة صراع، من يربحها يربح وعي الجماهير.
في الحالة السورية، لم يُطرح السؤال الجوهري: من يملك حقّ تعريف السوري؟ هل هي الدولة؟ المثقف؟ الضحية؟ الناجي؟ من بقي؟ من نُفي؟ الأسئلة لا تزال بلا إجابة. لكن يمكننا البدء من نقطة الاعتراف بأننا لم نكن أمة متماسكة، بفعل السياسات المختلفة منذ الانتداب الفرنسي، وأن ما جمعنا لعقود لم يكن سوى الخوف، لا العقد الاجتماعي.
نحتاج إلى مشروع ثقافي وطني يبدأ من الحكاية، من المدرسة، من الأغنية، من القصة التي يرويها الأب لابنه عن مدينة لم يرها بعد
هل نمتلك في سورية الشجاعة لنُعيد تخيّل السوري الممكن، لا السوري النموذجي “الموديرن”؟ السوري الذي يتحدّث بأكثر من لغة، يصلي أو لا يصلي، يعيش في الداخل أو في المنفى، لكنه لا يفرّط في ذاكرته. والمؤسف، ضمن هذا الطرح، أن الأدب السوري لم يُخاطب هذا التعدد. الأدباء الكورد والآشوريون كتبوا بلغاتهم عن أوطانهم الخاصة، ولم يكتبوا عن السوريين عموماً، والأدباء العرب لم يتناولوا عذابات الآخرين في رواياتهم.
ختاماً: لنبدأ من جديد، بهويّة لا قاتلة ولا منفية. لا يمكن أن تكون هناك هويّة سورية قابلة من دون اعتراف بالاختلاف أساساً للتعايش. صحيحٌ أن قصيدة شعرية، أو مقطعاً نثرياً لا يُمكنهما إعادة بناء ما دمرته البراميل، لكن الكتّابة الجمعية قادرة على كسر الصمت، على قول ما لا يُقال في الإعلام. وصحيح أن الفن لا يُعيد تشييد البيوت، لكنه يُوقظ الأحلام من سُباتها، ويُعيد إحياءها، على أمل عودة وظيفة المثقف في حراسة السؤال النقدي، لا الجواب على مقاس السلطة، فالهويّة ليست ما نقوله عن أنفسنا، بل ما نفعله بأنفسنا. لا نكون سوريين لأننا وُلدنا هنا فقط، بل لأننا قرّرنا أن نصبح شيئاً جديداً بعد كل هذا الخراب.
نحتاج إلى مشروع ثقافي وطني يبدأ من الحكاية، من المدرسة، من الأغنية، من القصة التي يرويها الأب لابنه عن مدينة لم يرها بعد. مشروع يعترف بالكردي والآشوري والمسيحي والعلوي والمسلم أعمدة للبيت السوري، لا تهديداً له. فهل نملك الشجاعة لنقول: نعم، نريد أن نكون سوريين من جديد؟ ليس كما أرادنا “البعث”، ولا كما رسمتنا الحرب، بل كما نريد نحن، بكلماتنا، لا بأسلحتهم.
