لكن عالم لصوص الفن يحظى بالعديد من الأسماء التي دخلت التاريخ من أبوابه الواسعة، بدءًا من الإيطالي فينتشنزو بيروجيا الذي تجرّأ عام 1911 على سرقة لوحة “الموناليزا” من متحف اللوفر، قبل أن يُلقى القبض عليه بعد عامين وهو يبيعها في فلورنسا، وحتى بعد ذلك بنحو 100 عام، حين تسلل الفرنسي الكرواتي فيران توميش فجر 20 أيّار/ مايو 2010 إلى متحف الفن المعاصر في باريس، ونجح في الهروب بعد سرقة خمس لوحات لأشهر فناني القرن العشرين، من بينها أعمال لبيكاسو وهنري ماتيس وجورج براك وموديلياني.
أما اسم الفرنسي ستيفان بريتويزر فيصعب وضعه ببساطة هكذا ضمن أشهر لصوص الفن، لأن قصته الحقيقية تجعلنا نعيد التفكير في جميع تصوّراتنا عن الدوافع الكامنة خلف أشهر السرقات الفنية، والتي يكون العامل المادي أساسها ومحركها، أما لدى بريتويزر، الذي لقبته بعض الصحف بأنه “أكثر لصوص الفن نجاحًا على الإطلاق”، فقد كان هناك شيء آخر خلف سرقاته الناجحة اسمه “الولع بالجمال”! ربما لهذا وقع اختيار الصحافي الأميركي مايكل فينكل عليه ليكون موضوعًا لأحدث كتبه الوثائقية المثيرة: “لص الفن: قصة حب وجريمة وهوس خطير”.
ولد ستيفان بريتويزر في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1971، وهو كاتب فرنسي شاب اشتهر بسرقة الأعمال الفنية في الفترة بين 1995 و 2001، واعترف بعد القبض عليه بسرقة 239 عملًا فنيًا ومعروضات أخرى من 172 متحفًا أثناء سفره في أنحاء أوروبا، بمعدل سرقة واحدة كل 15 يومًا! ما دفع صحيفة “الغارديان” إلى وصفه بأنه “ربما أكثر سارق أعمال فنية ثباتًا في العالم”. كما أُطلق عليه لقب “أحد أكثر سارقي الأعمال الفنية إنتاجًا ونجاحًا على الإطلاق”، و”أحد أعظم سارقي الأعمال الفنية في كل العصور”، وقد أدت سرقاته إلى تدمير العديد من الأعمال الفنية على يد أمه وأفراد عائلته لإخفاء أدلة جرائمه.
يختلف بريتويزر عن لصوص الفن الآخرين في أن معظم سرقاته لم تكن في البداية بدافع الربح، وصف نفسه أثناء محاكمته بأنه “خبير فنّي، وسرق من أجل بناء مجموعته الفنية الشخصية، خاصة من أعمال أساتذة القرنين الـ16 والـ17”. قال للقاضي أثناء محاكمته: “أحب هذه الأعمال الفنية، لقد جمعتها واحتفظت بها في منزلي لأني عاشق للفن”.
على الرغم من ضخامة مجموعة سرقاته، والتي وصلت قيمتها إلى 2 مليار دولار، كان بريتويزر قادرًا على تذكّر كل قطعة سرقها، وأثناء قراءة القضاة للمجموعة الكاملة من سرقاته أمام المحكمة، قاطع القراءة أكثر من مرة لتصحيح تفاصيل فنية وتاريخية دقيقة عن الأعمال المسروقة، وفي عام 2016، ظهرت أدلة جديدة على سرقات أخرى له ارتكبها لأجل الربح، ليتم القبض عليه مرة أخرى.
| الفرنسي ستيفان بريتويزر أشهر لصوص الفن |
الكتاب ليس فقط سردًا عاديًا لسلسلة جرائم بريتويزر المتتالية، بل يغوص بعمق داخل روح هذا السارق الذي اختطف الجمال كل حواسه، وحوّله من كاتب شاب مولع بالفنون إلى مجرم باسم الفن، يضعنا فينكل من السطر الأول لكتابه أمام السؤال الصعب: كيف لشاب في مقتبل العمر، بلا موارد خارقة أو عصابة مدججة بالسلاح، أن ينهب كنوزًا فنية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات من أعرق المتاحف والكاتدرائيات في أوروبا؟ الإجابة، كما يكشفها الكتاب، ليست في التقنية، بل في النيّة والولع الكامن خلفها.
لم يكن بريتويزر لصًا تقليديًا؛ يصفه فينكل بأنه: “كان مجنونًا بالجمال، لقد سرق، ولكن ليس بدافع الجشع، بل بدافع حبٍّ شبه مرضي للجمال”. لقد حوّل علّية منزل والدته في مدينة ميلوز الفرنسية إلى: “متحف شخصي خاص به، متحف لم يُخلَق ليراه أحد سواه، وكأنه أراد أن يحبس الجمال لنفسه، ليكون حواره الوحيد مع العالم”.
يقودنا فينكل في رحلة محكمة البناء، ينسج فيها خيوط التشويق السردي مع خيوط التحليل النفسي، لا يكتفي بالقول إن بريتويزر سارق، بل يجعلنا نعيش معه تلك اللحظات التي كانت تمتلئ “بنشوة لا توصف”، يكتب: “كان يشعر بنشوة لا تقاوم وهو يمرّر يده على إطار لوحة عمرها أربعة قرون… كان الجمال، بالنسبة له، مخدّرًا قويًا”.
كانت سرقات بريتويزر تتم في وضح النهار، بكل أناقة وهدوء، حاملًا سكين جيب سويسري صغير فقط، متسللًا كظلّ عبر قاعات المتاحف، يصف فينكل إحدى هذه العمليات كأنها مشهد سينمائي: “كان رشيقًا ومرنًا كغصن صفصاف، يتحرك متسللًا مثل فهد، لم يكن هناك اقتحام أو عنف، كان الأمر أشبه برقصة صامتة بين اللص والتحفة الفنية”.
لكن هذه الرقصة لم تكن لتكتمل بدون شريكة مثالية، وكانت الشريكة هنا هي حبيبة بريتويزر، آنا كاترين كلاينكلاوس، التي اقتصرت مهمتها على الدوام “على الرصد”، تشكل علاقتهما أحد الأعمدة المركزية في القصة، وهي علاقة يصورها فينكل على أنها مثلث متساوي الأضلاع: “هو، هي، والفن… كل شيء في توازن، ولا حاجة لأي شيء آخر”. كانت هي الحارس والرفيقة في رحلة الهوس الجنونية تلك.
اللغز الأكبر الذي يحاول فينكل فكّ طلاسمه ليس “كيف” فعلها، بل “لماذا”؟ عبر ساعات طويلة من المقابلات مع بريتويزر نفسه، يرسم فينكل صورة لإنسان منعزل، يرى العالم خارجه فضاءً عدائيًا وسطحيًا، يقول بريتويزر عن نفسه: “أنا منعزل بطبيعتي”. ويعلق فينكل قائلًا: “لقد احتل الفن مكان المجتمع بالنسبة له”. كان المتحف الشخصي في العلية هو مملكته، حيث لا حاجة له إلى الخروج، كان هوسه هو محاولة يائسة لبناء عالم مثالي، نقي، خالٍ من فوضى الواقع وضحالة البشر.
لكن ككل أبطال التراجيديا، كان الكبرياء والغطرسة سببين في سقوطه؛ استهان بريتويزر بالمخاطر لدرجة التهور، متجاهلًا صلوات حبيبته التي كانت تتوسّل إليه بالتوقف، الإيقاع المتسارع للسرقات، والذي يصفه فينكل بأنه كان يحدث “كل أسبوعين في المتوسط”، جعله يشعر بأنه غير قابل للسقوط، حتى جاءت اللحظة الحتمية في متحف ريتشارد فاغنر في لوزان، في لحظة من الغرور المحض، قبض عليه أثناء محاولته “مسح بصماته” بعد استيلائه على غنيمته!
هنا تبلغ المأساة ذروتها، في فعل لا يقلّ غرابة عن القصة كلها، فبعد اعتقاله، تقوم والدته، التي كان يعيش في بيتها حيث يخبئ كنوزه، بتدمير معظم المسروقات، يصف فينكل هذا المشهد المأساوي قائلًا: “أخذت الأم أكياس القمامة وملأتها بأعمال وتحف من أهم وأثمن قطع تاريخ الفن، وألقت بكل شيء في المياه الباردة لقناة مائية قريبة”.
دمّرت الأم، في محاولة يائسة منها لحماية ابنها، كل ما عاش هو من أجله، ويا لها من مفارقة: الحب الذي جمّع هذه الكنوز هو نفسه الحب – الأمومي هذه المرة – الذي دمرها، على هذا النحو يثير الكتاب أسئلته الشائكة عن طبيعة الامتلاك، والهوس الجمعي الذي يجعلنا نضع سعرًا على الجمال، والخيط الرفيع الذي يفصل بين العبقرية والجنون، بين الحب الذي يبني… والحب الذي يدمر.
يعالج فينكل القضية الأخلاقية المعقدة التي تثيرها شخصية بريتويزر متسائلًا: هل كان مجرمًا أم جامعًا مولعًا بامتلاك الجمال؟ هل يمكن تبرير سرقة الفن بدافع الحب؟ يقدم فينكل شخصية بريتويزر بشكل متعاطف لكن غير متغاضٍ عن جنونه، يكتب: “كان يرسم نفسه في مخيلته على أنه “محرر للفن”، وليس لصًا، مؤمنًا بأن المتاحف “سجون للجمال”، لكن فينكل يوازن هذه النظرة الرومانسية بعواقب أفعاله الوخيمة: فقدان التراث الإنساني، والخيانة، والألم الذي سببه للكثيرين.