بن بلاند
مدير برنامج آسيا والمحيط الهادئ
أثارت المحاكمة الفاشلة لرجلين بريطانيين متهمين بالتجسس لصالح الصين جدلاً واسعًا في وستمنستر، مما أدى إلى توجيه اللوم للحكومة وإثارة مخاوف بين أعضاء البرلمان بشأن الخصوصية والأمن.
تم إسقاط القضية ضد الرجلين الشهر الماضي، بعدما أعلن مدير النيابة العامة أن الحكومة البريطانية فشلت في تقديم أدلة كافية تثبت أن الصين تمثل “تهديدًا للأمن القومي”. وقد نفى كلا الرجلين – وكان أحدهما يقدم المشورة للنواب بشأن سياسات الصين – أي اتهامات بارتكاب مخالفات.
ورغم أن جميع الدول تمارس أنشطة تجسس وتسعى للتأثير على غيرها، فإن الصين تمثل تحديًا استخباراتيًا غير مسبوق من حيث الحجم والطموح.
لكن بعيدًا عن تفاصيل هذه القضية المعقدة، يجب على المملكة المتحدة أن تبذل جهودًا أكبر بكثير لمواجهة التهديد الحقيقي المتمثل في التجسس الصيني وعمليات الاختراق والتأثير. فالصين شريك اقتصادي رئيسي وفي الوقت نفسه خصم استراتيجي للمملكة المتحدة، مع وجود العديد من المصالح الوطنية المتقاطعة والمتعارضة. يجب على الحكومة البريطانية أن تكون قادرة على التحدث مع بكين والتعامل التجاري معها – مع حماية البلاد من النفوذ البعيد المدى للحزب الشيوعي الصيني.
في استراتيجيتها الأخيرة للأمن القومي، أقرت الحكومة بأن “حالات التجسس الصيني والتدخل في ديمقراطيتنا وتقويض أمننا الاقتصادي قد زادت في السنوات الأخيرة”. وتشير حالات موثقة علنًا إلى تخويف النشطاء المؤيدين للديمقراطية من هونغ كونغ المقيمين في المملكة المتحدة، ومحاولات التدخل في البرلمان البريطاني، والهجمات الإلكترونية – وهذه على الأرجح ليست سوى قمة جبل الجليد. كما صرّح رئيس جهاز المخابرات الداخلية البريطاني (MI5) في تقريره السنوي عن التهديدات بأن وكالته تدخلت الأسبوع الماضي لإحباط تهديد صيني للأمن القومي.
ومع أن كل الدول تمارس التجسس، فإن التحدي الصيني يفوق غيره من حيث النطاق والطموح، إذ تمثل الصين أكبر نظام سلطوي في العالم، إضافة إلى كونها قوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى.
لكن الملاحقات القضائية ستظل دائمًا الملاذ الأخير في مكافحة التجسس، نظرًا لصعوبة الإدانة وحساسية الكشف عن المعلومات الاستخباراتية السرية. كما أن الضرر غالبًا ما يكون قد وقع بالفعل عند الوصول إلى مرحلة كافية من الأدلة لرفع القضية.
الوقاية أفضل من العلاج
نظرًا للتأثير الكبير الذي ستمارسه الصين على العالم في السنوات القادمة، يجب على المملكة المتحدة أن تبذل جهدًا أكبر للاستعداد لذلك.
فبعد إجراء مراجعة شاملة للسياسة تجاه الصين في وقت سابق من هذا العام، تعهدت الحكومة بتعزيز قدراتها المتعلقة بالصين ضمن منظومة الأمن القومي. لكنها تحتاج إلى توسيع نطاق الوعي بالمخاطر التي تشكلها الصين ليشمل ما هو أبعد من دائرة ضيقة من المسؤولين.
يجب على الحكومة أن تستثمر بشكل كبير في مساعدة السياسيين والموظفين العموميين والشركات والجامعات والمجتمع الأوسع على فهم أساليب الحزب الشيوعي الصيني في حماية مصالحه وتعزيزها – وكيفية الرد عليها. وكما قال رئيس جهاز MI5 إلى جانب نظيره في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 2022: إن الصين تمثل “تحديًا على مستوى النظام بأكمله يتطلب استجابة شاملة للنظام بأكمله”.
المخاطر في البرلمان مرتفعة بشكل خاص، إذ تم انتخاب أكثر من نصف أعضاء مجلس العموم – 335 من أصل 650 – لأول مرة في يوليو 2024. ويعتمد النواب على فرق صغيرة من الموظفين الشباب ذوي الخبرة المحدودة والأجور المتدنية، مع معدلات دوران مرتفعة في مكاتبهم، مما يجعلهم أكثر عرضة حتى لمحاولات التأثير غير المتقنة.
الحكومات المحلية تمثل نقطة ضعف أخرى، إذ تسعى الصين غالبًا إلى استغلال علاقاتها الاقتصادية مع المجالس الإقليمية والمحلية لتحقيق أجنداتها الخاصة. وقد برز هذا الأسلوب في حالة حديثة ألغى فيها مجلس مدينة إدنبرة اتفاقية صداقة مقترحة مع مدينة كاوهسيونغ التايوانية بعد ضغوط صينية.
وقد أصدر جهاز MI5 دليلًا جديدًا موجهًا للسياسيين بعنوان “مكافحة التجسس والتدخل الأجنبي”، وهو خطوة مفيدة كبداية، لكنه يتناول التهديدات العامة دون التركيز على الصين تحديدًا.
التحدي يتجاوز السياسة
تواجه الشركات والجامعات أيضًا صعوبة في موازنة الفوائد والمخاطر المرتبطة بعلاقاتها الواسعة مع الصين. فعملاء الاستخبارات الصينية يرون في قطاعي التجارة والتعليم أهدافًا سهلة للحصول على التكنولوجيا، والنفوذ الاقتصادي، والوصول إلى المعلومات.
ومع ذلك، يمكن للحكومة البريطانية اتخاذ خطوات لزيادة قدرتها على الصمود. فعلى الرغم من أن الصين تمتلك موارد ضخمة في حملاتها الاستخباراتية، وتتفوق في التجسس الإلكتروني، فإن العديد من محاولاتها للتأثير في الحياة السياسية والعامة في بريطانيا والديمقراطيات الأخرى تظل غير متطورة نسبيًا. وعلى عكس الدول الشيوعية في الحرب الباردة، لا يتمتع الحزب الشيوعي الصيني بعدد كبير من المؤيدين الأيديولوجيين داخل المملكة المتحدة.
لذلك، إذا أصبح المسؤولون والسياسيون ورجال الأعمال والجمهور البريطاني أكثر وعيًا بأساليب الحزب، فسيكونون أقدر على مقاومتها.
تعاون أوسع واستراتيجية واضحة
ونظرًا لضعف التمويل ونقص الكفاءات المتخصصة في شؤون الصين، يجب على المملكة المتحدة أن تتشارك الخبرات والموارد مع شركائها الرئيسيين في أوروبا وآسيا – الذين يواجهون تحديات مماثلة – لزيادة الوعي العام بشأن الصين.
وعلى وجه الخصوص، ينبغي لبريطانيا أن تتعلم من علاقاتها غير الرسمية المتنامية مع تايوان، التي تتعرض لحملات تجسس وتأثير مكثفة من بكين الساعية لضمها باعتبارها “جزءًا من أراضيها”.
كما يجب على الحكومة البريطانية أن تصدر وثيقة علنية تحدد نهجها طويل الأمد تجاه الصين، تُظهر من خلالها “الخطوط الحمراء” لبكين، وللشعب البريطاني، وللدول الحليفة والشريكة. وكان قرار الحكومة بعدم نشر نتائج “مراجعة الصين” فرصة ضائعة لتوضيح نواياها.
ويجب على الحكومة أن تتخذ موقفًا صارمًا عندما يخالف عملاء الصين أو ممثلوها القوانين البريطانية أو يقوضون الحقوق الديمقراطية للمواطنين والمقيمين، بما في ذلك الملاحقة القضائية عند الضرورة.
لكن هذه الجهود لن تكون كافية ما لم تُبذل في إطار أوسع لتعزيز فهم المجتمع البريطاني بأكمله للصين والتحديات المتعددة التي تفرضها. المصدر.