كثيرًا ما نطرح سؤال إن كان يمكن للشاعر أن يكون ناقدًا جيّدًا؟ لا بدّ من التمييز بين فئتين في هذا السؤال: فئة الشعراء النقاد، وفئة الشعراء النقاد الجيّدين. وبمجرد طرح السؤال، يتبادر إلى أذهاننا الشاعر العظيم ت. س. إليوت الذي كان أيضًا ناقدًا جيّدًا للشعر. وهو من سأجيب من خلاله عن هذه القضية.
لا أخفي أنني في البداية تردّدت كثيرًا بالاستشهاد به وبأفكاره التي تعود إلى بداية ستينيات القرن العشرين الماضي. وخِلْتُ أن تتمّ مواجهتي بهذا السؤال الرهيب: كيف تجيبنا من خلال نموذج قديم؟ لذلك وَجبَ أن أوضّح ما يلي: إن أي استفهام مفترض يَصدُق على النظرية العلمية، حيث أن الطرح العلمي الحديث يكون أشمل وأكثر صحّة من سابقيه. أما نحن، أنا وأنت يا طارح السؤال، فإننا نفكّر في كل الأدب، الذي يمكن للأفكار القديمة فيه أن تنتصر على الأفكار الحديثة.
شاعر- ناقد. كلمتان، مصطلحان، مفهومان يمكن النظر فيهما بشكل منفصل، كل منهما في مجاله الخاص، ولكن، إذا تمّ وضعهما جنب بعضهما في جملة واحدة، يمكن أن تؤلفا معا شخصية موضوع إبداعي بهوية معينة وحركة خاصة في الثقافة المعاصرة. يمكن أيضًا أن نتحدث عن ظاهرة أخرى شائعة، الشاعر- الناقد- الفني.
لكن، من هو الشاعر؟ هل هو بكل بساطة شخص يكتب الأبيات الشعرية، موزونة أم حرة أم منثورة؟ هل هو شخص يتصرف “بطريقة شعرية” (بطريقة إبداعية)، كي نستخدم المصطلح الأرسطي هنا، من خلال صياغة معان أو أشكال أو مفاهيم جديدة؟ أو ذلك الذي يكون في موقفه أكثر ابتكارًا على نطاق واسع، هذه الشخصية (المستوحاة من الإله) وفي نفس الآن الخارج عن الذات والكائن في حالة من الحيرة من الحواس، كما يوضّح لنا أفلاطون، “أيون”- الشخصية التي تلعب دور الوساطة بين ما هو موجود وما هو غير موجود – كما قدّمه لنا أفلاطون في “المأدبة” -، والذي يلد الأشكال؟
من هذه الأنماط الثلاثة، أختار الثاني الذي يناسبنا هنا. أي الشخص الذي يتصرف “بطريقة شعرية”، إبداعية. مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار موقف الشاعر الفرنسي إيف بونفوا (1923-2016) الذي يرى أن الشعر منفصل جوهريًا عن البحث الأدبي الذي يفصل نفسه عنه، بل ويعارضه. لقد ظل إ. بونفوا يعيد التأكيد على المعارضة بين “الأدب” من ناحية و”الشعر” من ناحية أخرى، أو بشكل أكثر دقّة، بين ما ينتمي في الشعر إلى مستواه “الأدبي” فقط، والذي لا ينتقده سوى نقد من نفس النوع، وما ينتمي إلى مستواه “الشعري” الصحيح.
يقف الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821-1867) في مقدمة الشعراء النقاد. وقد أصبح يُعرف هذا النقد تحت اسم “نقد بودلير” أو “النقد البودليري”. وهذه النزعة النقدية تعود، في الحقيقة، إلى سانت بوف. غير أن بودلير قد حقّق بطريقة أفضل ما كان يحلم به س. بوف. لقد جسّد ش. بودلير حقيقة زواج الشاعر بالناقد. وكرّس نظرية أن النقد ليس علمًا، بل هو مساهمة فنية. “النقد يهرب من الأنظمة، ويخضع للأثر مع هذا التعاطف الذي هو أفضل مساعد للذكاء، ويمكن أن نعتبره خضوعًا رفيعًا؛ فبدلًا من أن يتبع الأثر تبعية عبودية وتطفُّل، يحيا بالقرب منه حياة خاصّة، ويتبع، أحيانًا، طريقًا موازية يراقب منها ويحكم وفق إيقاع مستقلّ”.
إذا اعتبر الناقد أن هذه الازدواجية هي نهج النقد الصحيح، فما عليه سوى أن يعيشها بشغف، مثلما فعل ش. بودلير الذي ظلّ يرى أن النقد حكم على الأثر، و”الحكم يعني، آنئذ، إما أن تحبّ أو أن تكره”.
| جسّد بودلير حقيقة زواج الشاعر بالناقد |
ينبغي أن نلاحظ هذه الناحية الصوفية في الحكم، بالإضافة إلى الجانب الغنائي، وهذه الحساسية التي يمكن أن تصبح خاضعة لأخطاء في التقدير، “بسبب مفاجآت القلب وشطحات الخيال”. وعليك حينئذ أن تتخيّل حجم الأخطاء التي تُرتكب. فالشاعر هنا يبحث عن نفسه أكثر مما يجب. لماذا يبحث عن نفسه وهو يمارس النقد، هل أضاعها وهو يكتب القصيدة؟ علينا أن ندرك، تَبَعًا لذلك، أن العديد من الأفكار الخلاقة قد اختفت عنه. والسبب الرئيسي في تقديري أن النقد أصبح هو نفسه موضوعًا. وحين يصبح النقد موضوعًا يكفّ عن أن يكون نقدًا. ولكي ينجح هذا النقد الخلّاق، لا بدّ من أن يجعل بينه وبين مادّته الروحة مسافة أكبر.
إن فكرة الشعر والنقد تؤكّد تداخل الحقلين على مستوى الإبداع كما على مستوى النظرة العلمية. إذا نظرنا في تاريخ فكرة أن الشعر هو نقد، فلن نجد أفضل من قول الشاعر الأميركي ماثيو أرنولد في مقالته عن ويليام وردزورث (1770-1850): “الشعر هو في الأساس نقد للحياة”. لقد سعى م. أرنولد، الوريث الروحي والأدبي لوردزورث، جاهدًا لتأكيد الزواج بين الفيلسوف والشاعر.
يظهر الناقد، كما يعرفه م. أرنولد، كوسيط بين الفيلسوف والشاعر، أو بين رجل العلم ورجل الأدب. في كتابه “وظيفة النقد في الوقت الحاضر”، يشرح أن إنشاء عمل أدبي عظيم لا يعتمد فقط على عبقرية المؤلف ولكن أيضًا على روح العصر باعتبارها قوة تعمل في عصر معين. هذا هو مفهوم “روح العصر” الذي يقول إنه حصل عليه من غوته:
“يتبع الفكر والعلم قانون التطور الخاص بهما، ويتمّ تفصيلهما ببطء في نمو البشرية، ودفعهما إلى الأمام، فيما يسميه شكسبير “الروح النبوية / للعالم الواسع الذي يحلم بأشياء قادمة” [السوناتة 107]، ومسألة نضجها أو عدم نضجها، ليست من تأثير رغبتنا أو حلمنا. يبدو أنها، بدلًا من ذلك، ناتجة عن قوة، يصفها القديس بولس بأنها قوة إلهية”.
لقد قطع النقد الأدبي مراحل كثيرة حتى أصبح في الأخير نوعًا من “التفكير المنظّم” حتى لا نقول “تفكيرًا منطقيًّا”. فحين نقول “النقد تفكيرٌ منظمٌ” نقصد وجود عدّة طرق لتنظيم التفكير. هنا أُحيل على كتاب “التفكير النقدي” للمؤرخ الأميركي الشاب جوناثان هابر.
يتم الاستشهاد بالتفكير النقدي بانتظام كمهارة أساسية في القرن الحادي والعشرين، ومفتاح النجاح في المدرسة والعمل. نظرًا لأن الإنسان أصبح يميل، أكثر من السابق، إلى تصديق الأخبار المزيفة، ليس عن الكتب فقط، بل حتى عن الأشخاص والأحداث. وهذا التصديق يقود إلى استخلاص استنتاجات غير صحيحة، واتخاذ القرارات بناء على العاطفة بدلًا من العقل.
يؤكد جوناثان هابر أمرًا في غاية الأهمية، قد يبعدنا على عالم الأدب، هو أن التفكير النقدي أمر حيوي لبقاء مجتمع ديمقراطي. ولكن ما هو بالضبط التفكير النقدي؟ في هذا الكتاب الذي صدر ضمن سلسلة المعرفة الأساسية، عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يشرح جوناثان هابر كيف ظهر مفهوم التفكير النقدي، وكيف تمَّ تعريفه، وكيف يمكن تدريس مهارات التفكير النقدي وتقييمها.
يصف ج. هابر أصول المصطلح في تخصصات مثل الفلسفة وعلم النفس والعلوم. ويدرس مكونات التفكير النقدي، بما في ذلك التفكير المنظم، والمهارات اللغوية، والمعرفة الأساسية، ومحو الأمية المعلوماتية، إلى جانب السمات الفكرية الضرورية، مثل التواضع الفكري والتعاطف والانفتاح. يناقش أيضًا كيف عرفت الأبحاث التفكير النقدي، وكيف تمَّ تدريس عناصر التفكير النقدي لعدة قرون، وكيف يمكن للمدرّسين تعليم مهارات التفكير النقدي اليوم في المدارس والجامعات. ويجادل في أن أهم قضية تفكير نقدي اليوم هي أنه لا يوجد عدد كاف من الناس يفعلون ما يكفي منها. ومع ذلك، من حسن الحظ، يمكن تدريس التفكير النقدي وممارسته وتقييمه. يقدّم هذا الكتاب دليلًا للأساتذة والطلاب والمفكرين النقديين الطموحين في كل مكان، بما في ذلك نصائح للقادة التربويين وصانعي السياسات، حول كيفية جعل تعليم وتعلّم التفكير النقدي أولوية تعليمية وواقعًا عمليًا.
إنّ وجود هذا الواقع العلمي في المدارس والجامعات يجعل من التفكير النقدي أولوية وطنية. اتّضح هذا المطلب، مثلًا، في تقرير بحثيّ أجرته رابطة الكليات والجامعات الأميركية في عام 2013، أشار إلى أن “أكثر من 75 بالمائة من (أصحاب الأعمال) الذين اشتركوا في الدراسة الاستقصائية، قالوا إنهم يريدون مزيدًا من التركيز على خمسة مجالات أساسية، وهي: التفكير النقدي، وحلُّ المشكلات المعقّدة، والتواصل الكتابي، والشفهي، والمعارف التطبيقية في بيئات العالم الواقعي”.
لقد اقتربنا من غايتنا، في هذه المقالة القصيرة. إن أيّ شخص يدرس الكيمياء، على سبيل المثال، يتعلّم تعريف المادّة الدراسية (وهي تعريفات معجمية)، مثل: “علمٌ يتناول تركيب الموادّ وبِنيتها وخصائصها والتغيُّرات التي تمرُّ بها”. كما يُضاف إلى ذلك النظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. وقياسًا على ذلك، فإن أيّ ناقد أدبي عليه تناول النص الأدبي من حيث التركيب، والبنية، والخصائص، والتغيُّرات، إضافة إلى النظر إلى كل ما سبق من زوايا مختلفة، وهذا ما يولّد تخصصات نقدية عدّة.
إن التفكير النقدي، لا ينتج نقادًا فقط، بل يجعلنا نتأكّد بأن لدينا دوافع وأسبابًا وجيهة للاعتقاد في النص، في المجتمع، في التاريخ. مثلما هو نموذج إدوارد سعيد، مثلًا. وإن ظهر بيننا شاعر يؤمن بقوة التفكير النقدي، فإن ثمة أسطورة تحيا بيننا.