تجد الصحافيات والناشطات في الشأن النسوي والمدني في سورية أنفسهن في مواجهة حملات تحريض متزايدة، وعلوّ غير مسبوق في صوت “خطاب الكراهية” الموجّه ضد النساء خصوصاً، وضد أي رأي مختلف عموماً. يصل هذا الخطاب في كثير من الأحيان إلى التهديد بـ”التصفية الجسدية”، ما يدفع بعضهن إلى التراجع عن التعبير عن آرائهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خشية تنفيذ التهديدات أو تحت ضغوط أسرية تخشى تحوّل التهديدات إلى واقع. ورغم ذلك، تصرّ غالبية النساء الناشطات في الشأن المجتمعي على الاستمرار في عملهن، معتبرات أنّ حملات التشهير وخطاب الكراهية المتصاعد جزء من “فاتورة التغيير” التي عليهن دفعها من أجل تعديل بنية الخطاب العام في المجتمع السوري، وصولاً إلى إقامة دولة المواطنة والمساواة.
استضعاف ممنهج للمرأة
تتفق الصحافيات والناشطات اللواتي تواصلت معهن “العربي الجديد” على أن استهداف النساء بخطاب الكراهية والتهديد والتشهير الممنهج ينبع من بنية اجتماعية ما زالت ترجّح كفة الذكور وتكرّس الصور النمطية حول أدوار النساء.
تقول الصحافية راما خليل إن “توسع دائرة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى زيادة في عدد الأشخاص الذين يمارسون خطاب الكراهية. فالمجتمعات الشرقية ترجّح كفة الذكور غالباً، وهذا ما يجعل النساء هدفاً رئيسياً. ضعف المحاسبة وغياب المتابعة للجرائم الإلكترونية يؤديان بالضرورة إلى تضخم مستمر في حجم وشكل الكراهية الموجّهة ضد النساء”.
من جهتها، ترى الصحافية سيدرا الحريري أن المرأة تكون غالباً أكثر عرضة لخطاب الكراهية بسبب عوامل تتعلق بمفاهيم “السمعة والشرف” في المجتمع العربي، ما يجعلها ورقة ضغط سواء ضد الرجال الذين يتناولون قضايا نسوية أو ضد النساء أنفسهن. وتوضح: “تزايد هذا الخطاب مرتبط بحالة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع، حيث لم يعد النقاش يهدف إلى التفاهم، بل أصبح وسيلة للهجوم والإقصاء. وغالباً ما تكون المرأة الحلقة الأضعف في هذه المواجهات، فتُستهدف بعبارات مهينة تقلّل من حضورها في الفضاء العام”.
أما الناشطة المدنية ريمة سواح فتقول إن خطاب الكراهية “موجود منذ بداية الحدث السوري، وغالباً ما يوجّه ضد أي شخص يرفض منطق (بلد العميان) السائد بين فئات كبيرة من السوريين”، مضيفةً أن “الكراهية الموجّهة ضد النساء تقوم على فكرة أنهنّ أكثر قابلية للخوف، وأنهنّ كائنات هشة يمكن التأثير على مواقفهن بسهولة. وغالباً ما يتركّز التهجم على قضايا الشرف والأخلاق، في ظل غياب القوانين الفاعلة وتطبيقها”.
تضليل جندري وذكورية متجذرة
توضح الصحافية المستقلة داليا عبد الكريم أن خطاب الكراهية موجه “لكل ما هو مختلف دون استثناء قائم على الجنس أو العرق”، لكنه يكون أشد أثراً على النساء، خصوصاً الناشطات في القضايا النسوية، لأن المجتمع ما زال يعتبر حضور المرأة في المجال العام خروجاً عن المألوف. وتضيف: “من يعملن في الشأن النسوي يطرحن قضايا حساسة تتعلق بالعادات والسلطة الدينية والاجتماعية، ما يجعل ردّ الفعل عليهنّ أكثر حدّة، خصوصاً في ظل غياب الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي”.
وتلفت إلى أن “خطاب الكراهية يُستخدم اليوم أداةً لإسكات النساء وردع أخريات عن المشاركة أو التعبير، خصوصاً عندما تكون الحملة ممنهجة ومدعومة بخطاب إعلامي أو سياسي محافظ، كما حدث مع الناشطة هبة عز الدين الحجي” التي تعرضت لحملة تهديد وتحريض بسبب منشور دعت فيه إلى مناهضة الزواج القسري. وتضيف أن “صحافيين أيضاً انسحبوا من المشهد العام بسبب حدّة هذا الخطاب، مثل الصحافي أحمد بريمو، مؤسس منصة (تأكد) المعنية بالتحقق من الأخبار”.
الصحافية نور غزالة، التي تعرّضت لحملات تحريض متكررة، تقول إن “خطاب الكراهية تفاقم خلال السنوات الأخيرة، وغالباً ما يوجّه ضد النساء العاملات في الشأن العام، أياً كان تخصّصهن”. وتضيف: “تُستغل معلومات مغلوطة عن المرأة مرتبطة بجنسها أو حياتها الأسرية، عبر مقارنات سطحية تحاول النيل من مكانتها الاجتماعية والمهنية”.
وترى غزالة أن “التضليل الجندري الموجود في كل أنحاء العالم يأخذ شكلاً أكثر حدّة في العالم العربي، وخصوصاً في سورية. وزادت شراسة خطاب الكراهية بعد سقوط النظام السابق، نتيجة ربط بعضهم لتحرير البلاد بالذكورية وتجاهل الدور الكبير الذي لعبته النساء في الثورة والنشاط الإنساني والسياسي”.
مواجهة الكراهية
رغم التحديات، تواصل الصحافيات السوريات محاولاتهن لمواجهة هذا الخطاب. تقول راما خليل: “معظم هذه الحملات تصدر عن حسابات وهمية أو ما يسمى بـ(الذباب الإلكتروني). لا أعيرها اهتماماً وأحرص على البقاء بكامل الوعي، وأتمنى أن يصبح لدينا قانون جدي يواجه حملات التشويه والإسكات، وأدعو إلى تضامن الصحافيات والناشطات في دعم بعضهن”.
فيما تقول سيدرا الحريري: “أتجاهل الخطاب التحريضي لأنني واعية تماماً لهدفه، لكن حين يتجاوز النقد إلى الإساءة المباشرة، يصبح اللجوء إلى القانون حقاً مشروعاً. ومع ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أن بعض الناشطات بدافع الحماسة قد يستخدمن تعبيرات حادة تزيد توتر الخطاب العام، لذا فإن التوازن ضروري لتفادي الكراهية المضادة”.
في المقابل، اختارت داليا عبد الكريم تجنّب الدخول في نقاشات قد تهدد سلامتها أو أسرتها، بينما اضطرت ريمة سواح إلى إغلاق صفحتها على “فيسبوك” بعد تعرّضها لشتائم. تقول: “رغم إغلاق صفحتي، ما زلت مؤمنة بدوري في بناء بلد يشبه أحلامي بالحرية والعدالة. هناك صوتان في المجتمع، صوت العقل وصوت الكراهية، وإن سكت الأول انتصر الثاني”.
وتختم نور غزالة بالتأكيد على “قوة تأثير خطاب الكراهية على النساء، إذ تضطر بعضهن إلى الانسحاب المؤقت أو الطويل من الفضاء الرقمي، لكنّ الإصرار على العمل النسوي يبقى حاضراً في المجالات السياسية والإنسانية والمجتمعية. ورغم ضعف التمثيل النسائي في الحكومة السورية الجديدة، فإن السوريات متمسكات بحقهن في صياغة مستقبل بلادهن، ومواجهة الكراهية بشجاعة وإصرار”
. المصدر العربي الجديد