ملخص
ترصد العلاقة الملتبسة بين الشخصيتين في أطوارها المختلفة، بدءاً من تصدي الحشاش لصاحب الديوان في مكتبة قلعة آلموت وحؤوله دون حرق كتب الحشاشين، مروراً بقيام الثاني باعتقال الأول والزج به في حجرة مظلمة، وانتهاء بالتعاون بينهما.
الصراع على السلطة في دواوين الحكم بين مراكز القوى المختلفة، بعد أن توشك الدول على الزوال أو قبل أن تتمكن من توطيد أركانها، وما يستخدم فيه من دسائس ومكائد ومؤامرات، وما يتمخض عنه من نتائج خطرة ونكبات قاتلة، هو الفضاء الذي تدور فيه أحداث رواية “جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش” (دار نوفل) للكاتب زياد مبارك، وهو مهندس وقاصّ وروائي سوداني
تجري أحداث الرواية في بغداد وجبال الديلم بين نهايات الدولة العباسية وبدايات الدولة المغولية، خلال مرحلة تاريخية زاخرة بالصراعات والتناقضات، وتتمحور حول شخصيتين محوريتين، الأولى شخصية صاحب الديوان علاء الدين الجويني، المتحدر من أصول فارسية، وتمثل السلطة الجديدة الحاكمة والثانية هي شخصية الحشاش المتعدد الأسماء الذي نشأ في كنف الحشاشين في جبال الديلم ويمثل المعارضة.
وترصد العلاقة الملتبسة بين الشخصيتين في أطوارها المختلفة، بدءاً من تصدي الحشاش لصاحب الديوان في مكتبة قلعة آلموت وحؤوله دون حرق كتب الحشاشين، مروراً بقيام الثاني باعتقال الأول والزج به في حجرة مظلمة، وانتهاء بالتعاون بينهما، على أن هاتين الشخصيتين تتقاطعان في نقاط معينة، وتفترقان في أخرى. وتحف بهما شخوص ثانوية، تتعالق معهما أو مع إحداهما، بصورة أو بأخرى، سواء من موقع الصديق أو الخصم. والرواية، في نهاية المطاف، هي حصيلة هذا التعالق بين الشخوص.
يتحدر علاء الدين من أسرة فارسية، تتوارث أجيالها العمل في الدواوين الحكومية. ولذلك، اتخذه الغازي المغولي كاتباً لديوانه، وعهد إليه بكتابة عهود الأمان للمحاصرين داخل أسوار بغداد، حتى إذا ما شعروا بالأمان وخرجوا إليه، يتنكر لعهوده ويقوم بقتلهم عن بكرة أبيهم، فيشعر كاتب العهود بأنه شريك في الجريمة، وينوء تحت وطأة شعور ثقيل بالذنب. وحين يعيّن نائباً للحاكم المغولي وصاحباً للديوان، بعد عام من تلك الواقعة، يأخذ على عاتقه إعمار المدينة وقطع دابر الفساد والفوضى فيها، في محاولة منه للتكفير عن ذنب التعاون مكرهاً مع الغازي المغولي، مما يثير حفيظة المتضررين من إجراءاته، فيتربصون به الدوائر ويتحينون الفرصة الملائمة للإيقاع به لدى المغول، مما يتحقق في نهاية الرواية. لكنه في مواجهة المتربصين به، يستعين بأخيه الوزير شمس الدين في بلاط الحاكم المغولي، ويكلف صديقه الحشاش مهمات معينة توطد حكمه وترعب خصومه، فيقوم بها على خير وجه.
على أن التكفير الأهم عن الذنوب الذي يختم به حياته، يحدث بعد نكبة المغول أسرته والقضاء عليها، وبعد هربه من بغداد إلى تبريز حيث توجد قبور أسلافه، ويكمن في وضعه كتاباً يفضح فيه حقيقة المغول، ويعيد وضع الأمور في نصابها، بعدما كان وضع كتاباً في تمجيدهم. وبذلك، يموت متخففاً من الذنوب التي أثقلت كاهله، وينتقم للضحايا بتعرية الجلادين.
وجوه متعددة وشخصية واحدة
في المقابل، تأتي شخصية الحشاش إشكالية بامتياز، إذ تمتلك قدرات خارقة وتحسن توظيفها، وتتقن التخفي وانتحال الأدوار، وتتعدد أسماؤها ووجوهها في الرواية والأسلاك السردية التي تنتظمها. ويمكنني القول، بعد قراءة مئات الروايات، إنها المرة الأولى التي تطالعني شخصية روائية بهذه المواصفات، ذلك أن الحشاش هو جوتيار وحسن والظافر بدين الله وآزاد الفارسي. ولعل الظروف التي نشأت فيها هذه الشخصية أسهمت في تشكيلها على هذا النحو، فالحشاش انتزع رضيعاً من صدر أمه بعد قتلها من جماعة الحشاشين وقام زعيم الجماعة بتبنيه بعد إطلاق اسم جوتيار عليه وتدريبه على فنون القتل وتكليفه تنفيذ مهمات قذرة، وهو لم يتجاوز الـ13 من العمر. وحين يعثر عليه فيروز الفارسي في وادٍ سحيق وهو بين الحياة والموت ولا يستطيع الكلام، يظنه أخرس وينقذه ويضمه إلى أسرته المؤلفة من الزوجة زهراء والابنة فاطمة، ويطلق عليه اسم حسن، تيمناً باسم ابنه الذي فقده، ويعلمه مهنته في اجتناء الحشائش وفرزها. وحين يتخذه علاء الدين مساعداً له ينتحل اسم الظافر بدين الله ويقوم بدور الفارس الملثم الذي يلقي الرعب في النفوس ويستوفي الضرائب من التجار المتهربين من الدفع ويبالغ في استخدام سلطته حتى حدود الظلم. وحين يزمع على الزواج بابنة الأسرة التي احتضنته يصطنع الغنى ويبني له قصراً منيفاً وينتحل اسم آزاد الفارسي.
على رغم إتقانه التخفي والانتحال وتعدد الوجوه، فإن ما ارتكبه من جرائم بأمر من جماعة الحشاشين يتحول إلى لعنة تطارده، على صورة صوت داخلي، يطلع من رأسه في كل حين، ويمعن فيه توبيخاً وتأنيباً وتهديداً بسوء المنقلب، غير أن هذا الصوت يأخذ في الخفوت تدريجاً حتى الاختفاء في نهاية الرواية، كلما قام بأعمال من شأنها التكفير عن الذنوب التي تثقل كاهله منذ الفتوة. وفي هذا السياق، يتنكب أمر مقاومة المغول في الأسبوع الأول للغزو ويقتل عدداً كبيراً منهم. ويخلص للأسرة التي احتضنته، ويحرص على تأمين المأوى والقوت لها في ظل الحصار، ويتوج إخلاصه بالاقتران بابنتها فاطمة. يكتب الطروس التي يعترف فيها بقتل عمر الشامي وزوجته في دمشق، على مرأى من ابنتهما الصغيرة، ويرسلها إلى الأب الثاكل طالباً منه المغفرة والسماح. ويستوفي الضرائب من المتهربين من دفعها، ويلقي الرعب في نفوس الموظفين الفاسدين.
ويخلص في صداقته لصاحب الديوان ويتفانى في خدمته، حتى إذا ما فتك المغول بأسرة الأخير وعزلوه من منصبه، وقتلوا زوجة الحشاش وحميه وحماته، واعتقلون، يستخدم يديه القويتين في لي حديد نافذة السجن والهرب إلى جبال الديلم، حيث ينتظم في اجتناء الحشائش من جديد، ويتصالح مع نفسه. وهكذا، يرسم مبارك شخصية مختلفة، تلتقي فيها النوازع المتضاربة وتمتلك القدرات الخارقة وتتمكن من اجتراح مسارها المتعرج وصنع مصيرها الأخير.
شخوص مكملة
وإضافة إلى هاتين الشخصيتين المحوريتين في الرواية، ثمة شخوص أخرى كان لها تأثيرها في مجرى الأحداث وتحولاتها، ولكل منها سلكه السردي الذي يطول أو يقصر بحسب مقتضى الحال الروائي، فأبو عمر الشامي الأب الثاكل ينجح في تأليب المغول على صاحب الديوان وأسرته والحشاش، بإرسال الطروس التي أرسلها إليه الأخير، إلى بطانة الحاكم المغولي. والعيار الذي يعمل في خدمة صاحب الشرطة الفاسد المجاهر بدين الله، بالترهيب والترغيب، يوظف قدراته في التجسس والتلصص على صاحب الديوان وأعوانه، ويرفع إلى سيده التقارير التي تؤدي إلى الإيقاع بهم، غير أن خوفه من غدر الأخير به يدفعه إلى عدم البوح بمكان وجود الحشاش، بعد ثلاثة أعوام من البحث عنه، واتخاذ قرار الالتحاق به في اجتناء الحشائش، بوصفه عياراً مثله. وبذلك، يختار فطرته العيارية على مهارته في التجسس واقتفاء الأثر. أما الشخصية الثالثة التي تقوم بدورها في مجرى الأحداث والتأثير في خيارات الحشاش، فهي الصوت الداخلي الذي يمعن في تحميله مسؤولية أفعاله، ويدفعه إلى التكفير عنها بأساليب مختلفة. وهنا، يكون مبارك قد اصطنع من المجرد شخصية روائية فاعلة.
خيارات مناسبة
وجملة القول إن شخوص الرواية، الرئيسة والثانوية، تعاني مشكلات مختلفة في ظروف تاريخية مظلمة وظالمة تتحكم بسلوكياتها وخياراتها، وهي ضحايا هذه الظروف وصنائعها، على أن بعضها يتمكن من اتخاذ الخيار الصحيح في نهاية الرواية، فيقوم صاحب الديوان المعزول بفضح تاريخ المغول، ويعود الحشاش لعمله في اجتناء الحشائش وفرزها، ويقرر العيار الالتحاق به. وهكذا، يتلو كل منهم فعل الندامة عما جنت يداه ويكفر عن الذنوب التي ارتكب مضطراً بالقسر والإكراه، فتنتصر الإرادة الذاتية على الظروف العامة، ولكن بعد دفع الأثمان الباهظة.
في “جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش”، يصطنع زياد مبارك تقنيات سردية متقدمة، تفرد للتجريب حيزاً كبيراً، وتتمخض عن بناء روائي مختلف، يتوخى ضمنه تعدد الأسلاك السردية والأصوات الراوية وصيغ التعبير وأنماط الكلام، وتكسير خطية الزمن وتفكيك البنية الروائية، مما يجعل من روايته “نموذجاً في البناء المتميز في مجال السردية التاريخية والتأريخية على حد سواء”، بحسب رأي الأكاديمي السوداني محمد بدوي مصطفى في الغلاف الأخير. المصدر اندبندنت عربية
