ملخص
المخرج ستانلي كوبريك في فيلمه “البرتقال الآلي” المأخوذ عن رواية أنطوني بارغيس وضعنا منذ اللقطة الأولى أمام صورة تملأ الشاشة لوجه أليكس المكحل وهو ينظر إلينا بجنون ونزق، ويعرف متابعو أعماله أن لمثل هذه اللقطة وجوداً، وبالتعبير والمعنى نفسه، في معظم أفلامه
إذا نحينا جانباً كون أنطوني بارغيس وآرثر شنيتزلر وويليام ثاكري وستيفن كينغ وفلاديمير نابوكوف وآرثر سي كلارك، وحفنة غيرهم من روائيين كبار، كانوا معروفين قبل أن تتصدى السينما لأفلمة أعمالهم، نتساءل ما القاسم المشترك الرئيس بينهم؟ والجواب بسيط طبعاً بالنسبة إلى محبي سينما الأميركي الذي أنهى عقود حياته منفياً طوعياً إلى إنجلترا: الجواب هو أن هذا الأخير قد استقى من الأدب الروائي المعروف الغالبية العظمى من مواضيع أفلامه، على قلة عدد هذه الأفلام التي لم تتجاوز الـ13 فيلماً طوال حياة بأكملها.
ففي نهاية المطاف، وإذا استثنينا فيلمين أو ثلاثة كتبها ستانلي كوبريك في مطلع مساره المهني بنفسه، سيكون هذا المبدع في بقية ما تبقى من تحفه السينمائية، واحداً من أبرز مبدعي الفن السابع الذين ربطوا سينماهم بالإبداع الروائي إنما بالإبداع المتعدد المصادر والتيارات متراوحاً ما بين السينما التاريخية وتلك السياسية والعاطفية والغرائبية والبوليسية… إلخ.
ويقيناً أن توصيف أفلام كوبريك بكونها تحفاً فنية ليس فيه من المبالغة شيء، فـ”فيلموغرافيته” تعتبر اليوم بمعظم عناوينها، علامات تأسيسية في كل تيار وصنف سينمائي دنا منه.
ومع ذلك، وحتى بالنسبة إلى معظم الأدباء الذين أفلم أعمالاً لهم، لم يكن ثمة توافق بينه وبين الأحياء منهم، وحدهم الراحلون لم يشاكسوا على النتائج التي أسفر عنها دنوه من أعمالهم، كحال ويليام ثاكري وآرثر شنيتزلر وفلاديمير نابوكوف، ولذا لن نعرف أبداً ما الذي كان سيبدو على رأيهم في ما أنتج مما يخص أدبهم.
البعض أحب والبعض لم يفعل
أما بالنسبة إلى الذين كانوا على قيد الحياة حين ظهرت نصوصهم على شاشته، فإن بعضهم تناسى تماماً خصوصية سينما كوبريك، وأن ما يظهر صوراً على الشاشة ليس عليه أن يكون هو نفس ما ملأ صفحات الكتب، بل تناسوا حتى من ناحية أكثر واقعية أن أفلمة كوبريك أعمالاً تحمل توقيعاتهم إنما كان طريقهم إلى الشهرة، كما الحال مع أنطوني بارغيس، مثلاً، أو حتى إلى اكتسابهم قيمة أدبية سمت بهم إلى أعلى الذرى التي أضافت إلى جماهيريتهم السابقة على دنو كوبريك من سينماهم، قيمة فكرية لا يقاس بها ما كان لهم قبل اهتمامه بنصوصهم.
وفي هذا المضمار الأخير يبرز بصورة خاصة اسم ستيفن كينغ الذي أفلم له كوبريك روايته “إشراق” والذي سنعود إليه في مناسبة لاحقة.
أما هنا فلنتوقف عند أنطوني بارغيس صاحب النص الذي أفلمه كوبريك أوائل سبعينيات القرن الـ20، “البرتقال الآلي”. لماذا بارغيس؟ بالتحديد لأنه، حتى وإن أعلن أنه لم يستسغ كثيراً الفيلم الذي نقل برتقاله الآلي إلى شاشة كوبريك، أضاف أنه لم يستسغه كنقل لروايته “لكنني أحببته كثيراً كفيلم لكوبريك في حد ذاته، بل كفيلم كبير يمكنني اعتباره علامة كبرى في تاريخ الفن السابع”.
والواقع أن بارغيس سيقول أيضاً إن هذا الفيلم تمكن، وهو يغيظه من ناحية ما، من أن يفهمه خصوصية اللغة السينمائية ومعنى الحرية التي يعطيها المخرج الكبير والحقيقي لنفسه وهو يشتغل على فيلمه “محاولاً أن يضخه بأبعاد يكتشفها في نصوص الآخرين حتى وإن كانوا قد عبروا عنها عفو الخاطر” ولم يفت بارغيس أن يشير إلى ما اكتشفه هو نفسه في نصه، من اهتمام كوبريك بالجنون.
عالم مجنون.. مجنون
والحقيقة أن مخرجاً طوع نصاً عن سبارتاكوس، وآخر عن الحرب العالمية الأولى “خطوات المجد”، وثالثاً عن الحب وجنونه “لوليتا” ثم نصاً لتاكري عن الانتهازية والصعود الطبقي في إنجلترا القرن الـ18 “باري لندون”، وصولاً إلى جنون الحاسوب الآلي في”أوديسا الفضاء” والحرب النووية وجنرالاتها الأميركيين “دكتور سترانجلاف”، وحرب فيتنام في “سترة معدنية كاملة”، مخرج مثل هذا ما كانت لتفوته إمكان تصوير الجنون في حالته المطلقة من خلال نص بارغيس الذي كان أكثر مستقبلية وأقل جنوناً وأشد طرافة في شكله الأدبي.
ولا بأس أن نذكر هنا بأن كوبريك في “البرتقال الآلي” وضعنا منذ اللقطة الأولى للفيلم أمام صورة تملأ الشاشة لوجه أليكس المكحل وهو ينظر إلينا بجنون ونزق، في قلب عالمه وفي قلب عالم الجنون، إذ يعرف متابعو أعماله أن لمثل هذه اللقطة وجوداً، وبالتعبير والمعنى نفسه، في معظم أفلامه، لا سيما في لحظة العنف والرعب القصوى في “إشراق” من بطولة جاك نيكلسون، حين ينكشف جنون هذا داخل الفندق الجبلي المعزول، ويبدأ مطاردة زوجته وابنه الصغير لقتلهما.
انطلاقاً من موضوع بسيط
موضوع الرواية، كما ستكون حال موضوع الفيلم إلى حد كبير، يبدو، للوهلة الأولى بسيطاً: في مستقبل لندني غير بعيد من الزمن الذي نعيش فيه خلال الربع الأخير من القرن الـ20، خصوصاً أن ثمة ما يوحي على رغم مستقبلية الراية والفيلم معاً، بأننا لا نزال في عهد إليزابيث الثانية.
في ذلك المستقبل نجدنا في مواجهة مجموعة من الشبان الذين يعيشون حياة متحررة من كل قيد، وحتى من قيود اللغة ما دام اللغة التي يستخدمونها في ما بينهم هي مزيج من الإنجليزية والروسية والهمهمات غير المفهومة لغيرهم. ويتحلق هؤلاء الشبان في نوادي شرب الحليب، من حول زعيمهم الشاب أليكس دي لارج (يذكر اسمه بالإسكندر الكبير طبعاً)، ويمارسون عنفهم وحياتهم المنفلتة على إيقاع واحدة من أجمل وأروع سيمفونيات بيتهوفن: التاسعة، بل إن أليكس، يعيش الحال الموسيقية البيتهوفنية حتى أعماق روحه، إلى درجة أنه لاحقاً حين يقبض عليه المجتمع والسلطة، يعاقب هو بدوره على إيقاع تلك السيمفونية.
وهنا ربما يكون علينا أن نلفت النظر إلى الحضور القوي للموسيقى من بيتهوفن ومن غيره، وصولاً إلى موسيقى إلكترونية صاغها والتر كروس، الذي كان في ذلك الحين يتحول إلى أنثى تحمل اسم وندي، وهو حضور معهود دائماً في سينما كوبريكى كما في أدب أنطوني بارغس كما نعرف.
أقصى درجات العنف
ولعل من المفيد في هذا السياق أن نذكر أن المشروع الأول لتحقيق “البرتقال الآلي” كفيلم، كان يفترض أن يقوم أعضاء فريق الرولنغ ستون بأدوار الشبان، بما في ذلك دور أليكس دي لارج. هؤلاء الشبان يدورون خلال القسم الأول من الرواية والفيلم، من مكان إلى آخر ممارسين أقصى درجات العنف لا سيما ضد موسيقى كهل يغتصبون زوجته ويقتلونها (ولسوف نعرف لاحقاً أن شيئاً مثل هذا كان الكاتب أنطوني بارغيس وزوجته قد تعرضا له على يد عصابة شبان، مما دفعه أصلاً إلى كتابة الرواية متسائلاً، بسخرية، ما هو مستقبل البشرية إزاء ذلك الانفلات العنفي).
لكن هذا كله لا يشكل سوى القسم الأول من الرواية. أما القسم الثاني، فيقوم على اعتقال أليكس من قبل السلطات، خصوصاً بعدما يكون رفاقه أنفسهم قد انضموا إلى سلك الشرطة، وصاروا يسهمون في معاقبته. أما هذه المعاقبة فتقوم في تدجين أليكس إلى درجة لا يكتفى معها بأن يفقد القدرة – أو حتى الرغبة – على ممارسة العنف، بل يصبح مطواعاً يتحمل الإهانات وعنف الآخرين من دون أن يبدي أي رد فعل.
ومن هنا عبارة “البرتقال الآلي” التي عنون الكاتب روايته بها فاحتفظ المخرج بالعنوان من دون تردد، فذلك النوع من معالجة نزعة العنف، الذي مورس على أليكس، حوله إلى خرقة لا حياة فيها ولا حيوية.
ومن الواضح أن هذا التحول الذي طاول أليكس في نص بارغيس لم يرض ستانلي كوبريك الذي نجده في المحصلة النهائية يعتبر هذا التدجين عنفاً لا يقل قوة وإهانة للكائن البشري عن العنف الجسدي الذي يمارسه دي لارج ورفاقه.
بهذا التفسير والتأكيد يكون ستانلي كوبريك قد افترق، ضمنياً، عن رواية بارغيس، أو لعله أعاد تفسير ما كان يريد هذا الأخير أن يخلص إليه لكنه لم يفعل، علماً أن بارغيس أبدى دائماً وكما نوهنا أول هذا الكلام، رضاه عن اشتغال كوبريك على روايته التي كانت صدرت للمرة الأولى عام 1962.
والحقيقة أن هذا الافتراق يعتبر أساساً في تعامل كوبريك الدائم مع الكتاب الذين كان اعتاد أن يقتبس أعمالهم للسينما مطوعاً هذه الأعمال لمفاهيمه الخاصة، لا سيما منها المفهوم الذي يمكن تلخيصه بفكرة أساسية تقول: في البدء كان الجنون. ففي هذا الفيلم صور كوبريك بقوة، العنف، لكنه صوره كي يصور الجنون من خلاله: جنون أليكس وصحبه، ولكن جنون مجتمع القمع “الهادئ” أيضاً. هذا القمع الذي لم يفت المخرج أن يصوره وهو يمارس من قبل سلطات فرحة بنفسها، أمام أجهزة الإعلام التي لا يقل فرحها بما يحدث عن فرح السلطات.
اندبندنت عربية
